آفاق تعريب الإنتفاضات العربية

حجم الخط
0

عبدالامير الركابي تحتاج الانتفاضات العربية الى حملة تعريب، تخرجها من النزوع ‘القطري’ الطاغي على ادائها. ومع انه من الصعب افتراض ان هذه الانتفاضات، ستقبل الانضباط داخل سقف، او ‘قاسم مشترك’، يستجيب للحقائق ‘القومية’. الا ان مثل هذه الصعوبة، لاينبغي ان تكون حائلا دون عرض هذا الاقتراح، باعتباره حاجه، كما بصفته امتحانا، يؤشر الى سلة الدوافع، او الديناميات المحركة للانتفاضات. واذا كانت متطابقة فعلا مع اهدافها المعلنه، ويمكن لها (الديناميات) ان توصلها الى ماهي راغبة في تحقيقه. وعموما فإنه، وبعد سنة من بدء الربيع ‘العربي’، اصبح من المعقول التساؤل، عما اذا كانت الديمقراطية الآنية، هي المطلب الاعلى. بغض النظر عن المقتضيات القومية، وهو تساؤل صا ر من اللازم ان يعرض، من بين قضايا اخرى، وهموم او نواقص واخطاء، بعضها يرافق ادائها، اوهو نابع من حدودها الممكنة، وسقفها المتاح، ومآلاتها. ومن ذلك على سبيل المثال، النزعات القطعية الاستعجالية والملحاحة. او التي لاتتناسب تماما، مع الخصوصيات في موضع، حتى وان بدت، او كانت ممكنة، ومتفقة مع منطق الاشياء في مكان اخر. فمطالبة المتظاهرين برحيل النظام، او رحيل راسه في العراق مثلا، ابان تصاعد التظاهرات هناك قبل اشهر، بينما الالية الانتخابية، معتمدة في البلاد، بغض النظر عن حصيلتها الفعلية، يبدو من قبيل المبالغة في ‘استنساخ’ حالات غير مشابهة تماما. ومع ان ذلك المطلب او الشعارصالح، وامكن تحقيقه من قبل، بسرعة في تونس ومصر. الا انه حين يتكرر في سورية واليمن، فان النتائج قد لا تأتي متماثلة. وحيث يظهر في الحالات الاخيرة، قصوربنيوي يمنع بلوغ الهدف بسرعة، فإن النتيجة تكون التحاقا ليس بالنموذج المصري، او التونسي، بل بالنموذج الليبي والعراقي، وتحديدا من ناحية اضطرار الانتفاضات، الى طلب التدخل الاجنبي، او الاقليمي بمختلف اشكاله. سوى ذلك، فإن البحث في مسألة الديناميات، او القاعدة التي تريد قوى التغيير، الاعتماد عليها، مايزال غير واردا. لابل ان هؤلاء في الغالب، يميلون الى تجاهل ونكران، هذه الناحية الحيوية. مفترضين ان العالم العربي، يمكن ان ينتقل الى الديمقراطية اليوم، حتى وان هو لم يمتلك بعد، الاساس المادي لانتقال من هذا القبيل. بغض النظر عن انه مايزال يستجيب، لابل يخضع في الغالب، لمحركات جزئية. طائفية او عشائرية اثنيةاو مناطقية. وهذا على الارجح، مايجعل الالتزام القومي ضعيفا، والرغبة بالاتفاق على سقف، يعين القرب او البعد عن المصالح العليا القومية، والامن القومي، تكاد تكون، لاوجود لها، بالاضافة الى اختفاء اي نزوع الى التلاقي، او التشاور، او ابداء الحاجه الى اللقاء بين الانتفاضات، رغبة في التنسيق، او’توحيد ‘ المواقف.

ومن الواضح ان الاوضاع العربية، ليست هي نفسها في كل مكان، وان هنالك نوع من ‘النمو المتفاوت’ بين البلدان العربية، على مستوى الحاح قضية التغيير، او درجات نضجها، ومستويا ته. والعوامل الفاعلة والمؤثرة فيها سلبا او ايجابا، ومن ثم في مجال الاساليب والوسائل الواجبة، والمطابقة للضرورة في كل موضع على حده. هذا مع ان مما يلاحظ اليوم بوضوح صارخ، ان هذه الهبة الجماهيرية، ليس من اولوياتها تأكيد ‘الوحدة’ بين العرب. وقد يكون هذا المظهر دالا، على تحسسات جديدة في هذا المجال، وان قومية و’وحدة عفلق’، او ‘الحصري’، و’عبدالناصر’، ربما تكون اصبحت الى الوراء. غير ان مايثور القلق بخصوصه على هذا الصعيد، هو ماتنم عنه، تدني درجة حضورالمسالة القومية في الانتفاضات. خاصة اذا مااردنا اعتباره دليلا، تقاس به، حقيقة مكانتها في الوجدان العام. فهل المسألة القومية اليوم، في طور البحث العقلاني؟ او هي في الوقت الضروري، للانتقال من المستعار والمنقول / اي الايديلوجيا القومية باصولها الغربية المعاصرة / الى ‘العروبة’ كمادة خام، يعاد البناء عليها. قد يكون هذا واحدا من الاحتمالات الوجيهة، بغض النظر عن التجارب والانتكاسات الماضية، ومفعولها السلبي، بجانب تكريس الدول القطرية لسنوات طويلة. مع ملاحظة بروز ظاهرة ‘الوطنيات’، في ميدان الفعل الشعبي. فالانتفاضات اذا لاحظنا احد مظاهرها الدالة، قد استثارت بالاحرى وضخمت، النزوع القطري على المستوى الشعبي، بحيث يتعزز الآن الحديث المتكرر، عن مصر وسورية واليمن، وخصوصيات ثورات كل منها على حده، وكل هذا يقف على طرف معرقل، غير مساعد، على توليد نزوعات ذات بعد عروبي وقومي. ذلك اذا تجاوزنا التسمية، التي هي ربما من صناعة الغرب واعلامه، وليس من اختراعات العالم العربي. فتعبير ‘الربيع العربي’، هو التسمية التي اقتضتها المقاربة الغربية، للانتفاضات ‘العربية’. قد يكون من المعقول، ان لم يكن من الملح، الاعتقاد بان القضية القومية، تتهيأ من جديد للدخول الى ‘المختبر المفهومي’، على الاقل بناء على التجربة الراهنة. فالحالة العربية، تتقبل مثل هذه التتابعات في الفحص واعادة الاختبار، بضوء التجارب الكبيرة. والفذلكات المعتمدة نظريا، بخصوص القضايا العربية الاساسية حتى اليوم، ماتزال ابعد من ان تصل الى الصياغات النهائية. ومن البديهي ان يتنبه القوميون الايديلوجيون اليوم مثلا، الى درجة ضآلة النداء القومي، في حدث ‘قومي’ كبير وتاريخي، من نوع ذلك الحاصل حاليا. الامر الذي قد لايزكي قطعا هذا الحدث، او يجعله هو المقياس، بالضد، وعلى حساب وجاهة المسألة القومية. سوى ذلك، تقابلنا معضلة اخرى، فالمؤهلون لاعادة المسالة القومية الى المختبر من جديد ‘شاخوا’. وهم اصلا كانوا من الناحية الفكرية مؤطرين، ومحدودي التطلعات، ضمن تجربة وزمن بعينه. بالمقابل، لايبدو ان جيلا قوميا جديدا ينمو، او ينبثق من داخل الانتفاضات الحالية، وهذين الملمحين، يزيدان الشعور بالياس من امكانية، او احتمال عودة حيوية القضية القومية، او تجددها في الافق القريب. وبينما الانتفاضات خرساء، لاتنطق قوميا، والقوميون التقليديون الايديلوجيون، لايجددون موضوعات العروبة، فالمرجح ان السؤال حول هذه القضية الكبيرة جدا، سيكبر مع الزمن كثيرا.. اما قضية فلسطين وغيابها… فتلك مسالة اخرى. ‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية