الناصرة : القدس العربي د. عادل شلاعطة طبيب فلسطيني من مدينة سخنين داخل أراضي 48 مختص بالأمراض الوراثية ومسكون بهاجس مخاطرها وإمكانيات تلافيها. مدفوعا بإنسانيته قرر رغم المصاعب ألا يكتفي بالعلاج والبحث فبادر بتنظيم حملة توعية أيضا نظرا لتفشي الأمراض الوراثية في المجتمعات العربية لا سيما أن نسبة زواج الأقارب ما زالت مرتفعة وتتسبب بزيادة هذا الأمراض وبمعاناة طولها بطول الحياة. في مدينته حشد المئات من معارفه وزملائه وكشف عن تأسيسي جمعية «جيناتنا» وأطلق حملة لمكافحة التهديدات الوراثية بعنوان «جينا وجينا وجينا.. جبنا الجينات وجينا» مستلهما بذلك الأغنية الشعبية الفلسطينية الخاصة ببلوغ موكب العروس لبيت العريس. ويوضح شلاعطة لـ «القدس العربي» أن ظاهرة زواج الأقارب ما زالت منتشرة جدا في المجتمع الفلسطيني وتبلغ في بعض البلدات 50٪ من العائلات.
أعراض مبكرة في العيون
ولإلقاء الضوء على مخاطر زواج الأقارب وما يترتب عليها من مخاطر طبية عرض في الاحتفالية فيلم «أحلام» حول مأساة طفلة أصيبت بمرض وراثي نادر أقعدها منذ أن كانت بالخامسة قبل 30 عاما فأصبحت لا تقوى على العيش بدون أجهزة ورعاية يومية تتولاها والدتها التي رهنت حياتها من أجلها.
والطريق للتقليل من مثل هذه المآسي تكمن في الحد من ظاهرة زواج الأقارب وبالفحوص المخبرية التي ينبغي أن تسبق الارتباط والزواج لاكتشاف أمراض كامنة من شأنها أن تصيب نسل المرشحين للزواج. ويقول زميله طبيب العيون د. عنان عباسي إن معظم الأمراض الوراثية تظهر أعراضها بداية في العينين مثل أمراض الشبكية وهي الأكثر انتشارا.
ولهذا الغرض تهدف الجمعية إلى تعميم وترسيخ الوعي من خلال الندوات والمنشورات لخطورة زواج الأقارب والأمراض الوراثية داعيا الإعلام العربي إلى المساهمة في تبيان ملامح هذه المخاطر .
قرع الخزان
شلاعطة الذي أنهى دراسته الجامعية في الولايات المتحدة يكشف في واحدة من دراساته عن جين جديد يؤدي للسمنة المفرطة لجانب أسباب غير وراثية متعددة تنتشر بشكل مقلق في المناطق العربية. ويقرع الباحث الخزان على مسامع فلسطينيي الداخل ازاء «ارتفاع مقلق جدا « في ظاهرة البدانة مقارنة مع كل العالم العربي. ويشير إلى أن معطيات رسمية اطلع عليها لم تنشر بعد تكشف عن أن ظاهرة السمنة الزائدة تطال نحو 60-70 ٪ من النساء الفلسطينيات في الداخل نتيجة الحمل،البطالة، الطعام الزائد،التوقف عن العمل بالزراعة بعكس الماضي. يوضح شلاعطة الذي يدير اليوم معهدا للطب الوراثي في مستشفى صفد أن البدانة وباء عالمي لكنه منتشر أكثر حيثما يقل الوعي لحيوية المجهود الجسماني.
عوامل وراثية
علاوة على ذلك يرى الطبيب والباحث المختص أن هناك أسبابا وراثية أيضا خلف ظاهرة السمنة منوها لوجود عائلات معينة يميل أفرادها للبدانة منذ الطفولة المبكرة.
ويؤكد أهمية العامل الوراثي ويقول إنه قد يبلغ اليوم من 60٪ إلى 90٪ من أسباب البدانة. ويدلل على ذلك بالإشارة لوجود اختلاف كبير في الأوزان والبدانة بين أفراد عائلة يعيشون في بيت واحد بعضهم هم أولاد بالتبني وهم يشبهون عادة آباءهم البيولوجيين.
جينات مجهولة
ورغم تقدم العلم لم يكتشف الأطباء بعد سوى 10٪ من الجينات المسببة للسمنة الزائدة لدى البشر أما بقيتها فما زالت مجهولة،بعضها يزيد الوزن بعدة كيلوغرامات وبعضها الآخر يضاعف الوزن ثلاث مرات. في دراسته التي نشرت في المجلة العلمية الأمريكية( American Journal of Human Genetics) ولقيت أصداء واسعة في الولايات المتحدة تمكن الطبيب الفلسطيني شلاعطة من خلال إجراء مسح للجينيوم من تحديد جين جديد يسبب سمنة لدى عائلة عربية في الجليل.
ولتعزيز استنتاجه العلمي أجرى عملية هندسة وتعديل وراثي على فأر «موديل مخبري» يشبه وضع الإنسان المصاب بالسمنة المفرطة.
تجارب مخبرية
وخلال ذلك تم تعطيل الجين Cep19 (الموازي لجين CEP19عند الإنسان) وعندئذ تبين أن الفأر المعدل وراثيا قد تعرض هو الآخر للسمنة بجيل مبكر (6-8 أسابيع ).
وشملت الدراسة عدة عينات، كبارا وصغارا، من الإخوة الأصحاء و المصابين بالسمنة المفرطة ومن الآباء والأمهات.
وردا على سؤال عما إذا كانت البدانة تتبع نمط الوراثة المندلية Mendelian inheritance قال شلاعطة إن السمنة لدى العرب تتبع الوراثة المركبة كبقية العالم. وينوه أنه في المقابل هناك عائلات تميزها نسبة بدانة عالية جدا وهي تتبع الوراثية المندلية التقليدية وهذا يعني برأي شلاعطة أن جينا واحدا هو المسؤول عن السمنة (الوراثة المتنحية أو السائدة).
زواج الأقارب
ويفسر ذلك بالإشارة لزواج الأقارب بين العرب حيث تكون الأمراض الوراثية «متنحية» حيث أن الوالدين أصحاء غير أنهما « ناقلان للمرض «.
ويشير إلى أن للوالدين في هذه الحالة وزنا عاديا لكنهما ينجبان أولادا بعضهم يطور السمنة لافتا إلى أن النمط الوراثي الثاني الشائع جدا (« الوراثة السائدة») يقترن بسمنة مفرطة عند أحد الأبوين الذي ينقل الداء بنسبة 50٪.
عوامل أخرى
وردا على سؤال يعتبر شلاعطة أن الوراثة هي العامل الأساسي لكن يضاف له عوامل أخرى قد لا تقل أهمية وقد تتفاعل مع العوامل الوراثية، ومنها البيئة، الوضع الاقتصادي الخاص والعام المؤثر على وفرة الطعام ونوعيته (غني بالطاقة، مجاعة، فقر، طعام متوازن غذائيا) نمط الحياة الشخصي (عمل جسماني أم مكتبي، فعاليات جسدية).
كما يشير لعامل الوضع الصحي (مرض مزمن: مقعد، سكري، مرض الغدة الدرقية وغير ذلك)، تناول العقاقير كالأدوية، التدخين.
دول الخليج
وردا على سؤال حول الظاهرة في العالم العربي يشير لارتفاع مقلق للسمنة في دول الخليج ويتابع: «نسبة زواج الأقارب مرتفعة في كل الأقطار العربية، والأمراض الوراثية شائعة جدا، ونسبة السمنة المفرطة والسكري في ازدياد مضطرد».
وردا على سؤال حول استغلال هذه النتائج لتبرير عدم اعتماد نظام حمية صحي وتفادي السمنة يقول شلاعطة إنه لا يمكن تغيير الجينات الموروثة وأن وراثة الابن جينات السمنة المفرطة ستجعله يسمن حتما.
قدرة التحكم
في المقابل ينبه لإمكانية تحكم الإنسان في وتيرة السمنة ودرجتها وتحديد كمية ونوعية الطعام إضافة لإمكانية تحكمه بإحراق بالطاقة يوميا من خلال إرادة صلبة. ويضيف «قد نتساءل بحق هل عدم التقيد بنظام غذائي سليم أو عدم التقيد ببرنامج رياضي لمدى بعيد هو وراثي ايضا.