الناصرة- “القدس العربي”: يمتاز بعض الناس بـسيرة طويلة ومسيرة حافلة كماً وكيفاً، حتى تصبح مرآة لسيرة مجتمع أو شعب بأكمله. من هؤلاء البطريرك الأب الفاضل دكتور ميشيل صّباح ابن مدينة البشارة، البطريرك العربي الأول الذي يتسلم هذه المهمة، بطريرك المدينة المقدسة، للكنيسة الكاثوليكية اللاتينية. صّباح، الواقف على عتبة التسعين، بلغ قمة المناصب الكنسية، وهو واحد من رجال الدين الفلسطينيين واسعي الثقافة، عبّر بشجاعة عن موقفه السياسي المستمد من كلمة الله ومن رؤيته للعدالة وللحق والحقيقة والسلام. قال، في ما قال، إن “إسرائيل حكامها لا يرون صالحهم، وهم على طريق خطأ لن يدوم. وقد بنوا لأنفسهم في فلسطين، بحسب قول أحد كتَّابهم، قلعة مدججّة بـالسلاح، وسلاحها لن يحميها، ولن يحل محل “البيت” الذي يبنى على السلام فينعم أهله بالسلام. وخلاصهم فقط في السلام مع الفلسطينيين، وهم ما زالوا في حرب وفي خوف من الفلسطينيين”.
وفي هذه المناسبة أجرت معه “القدس العربي” الحديث التالي عن نشأته ومسيرته ورؤيته الاجتماعية والسياسية والفلسفية للحياة:
“ما تبقى في ذاكرتي هو البيت الذي ولدت فيه، ويقع في حارة كانت تعرف بحارة الدبس، لوجود عائلة الدبس فيها، والحارة محاطة بالأديرة، راهبات الكرمل، من جهة، ومن جهة أخرى راهبات الألمان، وقد حل محلهم اليوم راهبات الوردية. أذكر شجرة المشمش والليمون والقراصيا والجارانك في حاكورة البيت. كانت الناصرة وقتها قرية صغيرة، وملاعب طفولتنا كانت نزهات بين الكروم وفي الوعر حول الناصرة، وكان في البلدة ملعب يعرف باسم الميدان، تجري فيه مباريات كرة قدم ومهرجانات رياضية، ويقع فيه اليوم دار البلدية الجديدة”.
“نعم نحن خمسة أولاد وثلاث بنات. وضع العائلة كان متوسطًا والحاكورة خلف البيت هي رمز الحالة الاقتصادية والاجتماعية. عمل والدي في قطع الحجارة والبناء وهو عمل شاق. ووالدتي ربة بيت. تعلمتُ في مدرسة الفرير، والرهبان فيها فرنسيون ولبنانيون، والمعلمون من الناصرة، ودرست العربية والانجليزية والفرنسية في المرحلة الابتدائية. لم يترك أحد المعلمين بصمة خاصة علي. من مدرسة الفرير توجهت عام ١٩٤٣ إلى معهد بيت جالا، الذي يؤهل الكهنة لبطريركية القدس اللاتينية، وفيها استكملت الدراسة الإعدادية ثم الثانوية. لغة التعليم في السنة الأولى كانت العربية، ثم تعلمنا اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية واللاتينية، وصارت لغة التدريس اللغة الفرنسية. كنت في الحادية عشرة من عمري، لما بدأت الدراسة فيها. وبعد الدراسة الثانوية كانت مرحلة الفلسفة (ثلاث سنوات)، ثم اللاهوت (أربع سنوات)، ولغة التعليم في هذه المرحلة اللاتينية. في المعهد الإكليركي في بيت جالا شاركني زميلان من الناصرة هما المطران كمال بطحيش، وهو اليوم في القدس، والموسينيور الراحل رؤوف نجار، رحمه الله”.
كان الموقف الفلسطيني في عمان (العام 1970) على خطأ بسبب إثارة الفوضى في البلد. كان يجب على الأردن أن يستعيد أمنه.
“لا. الصحيح كنت مندمجا في التعلُّم بدرجة كبيرة، وكانت الحياة في المعهد كثيرة النشاطات، بالإضافة إلى الدروس، أحببتها. وكنت كثير المطالعة. لم أشعر بالغربة”.
“هذه يد الله. في جيل عشر سنوات قررّت أن أكون كاهنًا. مثل الرهبان الذين كانوا يعلمّوني، أردت أن أكون لله، بقدر الوعي الذي كان لي وأنا في هذه السن، لاتخاذ مثل هذا القرار. لاحقا اتضحت لي الفكرة، ما معنى أن تكون لله.. لا، لم يؤثّر والداي علي في هذا الاتجاه. إلهام رباني، ومشاهدة الرهبان الذين علمونا. والطريق ليست سهلة، وليس من المحتم أن من يدخل المعهد الإكليركي يخرج منه كاهنًا. نقضي فيه عمليا مدة ١٢ سنة. ندرس وننمو وننضج ونفكر، ونتعرض للصعاب، ويثبت من يثبت. كنا، في صفنا، عشرين طالبًا، من فلسطين والأردن. ومع الوقت تراجع الكثيرون، إذ اتضح لهم أن ليست هذه دعوتهم أن يصيروا كهنة. من عشرين طالبا، بقينا أربعة فقط، بعد ١٢ سنة. كانت الدراسة مجانية في بيت جالا. وكان النظام لا يسمح بالعودة إلى البيت، ثم تبدل، وصار الطلاب يذهبون في إجازات إلى البيت ثلاث مرات في السنة، لمدة أسابيع في مناسبة الأعياد أو أشهر (في الصيفية). وعندما احتلت إسرائيل الناصرة عام ١٩٤٨ تقطعت بي السبل، وحرمت من لقاء عائلتي. وفي هذه الفترة كنت واعيا لكل ما يحدث، كانت فترة صعبة. كان البطريرك يذهب من القدس إلى الناصرة مرة في السنة في عيد البشارة في ٢٥ آذار. وقد اصطحبنا مرة نحن الطلاب الثلاثة من الناصرة، في زيارته تلك. وكانت بعد أربع سنوات من النكبة سنة ١٩٥٢. شاركنا في الاحتفال الديني، وفي هذه المناسبة رأينا الأهل بعد فراق عشر سنوات. لم أقدر بعد عشر سنوات أن أتعرف على شقيقي الصغيرين توفيق وعزيز، فقد كانا في عمر ثلاث سنوات والثاني خمس سنوات، يوم تركتهما عام ١٩٤٣. والآن، بعد عشر سنوات، صارا شابين. لم أعرفهما. وسألت من هذا ومن هذا؟ فقيل لي: أخواك.. وكانت تلك الزيارة قصيرة جدا، مدة يومين فقط”.
“اليوم لم تبق مدارس داخلية. بقي المعهد الإكليركي في بيت جالا مدرسة داخلية. لكن النظام فيه تغير وصارت الإجازات عادية وهناك تواصل مع الأهل. وهذا هو الأفضل طبعا.
“أتممنا دراساتنا التي دامت بعد الدراسة الثانوية سبع سنوات في الدراسات العليا في الفلسفة واللاهوت، عام ١٩٥٥. وتقرر أن تكون رسامتنا الكهنوتية في الناصرة، نظرا إلى أن الحدود مغلقة، وحتى نتمكن من مشاهدة الأهل أيضا. دخلنا الناصرة مع البطريرك، بتصاريح خاصة للمناسبة، من الأردن ومن إسرائيل. كانت الرسامة في كنيسة السالزيان، وبقينا في هذه المناسبة وبصورة استثنائية جدا، مدة أسبوعين مع الأهل في الناصرة.
بعد الرسامة، عيّنت في تشرين الأول ١٩٥٥ كاهنا مساعدا في رعية مادبا في الأردن. مكثت هناك سنتين ثم عدت إلى الأكليركية في بيت جالا، لأكون معلِّمًا للغة العربية. وكانت هذه بداية الطريق للدراسات العليا في اللغة العربية، في الجامعة اليسوعية في بيروت. بقيت في بيروت من ١٩٦٥ إلى ١٩٦٨. وهناك شرعت بإعداد الدكتورة في فقه اللغة. كان أستاذي راهبًا يسوعيًّا، اسمه هنري فليش، وهو مستشرق ضليع في اللغة العربية، وله كتب في مجال الصرف والنحو. وكان يقوم بأبحاث ليدرس تطور اللغة في مختلف مراحل التاريخ العربي. اقترح علي أن أقوم بدراسة عن جمع التكسير وجمع المذكر السالم، في بعض نصوص الشعر الأموي. عنوان الدراسة: “اسم الفاعل، فاعل ومُفعِل واسم المفعول، مفعول ومُفعَل، وجمعهما، جمع تكسير أم جميع مذكر سالم، في نصوص الشعراء الأمويين الأربعة الأخطل والفرزدق وجرير وذي الرمة، وفي النثر في طبقات ابن سعد”. مثلا: هل قالوا: قاتلون أم قتلة، فارسون أم فوارس، أم فرسان ولماذا؟ الخ.. هذا بالنسبة له، فصل من فصول دراسة شاملة في تطور اللغة المحكية، ومقارنتها مع اللغة القرآنية في فترة التنزيل من ناحية الأسماء وإعرابها والأفعال والجمع والمفرد.
“وجدت أن هناك فروقًا بسيطة في المعنى في صيغة جمع التكسير وصيغة الجمع المذكر السالم. أما من حيث تطور اللغة، ففي إطار دراستي لم أجد فروقًا”.
“الفارق الكبير هو بين لغة القرآن الكريم واللغة المتداولة بين الناس اليوم، وربما في الماضي كانت لغة الناس أقرب إلى لغة القرآن. لكن النص القرآني حفظ الدين الإسلامي وصان اللغة العربية. الفارق مع الكتب المقدسة لغويا هو طبعًا كبير. فلغة الإنجيل مترجمة عن اليونانية، التي كتبت بها الأناجيل، أو اللغة العبرية القديمة التي كتب بها العهد القديم.
وبعد استكمال الدراسات، عدت إلى بيت جالا وتابعت تدريس اللغة العربية في بيت جالا في المعهد الإكليركي. ثم عيّنت مديرا للمدارس البطريركية في فلسطين والأردن. ثم ذهبت إلى جيبوتي، وعملت هناك مدة سنتين، وعلمت أيضا اللغة العربية، وقدمت محاضرات في الإسلام، للرهبان هناك. وفي جيبوتي التقيت شيخا فلسطينيا من بيتونيا وتحدثنا العربية وسرّنا ذلك، فكلانا في بلد غريب، وكل غريب للغريب نسيب. لغة الناس هناك كانت اللغة المحلية الصومالية أو الفرنسية (لغة الاستعمار)، أما اللغة الرسمية للبلاد فهي العربية. والرهبان في جيبوتي الذين علمتّهم الإسلام والعربية هم فرنسيون. مناخ البلاد حار ورطب. وأدهشتني قوة المد والجزر، ففي الصباح يكون البحر على عتبة البيت، وفي المساء يكون قد ابتعد عشرات الأمتار”.
محاولات السلام (الإسرائيلي) مع الدول المجاورة نوع من العبث. المهم السلام مع الفلسطينيين، فيه فقط أمن إسرائيل وسلامها.
ومن جيبوتي انتقل البطريرك صباح إلى عمان عام ١٩٧٠، ووصل إليها في ١٥ آب، وبعد أسبوعين وجد نفسه شاهدا على مواجهات “أيلول الأسود”. وعن تلك التجربة القاسية يستذكر باقتضاب: “قبل الصدام بين الجيش الأردني والفلسطينيين، كانت الحالة حالة فوضى، صارت لا تطاق. طلابنا في المرحلة الثانوية أو ما دون، مثلا، كانوا مزنّرين بالقنابل، والويل لمن يقول لهم كلمة. وفي الشارع كان خوف.. كان لا بد من حسم لإعادة الاستقرار. حدث الصدام، ودام أسبوعين فقط ثم عاد الاستقرار. كنت في الأشرفية وفي المصدار ومخيم الوحدات، والصدام مركز في هذه المنطقة. كان الجيش الأردني يقصف الأشرفية والمواقع الفلسطينية، ونحن في الوسط. كنا خمسة كهنة في دير اللاتين في المصدار. كنا نقضي الليل في الصالون وأحذيتنا في أقدامنا كي نكون مستعدين للهرب وقت الحاجة. في بداية الصدام لجأ إلينا رجال الأمن من المخفر المجاور للدير، فآويناهم معنا. وبعد أسبوعين لما انتهى الصدام، وسيطر الجيش على الوضع، التجأت إلينا جموع الفلسطينيين أيضًا من مخيم الوحدات. فآويناهم في مبنى المدرسة. ثم غادروا بعد أسابيع”.
“نعم. نحن كفلسطينيين، كبقية الشعوب فينا خير وفينا أخطاء، تاريخنا فيه حقوق وفيه أخطاء وهذا ما حصل في الأردن. كفلسطيني في عمان كان الموقف الفلسطيني على خطأ بسبب إثارة الفوضى في البلد. وبنظرة شاملة كان يجب على الأردن أن يستعيد أمنه. وهو اليوم بلد آمن جداً، وهو أكثر البلدان العربية أمنًا. بقيت في الأردن ١٧ سنة كاهن رعية، ومهتمًّا بالشؤون الدينية وبالتعليم والصلاة مع الناس. للبطريركية اللاتينية في عمان اليوم عشر كنائس وعشر رعايا. ورعيتنا في حي المصدار كانت الأكبر.
عام ١٩٨٧، بعد سبع عشرة سنة، عزت علي مغادرة الأهل في الأردن بعد هذه السنوات الطويلة. هناك نظام في الكنيسة اليوم، لم يكن في زمني، يقضي بنقل رجال الدين من خدمة في مكان إلى خدمة في مكان آخر، بعد تسع سنوات، ذلك ليعرف الكاهن نفسه أنه ليس ملًّاكًا، بل هو خادم يمُر، والناس هم المخدومون وأنهم الباقون. الكاهن خادم في كل مكان يُرسَل إليه، خادم ليصلي ويعلِّم ويشارك الناس في حمل هموم الناس.
“في نظامنا في البطريركية اللاتينية، يتقاضى رجل الدين “معاشًا”، أي ما يكفيه للعيش، ويحدد المعاش بحسب مقتضيات الحياة، وليس بمقتضى مؤهلات الشخص، أو الشهادات التي يحملها، أو حتى سني الخدمة. للجميع المعاش نفسه، من البطريرك إلى كاهن الرعية ومساعده، ومن أكبرنا إلى أصغرنا. لا فرق بين كاهن يحمل شهادات وغيره لا يحمل. الكل متعلم بما فيه الكفاية. لكن البعض يضيف شهادات ودراسات عليا. مثل رؤساء المحاكم الكنسية، أو معلمي الفلسفة واللاهوت، وغيرهم. تنتهي خدمة الكاهن بسبب تقدمه في السن، في سن ٧٥، ويبقى يتقاضى المعاش نفسه، حتى بعد تقاعده. وهو مؤمَّن صحيًّا، كل أنواع العلاجات المطلوبة، مثل كل كاهن يخدم. عندما كنت كاهنا في السبعينات في الأردن كان المعاش ٥٠ دينارا أردنيا شهريا وكانت كافية. في الأديرة الرهبانية، حيث تعيش جماعة من الرهبان معًا، يُوَفَّر كلُّ شيء للحياة لكل واحد منهم، التعليم، والغذاء واللبس، والعلاج، وكل شيء يحتاج إليه الراهب لمعيشته. وإن قام بأية خدمة للرهبنة فهو لا يتقاضى راتبًا، وإن خدم في مكان آخر، فهو يتقاضى راتبَا، لكنه يسلِّمه لرئيس الدير الذي يعيش فيه. فهو لا يملك شيئًا لنفسه، وإن ملك فللجماعة. كل الرهبان والراهبات ملتزمون بهذا النظام في الحياة الجماعية. طبعا يتراجع عدد مثل هؤلاء الرهبان والراهبات بسبب تغيّرات العالم وبحسب التربية داخل الأسرة. لكن الملاحظ أن انقطاع الرهبان عن الحياة الدنيا، رهبانا وراهبات، هو من أجل الرجوع إلى الناس، وخدمة الناس في المجتمع، فليس الانقطاع أمرًا سلبيًّا، بل هو طلب للحياة الأسمى، الحياة مع الله، وكلما زاد غناهم الروحي بالله، عادوا بهذا الغنى إلى العالم الذي يعيشون فيه، ليخدموه مختلف الخدمات الروحية والاجتماعية.
“في كلا المجالين، في السجود أمام الله، وفي خدمة الناس ومحبة القريب. في لحظات الصمت، والاختلاء مع الله بالفكر والروح. أحاول قضاء فترات أمام الله داخل الكنيسة، أو في أي مكان آخر. وكذلك كل خدمة، وكل عمل خير أقدمه لأخي الإنسان، بصرف النظر عن قوميته ودينه، ذلك أيضًا قرب من الله، خالق الإنسان. بقدر قربك من الإنسان أنت تقترب من الله. أما الزعم أنك قريب من الله وأنت بعيد عن أخيك، أو تعتدي على أخيك، فذاك ابتعاد عن الله وعن الإنسانية”.
الشعب الفلسطيني أصلا تنازل أكثر مما يمكن أن يتنازل أي شعب في الأرض. قال لإسرائيل: خذي كل بلدي واعطيني منه ٢٢٪.
وردا على سؤال يوضح البطريرك صبّاح أنه من مهام البطريرك الأولى هي رعاية الرعية دينيا والاهتمام بشؤون دينهم والصلاة معهم، وأن تقف معهم أمام الله وتقول يا رب ارحمنا. لكن الإنسان ليس فقط روحا ومصلِّيًا أمام الله. فالإنسان يتعارك مع آخرين والبشرية سواء، والرعية قسم من المجتمع ومجتمعنا مجتمع في صراع، وأنا وهم جزء منه. إذا كان الناس في صراع فأنا في صراع. أنا لست غريباً بل أنا من الناس ولكل الناس ومثل كل الناس. فليس صوابًا ولا يعقل أن اتحّصن داخل الكنيسة وأصلي، وأقوم بكل العبادات، ولا يهّمني ما يحدث خارجها. الصلاة داخل الكنيسة تكتمل بمحبة الناس جميعًا، في كل ظروفهم. أن أصلي أنا في الكنيسة وخارجها يُقتَل الناس، ويُظلَمون، وتدمر بيوتهم، ويجوعون.. هذه ليست صلاة. يسوع المسيح قال في كلامه على الدينونة الأخيرة: يقول يسوع المسيح في ساعة الدينونة والحساب، “لمن هم على يمينه: “تعالوا، يا من باركهم أبي،فرثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم: لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسوتموني، ومريضا فعدتموني، وسجينا فجئتم إلي”. فيجيبه الأبرار: يا رب، متى رأيناك جائعا فأطعمناك أو عطشان فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضا أو سجينا فجئنا إليك؟” فيجيبهم: الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه” (متى ٢٥: ٣٤- ٤١). هذا يعني أن فعل الخير لأي إنسان هو فعل خير لله، ويعني أيضا ضرورة الانتباه والبحث والاهتمام، وحماية الإنسان، وفي حالنا، الإنسان الفلسطيني المعذب، والمظلوم، وإهمال الإنسان يعني الابتعاد عن الله. أن أصلي داخل الكنيسة وخارجها يدمر بيت ويقتل إنسان ولا اهتم فهذا يعني أنني أهمل أخي وأهمل ربي سبحانه تعالى”.
وردا على سؤال عن تعيينه بطريركيا يقول غبطته: “عدت إلى القدس من عمان عام ١٩٨٧ بعدما تم تبليغي برسالة من القاصد الرسولي في القدس (ممثل البابا في فلسطين) وقال لي إنه تم تعيينك بطريركًا للقدس: هل تقبل؟ فأجبته بالإيجاب. فوجئت طبعًا. رغم بعض الإشاعات السابقة. المعنيون لا يُسألون، إلا بعد القرار. قبل القرار، يُسأل من هم حول المعني ويعرفونه، المطلوب لهذه المهمة بالإيجاز: إنسان يصلي أمام ربه، ويهتم بالإنسان، في كل مجالات حياته، ويحمل هموم الناس، يقدر أن يكون مخلصًا لله وللناس”.
لا يجوز أن تتدخل في السياسة. السياسة التي هي شؤون حكم وانتخابات ومناصب.. كل هذا سياسة لا أتدخل فيها. لكن السياسة التي تعني الظلم والقتل، وتدمير البيوت فهذه سياسة أتدخل فيها. هذا واجبي أن أهتم بالإنسان وخاصة المظلوم. هذا ما قاله السيد المسيح: كل ما صنعتم لإنسان معذب ومظلوم، فلي تصنعونه. يجب أن أقول كلمتي ويجب أن أقول للقاتل أنت قاتل. هنا شعبان وأنا فلسطيني، ولكني إنسان ومسؤول عن كل إنسان، الفلسطيني والإسرائيلي على السواء. أتدخل وأقول للظالم: لا يجوز أن تظلم.. ولهذا إن دافعت فأنا أدافع عن كل إنسان، الفلسطيني والإسرائيلي على السواء. لو وقع الإسرائيلي تحت ظلم، فأنا أدافع عنه أيضًا. فهو إنسان. وفي الوضع الذي نعيشه أقول: الفلسطيني هو المظلوم وذلك لا يجوز، والإسرائيلي ظالمه، ويجب ألا يبقى ظالمـًا. وأقول للإسرائيلي: يجب أن تحرر نفسك من الظلم الذي فيك، أي من ظلمك للفلسطيني. فأنا لا أوافق على ظلم الفلسطيني ولا أوافق على ظلم الإسرائيلي. أنا إنسان أدافع عن الإنسان، أيا كان. أقول هذا بكل اللغات وكل الأوقات”.
“نعم الصوت غير مسموع لأن إسرائيل لا ترى ومصابة بالعمى. عندها مفكرون ورجال دين ومثقفون وعقَّال، ويرون ما هو صواب وما هو خطأ. لكن حكامها لا يرون ولا يريدون أن يروا ولا يرون سوى منطق القوة. الفلسطينيون في أرضهم، ويطالبون بحريتهم وباستقلالهم، وبدولتهم. وما يطلبونه حق طبيعي في أرضهم. ما تطلبينه، يا إسرائيل لنفسك، اطلبيه لغيرك. عندما تكسبين السلام مع الفلسطينيين، فهو أكبر كسب لك. محاولات السلام مع الدول المجاورة، نوع من العبث. المهم السلام مع الفلسطينيين، فيه فقط أمن إسرائيل وسلامها. لكن حكام إسرائيل لا يرون ذلك، لا يرون سوى منطق القوة، ومنطق السلاح. والسلاح يمكن أن يقتل العدو، ولكنه لا يمكن أن يمنح الحياة للقاتل نفسه. والسلاح اليوم يمكن أن يقتل العدو ويمكن أن يقتل صاحبه. وإذا قتل السلاح العدو، فإنه لا يزيله. روح الشعب الفلسطيني ما زالت حية بعد قرن من الصراع، حيًّا ويطالب بما له. والسلاح لم يقتله.
“تقف إسرائيل أمام بابين: باب الحياة وباب الموت. باب الحياة هو أن تفتح عينيها وأن ترى الشعب الفلسطيني وتحترمه وتحترم حقوقه ومطالبه. والشعب الفلسطيني أصلا تنازل أكثر مما يمكن أن يتنازل أي شعب في الأرض. قال لإسرائيل: خذي كل بلدي واعطيني منه ٢٢٪. وهذا موقف لا يقفه أحد. لا يوجد أحد يقول لك: خذ كل بيتي واترك لي غرفة منه. إسرائيل إما أن ترجع لعقلها وتلبي مطالب الفلسطينيين، وإما تستمر في فرض الموت على غيرها، وعمليا هي تفرض الموت على ذاتها طبقا لقوانين الحياة وتجارب التاريخ. في التاريخ مفاجآت، يمكن للقوي أن يزول، والفلسطينيون في كل الأحوال سيبقون في أرضهم. إن لم تتبع إسرائيل طريق الحياة، ستفاجأ بما لا تتوقع ولا تريد. باب الحياة يعني السلام مع الفلسطينيين لا مع العرب ولا التطبيع مع الدول العربية، فهو غير مجد في هذه الحالة. باب الحياة لم يغلق بعد. بعض الجهات الإسرائيلية باتت ترى أن إسرائيل لم تعد صالحة للحياة ويشعرون بهذا الخطر الوجودي المرتبط بالواقع الذي تعيشه وأنه حان الوقت لحزم الحقائب والرحيل. رغم ما فيها من تطور، يقود إسرائيل اليوم حكام لا يرون أين يسيرون. يظنون أنهم يبنون لهم بيتا، لكنهم يبنون قلعة، والقلعة بحاجة إلى الموت ليحرسها، والموت يصيب الكل حتى من ظن أنه يدعو الموت لغيره. إسرائيل بحاجة إلى بيت مبني على السلام، لا إلى قلعة مبنية على السلاح والموت، الموت لا يحمي. ما زالت إسرائيل أمام بابين، ولها أن تفتح لنفسها باب الحياة إن شاءت. وهو الصلح مع الفلسطينيين قبل الدول المجاورة”.
عملياً (إسرائيل) تفرض الموت على ذاتها طبقاً لقوانين الحياة وتجارب التاريخ. وفي التاريخ مفاجآت.
“القدس أهم من موسكو ولندن وواشنطن ومن كل المدن في العالم لأن الله اختارها وصنع تاريخها، وخلاصة هذا التاريخ أنه جمع المسيحيين والمسلمين واليهود فيها بذات الحق الإلهي والديني. هي مكان صلاتنا ومكان معيشتنا. هذه هي القدس. لكن للأسف القدس هي عكس ذلك اليوم. القدس اليوم مدينة يحاول طرف واحد الاستئثار بها، هي إسرائيل التي تريد المسيحيين ضيوفا فيها وكذلك المسلمين ضيوفا، وبدون المسجد الأقصى. القدس اليوم، عكس ما أرادها الله، تعيش في حالة عنف صارخ، وفي حالة تبديل لسكانها وأهلها. حين يصير أهل القدس فيها متساوين في الوجود وفي الكرامة والحقوق والمعيشة، وحين يحترم الإنسان فيها عمل الله فيها، ولم يعتدِ أحد على أحد، ولا على مقدسات أحد، إذاك تعود القدس إلى طبيعتها، كما أرادها الله”.
“لا يمكن أن تكون الاعتداءات على الحرم الشريف بحجة الصلاة، صلاة. هذا ليس تعبّدا، فمن يعبد الله لا يقتل خليقة الله. لا يمكن الجمع بين الصلاة والاعتداء على الإنسان وعلى المصلي في مقدسه، ولا يمكن الجمع بين الصلاة وبين إبعاد المسلمين عن مقدساتهم. إن كنت متعّبدا فعليك بعدم الإساءة للآخرين. وعليك احترام صلاة الآخرين. الاعتداء على صلاة المصلين في القدس، في الحرم الشريف، أو في أي مكان، يعني الاعتداء على ما أراده الله في هذه المدينة: أن يجمعنا فيها معًا. الله اختار القدس في مبادئ التاريخ، وسيعود إليها في تاريخنا إن شاء الله”.
“كلا لم أتعرض لضغوط إسرائيلية. لكن قيل لي وعلمت أن أقوالي لم تكن ترضي إسرائيل. لكنني لم أتعرض لمضايقات من أحد”.
بعض الجهات الإسرائيلية باتت ترى أن إسرائيل لم تعد صالحة للحياة ويشعرون بهذا الخطر الوجودي المرتبط بالواقع الذي تعيشه وأنه حان الوقت لحزم الحقائب والرحيل.
“الوجود المسيحي الكاثوليكي كان ممثلا برهبان الفرنسيسكان منذ جاؤوا أيام الصليبيين للبلاد، لكنهم جاؤوا لا ليحاربوا، بل ليصلُّوا، وعلى رأسهم مؤسسهم، الراهب فرنسيس الأسيزي، والذي التقى السلطان الملك الكامل في مصر. وأكرمه السلطان ولم يعامله كعدو، بل كإنسان مؤمن، واحترم السلطان إيمانه. ثم رحل الصليبيون المحاربون، وبقي رهبان الفرنسيسكان بصلاتهم في الأماكن المقدسة. وتكونت حولهم جماعة مؤمنين صاروا يصلون بالطقوس اللاتينية. في ١٨٤٨ رأت روما أن يكون الوجود الكاثوليكي ممثلا في فلسطين ببطريركية، كما هو الحال لدى سائر الكنائس، الروم الأورثوذوكس والأرمن، فقررت إنشاء بطريركية اللاتين. كان البطريرك الأول إيطاليًّا، وكان كاهنا يعمل في السفارة البابوية في سوريا، وقام برحلات في كل المشرق، ويعتبر عبقريا أجاد لغات شرقية كثيرة منها العربية. كان أول ما فعله إنشاء المدرسة الإكليركية لتنشئة كهنة محليين فلسطينيين، فصار هناك كهنة محليون يخدمون المؤمنين، ثم سمي أول مطران عربي المطران منصور جلاد من يافا، عام ١٩٤٧. ثم رسم مطارنة آخرون. وأخيرًا كان أيضا بطريرك من أبناء الكنيسة والأرض نفسها. فالأمور سارت في تطور كنسي طبيعي”.
“اللغات التي نتعلمها، للكلام وللثقافة، هي العربية، والفرنسية، والإنجليزية، واللاتينية، والإيطالية. واليوم أضيفت العبرية. ثم يضيف كل واحد ما شاء من اللغات الأخرى. من جهتي، دراستي في فقه اللغة العربية اضطرتني إلى التعرُّف، أقول تعرُّف، لا إتقان، على لغات شرقية وغربية كثيرة، منها الأوردو والفارسية، والألمانية والروسية..”.
“هذا موضوع الشرق الأوسط كله، وهو مرتبط بالخطط السياسية الغربية التي تحاك له. ففي هذه الخطط يستبيحون، هم أي القوى السياسية، دماء الشعوب بحسب مصالحهم. وفي هذه الاستباحة يهلك المسلم والمسيحي على السواء. ويهاجر المسيحي والمسلم، مع العلم أن عدد المسيحيين قليل، وقد صار أقل بكثير. وذلك صحيح في فلسطين كما في سوريا والعراق ومصر ولبنان.. مشكلة الهجرة أساسها ليس العيش معًا مسلمين ومسيحيين. مسلمون ومسيحيون، نعم عشنا أياما صعبة، في الماضي. وعشنا فترات استقرار. واليوم أيًضا ظهرت مظاهر طائفية كانت أليمة، وكانت هي أيضا من دوافع الهجرة المسيحية. على كل حال اليوم، مسلمين ومسيحيين، علينا أن نتعلم كيف نعيش معَا. تعلمنا الكثير في العصور الماضية، ولكن لم نتعلم ما يكفي. ما زالت الطائفية واقفة لنا بالمرصاد. ومهمة الأجيال اليوم، ولا سيما في مواجهة خطط الغرب السياسية، في هذه المنطقة، هي أن نعرف كيف ننسق جهودنا لنعيش معا، مسلمين ومسيحيين. المسلم مسؤول والمسيحي مسؤول. هل نجعل الطائفية سلاحا إضافيّا قتَّالًا في المنطقة، أم نتوصل إلى تجنبه، لنحقق سيادتنا وحريتنا وتثبيت كل حقوقنا؟
السبب الرئيسي والفعلي اليوم لهجرة المسيحيين هي سياسة الغرب هنا. لا يهمها الوجود المسيحي. تهمها مصالحها. الهجرة متوقفة على الاستقرار السياسي في المنطقة كلها. وعلى وعينا طبعا نحن أنفسنا، لمؤازرة بعضنا بعضا، ولنعرف أننا ما زلنا في حاجة لأن نتعلم من دروس العصور الماضية، كيف نثبِّت عيشنا معًا.
إسرائيل تريد المسيحيين ضيوفا في القدس، وكذلك تريد المسلمين ضيوفا، وبدون المسجد الأقصى.
“هناك عدة مواقع فيها حوارات بين مثقفين ونُخَب. ما ينقص هو حوار على مستوى القاعدة. المقتنعون بالحوار يتحاورون، والمهم هو غير المقتنعين. عليهم الدخول في هذا الحوار. والحاجة إلى الحوار مشتركة، كما قلت، المسلم مسؤول والمسيحي مسؤول. وعلى أساس أننا شعب واحد في كل بلاد الشام. قال البعض قبل سنوات إن المسيحيين آراميون وليسوا عربًا. الصحيح أن كل سكان بلاد الشام آراميون، وعرب كذلك، من العرب المهاجرين من الجزيرة العربية قبل الإسلام. فكل سكان بلاد الشام كانوا آراميين وعربا. والمسيحيون اليوم والمسلمون كذلك، كلنا سواء، آراميون وعرب. بعضنا أسلم وبعضنا ظل مسيحيا. والمهم، نحن اليوم عرب وفلسطينيون، في فلسطين. وبناء على هذا، أعود إلى موضوع الحوار، أقول إنه ضروري للمسلم وللمسيحي لنقوي روابط الأخوة والحقيقة التاريخية بيننا”.
“الحنين إلى الناصرة مسقط الرأس شديد. لكن من يقيم في القدس، القدس تملأه. تبقى الناصرة في القلب وبيت لحم في القلب وفلسطين كلها في القلب، والله في القلب وأبدية الله في القلب، أقول هذا وقد أصبحت على أعتاب الأبدية”.