القصيدة العمودية والتحوّل السردي

في القصيدة العمودية ثمة مران على الاهتمام بالبيت الواحد، شطره وعجزه، مثلما يكون الاهتمام من قبل الشاعر على قولبة المعنى ليبثّه داخل القصيدة المؤلّفة من عدّة أبيات شعرية.. وهو الأمر الذي يجعل القصيدة العمودية قصيدة انفعال (موسيقى البيت الواحد) الذي يكتمل معناه في داخله وقافيته ومداركه وإحساسه، وقد يحتاج إلى بيتٍ آخر لاستكمال المعنى إن اقتضت الضرورة.. وهذا الأمر لا يعني عدم الاهتمام بجسد القصيدة التي يكون فيها العنوان مرآة عاكسة للقصيدة، التي يريد الشاعر (كتابتها) ولهذا نرى أن الكثير من القصائد العمودية الطويلة لشعراء كبار يمكن اختزالها في بيتٍ واحد يكون استشهادا من قبل المتلقّين والدارسين.. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة منها:
أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي
وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ
وكذلك
بغداد ما اشتبكت عليكِ الأعصرُ
إلا ذوت ووريق عمرك أخضرُ
وغيرها العشرات من هذه القصائد التي تعتمد على البيت الشعري الذي يلّخص القصيدة برمّتها، وكأنها القصد الكلّي الذي يراه المتلقّي في هذا البيت أو ذاك، من هذه القصيدة أو تلك.. ولهذا فإن الكثير من الشعراء العموديين هم أقرب إلى النظم الشعري منه إلى القصيدة الكلية، التي تهتم بجسد القصيدة كلها، وهنا يكمن الفارق في تعددية الكتابة الشعرية وتشابه الغايات والمرام، وحتى الأهداف المستخلصة من هذه القصيدة أو تلك. لكن هناك قصائد شعرية خرجت من ثوب فاعلية البيت الواحد (صدر ـ عجز) إلى الفضاء الأوسع للتأويل، إلى البحث عن مرافقات لمعنى القصيدة العمودية، إلى عملية الترابط بين البيت الأوّل والأخير، إلى اقتراب القصيدة من المبنى السردي من خلال وجود حكاية جامعة، من خلال التجديد، ليس في الوزن الشعري، بل في الخلاصة الكلية للقصيدة ذاتها.. ومن هذه القصائد ما يكتبه الشاعر عارف الساعدي في أغلب قصائده العمودية، خاصة في قصيدة «ما لم يقله الرسام» التي نرى فيها ثوبا شعريا كاملا.. التحوّل في المعنى العام لـ(نظم القصيدة) وتحولها من قصيدة منبرية، انفعالية، احتكامية، نظمية، إلى نصّ شعري له روح السرد، الذي نعني به اكتمال المعنى الكلّي، من خلال جمع حاصل الفرعيات التي تشكلّها أبيات القصيدة، بل تحوّلها من نصّ (خطابي) مباشر يعتمد على خاصية التفاعل الصوتي، إلى عملية (الإلقاء) الهادئ الذي يحتاج إلى تأمل الفكرة الكلية، وتفكيك محتوياتها الكلية إلى أجزاء حكاية تفكيرية، يختلط فيها المستوى التصويري بالإخباري بالتحليلي بالتأويلي بالقصدي، ليصل إلى المستوى الفلسفي الجامع لكل (محتويات النص).. وهو ما يعني أن قصائد كهذه جامعة لكل المستويات الأدبية التي اجترحناها في (بنية الكتابة) وهو بذلك يتفوّق على النصوص العمودية الأخرى بوصفها مترابطة لا مفكّكة إلى (أبيات) موحّدة لا مشتّتة الأهداف، متقاربة لا متباعدة الغايات. وتصل إلى عدم تقبّل نقل بيت شعري من مكان إلى آخر، وهناك صعوبة في اختيار بيت شعري، ليكون هو حاصل جمع المتبنيات الكليّة لمعنى النصّ الحديث.
هذه القصيدة وقصائد أخرى تشكّل العلامة السردية ـ وحدة الحكاية ـ أهم عواملها، فهي في كلّ بيت شعري ترتبط بالذي يسبقه.. ولو أخذنا القصيدة من أوّلها، سنجد أن العنوان ليس مرآةً كاشفة، بل هو البوابة الكبرى التي تفضي إلى الدخول إلى مدينة القصيدة، كما هو في النصوص الشعرية النثرية والسردية.. التي يكون العنوان أسّ العمل، ومن خلال تفكيك النصّ بنائيا وتدوينيا، نجد أن الاستهلال يرتبط بمقولة العنوان (ما لم يقله) لنكتشف العلاقة بين الرسام وقوله، والقول والفاعلية الرسمية:
رسمتُ غيماً ولم أرسمْ له مطرا
لكنَّه كسّر اللوحاتِ وانهمرا
فيبدو المستوى الإخباري هنا قد أعلن عن فاعليته الأولى، بإخبار المتلقّي بهدفية الصنعة الشعرية التي يريد سبكها وسكبها شعريا.. لذا فإن الأمر لا يبدو كافيا ليكون بيتًا شعريا منعزلا، بل هو بحاجةٍ إلى بيت آخر:
وفززَّ الماء طيناً كان مختبئاً
في لوحتي ناطراً في صمته المطرا
فيبدو هنا المستوى التحليلي المرتبط بالقول الخاص بالرسّام ذاته، وهو المخاطبة بطريقة المتكلّم (لوحتي) وعملية الانتظار المرتبط بالصمت والمطر ليجد نفسه (المتكلّم/ الشاعر) بحاجةٍ إلى توصيفٍ ومتابعة الأثر، لما يمكن أن تمنحه جملة (ولم أرسمْ له مطرا) حين يلجأ إلى المستوى القصدي:
وكان في الطين حلْمٌ لو منحتُ له
وقتاً نديّاً لكانت لوحتي شجرا
وهو مستوى يختزل الاستهلال، ليرتبط بما يأتي من قصيدة لها فاعلية السرد والاستمرار، ليصنع لنا لوحةً شعريةً يمكن للمتلقّي أن يتأمّلها، دون أن يركّز على فاعلية البيت الواحد، رغم جماله لكنه يريد ملاحقة (الأبيات) الأخرى بهدف الكشف عن المعاني الأخرى، كونه لا يمتلك فرضيةً أو فرصة التوقّف عن البيت الشعري لاكتمال المعنى، بل بحاجةٍ إلى متابعة التسلسل المنطقي للقصيدة، فتتحوّل عندها القصيدة إلى نصّ. ولهذا نجد أن عملية الكتابة تتنقل في القصيدة بين صوت الراوي/ المتكلّم، وصوت الغائب الذي صيّره الشاعر ليكون مقابلًا له، سواء كان المتكلّم أو اللوحة ذاتها بما تحمله من فاعليات عديدة.. ليصل إلى لبّ القصيدة في التحوّل من المستويين الإخباري والتصويري إلى المستوى القصدي:
لا لونَ في اللون كانت لوحتي وطني
وكنتُ أمتدُّ في أحلامه حذرا
ولهذا نرى أن الشاعر يلجأ إلى المخاطبة المباشرة كونه هو المتحدث (مسك يدي/ يوقفنا/ خلفنا/ ترضى) ليسكب لون الحرف الساطع في البيت الذي تحوّل من لغة السارد المباشر إلى الاستعانة عنه بالغائب، مع الحاجة إلى الأبيات الأخرى التي سبقته، ليكون علامةً دالّةً على التحوّل في الخطاب الشعري/ السردي:
حزني إذا أكمل الرسام لوحته
أعاف بيتاً له أم ظلَّ منكسرا
ليكون مقابلًا في الجملة ذاتها (حزني/ الرسام لوحته) وهو هنا يعني هو/ أنا.. ليستمر في بناء القصيدة/ النص في هذه الانتقالات:
ينسى ويرسم والدنيا تدور به
وظلَّ يرسمُ عمْراً يأكل العُمُرا
ليأخذا المستويين الإخباري والتصويري في ممارسة لعبة الانتقال السردي بين (أنا / الرسام- الرسام/ أنا) من خلال بثّ مفردات ترتبط بهذا التحوّل (لوحتهِ/ أمانيه/ قصائده/ يزداد/ يرسم/ رشَّ/ إلاّه) وهذه مبثوثة في الأبيات الشعرية التي تقترب من السرد والخارجة من فوهة المخاطبة الشعرية إلى المخاطبة الفكرية والتأملية. لينهي الشاعر القصيدة من خلال تفاعل كل المستويات وطريقة المخاطبة (الشعرية/ السردية) التي لا تتيح للمتلقّي أن يختار بيتا محدّدا ليكون ممكنا في قوله أو استنطاقه، ليكون هو الغاية الكبرى، بل يحتاج إلى أبياتٍ أخرى، وإن كانت الأبيات مستقلّةً بذاتها، بنائيا وموسيقيا باعتماد الشاعر على الوزن الشعري، لكنه تخلّص من (تراتبية) البناء الذي يؤدي في الكثير من الأحيان إلى جعل النصّ الطويل عبارة عن أبياتٍ متلاصقةٍ ليكون أمام نصّ ( تفكيري) باحثًا عن الأبيات التالية، لتكون في الميزان الذي تتعادل كفّتاه، ما بين القصيدة الموسيقية/ العمودية، والنص كقصيدةٍ سرديةٍ لها فاعلية التماهي الكلّي، الذي يربط بعدها المتلقّي ما بين العنوان وما فعله في عملية الدخول كونه البوابة، والخاتمة التي تعد هي صفحة الكتاب الكلّي لمدينة القصيدة:
الكلُّ يدخل من أبواب لوحته
إلاّه ظلَّ على الأبواب منتظرا

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية