شاعر أرضي في متاهة من الأساطير

حجم الخط
2

 

وجد بعض الشعراء العرب، وبخاصة الشعراء العراقيين، في الأسطورة الرافدينية، منهلاً لهم، فراحوا يغترفون من رؤاها ومما يجود به هذا المنبع من موحيات قادرة على صوغ عوالم إيهامية ترمم أفق الشاعر وتدعمه، بما تملكه من جوانب دلالية وتهويمات شعرية تجعل النص الشعري قابلاً لفتح نوافذ للتأويل والانزياحات الرمزية، التي تساعد النص وتقويه وتمده برؤية جمالية وفنية خاصة، توهم القارئ بالخبرة والدراية والمعرفة الأركيولوجية التي تحفر باتجاه الفن.
عبد العظيم فنجان الشاعر الذي ظهر في فترة ما بعد التغيير في العراق، يسعى الى تجسيد هذا المنحى الميثولوجي، وهو منحى وسياق ونسق اشتغل عليه شعراء كثيرون، بدءاً بالبياتي الذي حاول أن يتفرد في سياقه الشعري وفي زاوية التناول عن قرينه الشعري ومنافسه القوي بدر شاكر السياب، الذي وقع أسير الميثولوجيا الفينيقية والإغريقية، فلجأ البياتي حينها الى الاغتراف من بئر الاسطورة العراقية القديمة ، مجسداً صورة عشتار وديموزي وغلغامش، وغيرها من الرموز الأسطورية في ديوانه المبكر «الكتابة على الطين»، وهنا يقصد الكتابة المسمارية، وقد تبعه حسب الشيخ جعفر في ذلك، وخصوصاً في ديوانه اللافت «زيارة السيدة السومرية» حتى عمّت الأسطورة لدى غالبية الشعراء اللاحقين، وخصوصاً لدى الشعراء السبعينيين والثمانينيين الذين اكتووا بنار تجربة المنافي الطويلة في البلدان الأجنبية، فلجأوا الى الإسطورة الرافدينية وحتى الإغريقية والفينيقية منها لبناء عوالمهم التائهة والمهدّدة بالضياع وأفول الغايات كمعادل جمالي وفني ينقذ الرؤى الشاعرية من رماد الغربة، ومنعطفات المنافي القاسية في بعض جوانبها الحياتية .
فنجان يأتي متأخراً الى تجربة شبه مستنفدة، ولكنه يغامر كونه شاعراً فطناً ومتمكناً من قول التجربة بسياق مختلف، ومغاير، ففي نصّه نجد نكهة السرد التي كانت غائبة عن أولئك الشعراء المبكرين، السرد هو ما انقذ هذه النصوص من الرتابة والتنميط وقول المكرور، والشيء الثاني الذي ساعده في الابتعاد عن مناخ التشابه وتبادل المرايا عبر صيغ الانعكاس، كون الشاعر مجبولا بتراب الأسطورة الرافدينية. أنه ابن أريدو وأوروك والدروب الميثولوجية المعفّرة بغبائر سومر، انه حفيد غلغامش وأنكيدو وإينانا، الهائم في تلك الأزقة القديمة من مدينة جنوبية هي الناصرية التي تقوم على أديمها تلك الصروح التاريخية.
ينغمس الشاعر إذاً في متاهة شعرية من الأساطير، فهو تارة يسعى مع غلغامش من أجل القبض على إكسيرالخلود، رغم كونه شاعراً أرضياً، يتابع المحسوس واليومي بطريقة الشاعر الملعون، والمطرود من الجنان الأرضية، حتى وهو يبحث عن الحب في طقسه اليومي، من خلال عادات الشاعر ضمن تفاصيله اليومية، العادية، مثل بقية البشر، ولكنه يواجه بالصدود، فهو سيجد نفسه أمام ألف سيدوري، كما يعبر في هذا المقطع السردي:
«أقع في حب الخائبات، وخائبة تقودني الى خائبة، ومن خلفي موكب من ألف سيدوري، يقرأن عليّ كتب النصائح… الآن بعد أن قبضتُ على عشبة الخلود، عليّ أن أهبط النهر عارياً، لتأتي الحية وتسرقها، هذا هو الدور المأساوي والمُمل الذي عليّ أنْ العبه في مسرحية الوجود».
إننا هنا أمام سرد شعري تنتفي فيه أية نغمة شعرية، وأية موسيقى، هل الحكاية هي ما يسود الشعر الآن؟ وإذا خرجنا من قصيدة «غلغامش» وعرّجنا على قصيدة «أنكيدو» في الصفحة التي تليها، سنجد الأمر ذاته، أمر الحكاية الأسطورية وهي تنسج نولها حول ما يخبر به انكيدو التائه ساقية الحانة: «ها أني تائه ومفلس، لا موكب عزاء من أجل ديموزي، أغازل في نهايته عشتار، أو إحدى الكاهنات، لا جميلات، لا ساحرات، ولا عرّافات، أما هذا الفرات، أما هذا الذي ابتلع الماضي، ابتلع الأسوار والمدن، هذا الفرات الغاضب، هذا الفرات الماكر، فلم يعد قادرا على الفيضان». هي النبرة ذاتها، نبرة السرد التي تنتفي فيها الرعشة الشعرية، وما تحفل به من صدمة جمالية وهزة رمزية وخيالية، لم نعد نجدها في النصوص الحكائية التي تعتمد الموجة السردية، هذه الموجة التي لم يعد بمقدورها أيضا فتح النص على فضاء من الدلالات التي تخلّف الخلخلة الإيحائية أو تخلف حقلاً من التآويل التي تنفتح على الخيالي والجمال البراني والتصوّرات السيميائية، تلك التي تستجلب أنسقة المختلف والمغاير والمفارق. إذاً لو اكتفى فنجان بنهاية القصيدة، أي بذلك المفتاح الدلالي وطوره بعيداً عن الجمل السردية التي تهرب من النغمة لتقع في رتابة المسرود لكان الأنجع له لتخليص هذا النص والذي سبقه، وأعني قصيدة «غلغامش»، من الرطانة الكلامية والسرد الإقصوصَوِي»، ولانفتحت حينذاك جملته على الموحي والملهم والدال كتعبيره في نهاية القصيدة هذه وأقصد قصيدة أنكيدو: «القطرة لا تختصر ذاكرة الماء، أما الطوفان فيمكن اختصاره بدمعة». إن النبرة التي تحيط بهذا المقطع والتي جاءت كخاتمة للقصيدة هي التي رفعت من مستوى النص وانتشلته من المطبّات النثرية، لتذهب به الى الشعر وسره الفني، إنها الفطنة التعبيرية التي أشرنا اليها في السياق أعلاه، فطنة الشاعر الذي تخونه أداته أحياناً في نهاية المطاف.
حين نتقدم أكثر في ديوان الشاعر فنجان، ونحن نعيش أزمنة ما قبل التاريخ، سنلتقي بكائنات أسطورية كثيرة، متحفّزة وتطل بمباذلها وعاداتها وطقوسها البعيدة، طقوس عبادة الطبيعة والخوف من غضبها إذا ما دَهَمت أوروك وأسوارها: «الشجرة في الحديقة، لا تهتز ساكنة، رغم الإعصار الذي يقتلع أوروك من جذورها»، هنا تبرز قدرة المتخيّل في خلط الأزمنة الحاضرة بالماضي البعيد الموغل في القدم والأسطورة، بيد أن هذا المنحى سرعان ما تأسره الرؤيا السردية التي لا تفتأ تعاود الشاعر بين جملة وأخرى وبين سطر وآخر يليه.
إن أجواء خلط الأزمنة والتذكير بدمج الأسطورة القديمة بالحياة اليومية، تعطي للقصيدة بعدها الفني القادر على إحداث الانزياح وبث الدينامية في النص من أجل إدامته ومدّه بعناصر البقاء أكثر من تركه يعاني تراجيديا التفصيل اليومي غير المُلغز والمُحيّر والمنزاح عن مكانه في المخيال الشعري، ففي قصيدة « طريق العودة من أوتو نابشتم»، نعثر على النسق الإحيائي، إحياء الأسطورة في زمن غير زمانها ودمجها بأسطورة الحياة اليومية وتقديم رؤية الشاعر الحديث والمعاصر لرؤية جديدة ومختلفة، كتعبيره في هذا النص من نصوصه السردية التي يحفل بها الكتاب، وجلها ينتمي لأفق ما يعرف بقصيدة النثر:
« تستيقظ فتجد الليل ببدلته المرصّعة بالثكنات، وبالنجوم التي صدئتْ، لكثرة ما غسلتها الأشباح بماء الأساطير، ذكرى انفجارات وقعت، ووجوه كثيرة خذلتك، كلها تدوي معاً، فجأة في فضاء الغرفة… حيث الساعة تدق دقتها الكبرى، تجبرك على أن تفرك عينيك مرة بعد أخرى، لتتأكد من أن غلغامش لم يملك أن يفعل شيئاً».
القصيدة واضحة في دمجها للسياق الأسطوري باليومي، وهو فن استخدمه بدر شاكر السياب عبر قراءاته الواسعة في هذا المجال، وبالأخص كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر، ناهيك عن الكتّاب والشعراء الأوربيين الذين مالوا إلى استخدام البعد الميثولوجي في أعمالهم من أمثال قسطنطين كفافي ويانيس ريتسوس وسان جون بيرس وت. س. إليوت وو.هـ. أودن وو. ب. ييتس وغيرهم الكثير، ناهيك عن شعراء الحداثة وممن عرفوا بالتموزيين.
أما قصيدة فنجان فهي تأخذ حالة الحرب لتأسطرها وتبني عليها رؤيتها الفنية، ثكنات وليل، ونجوم صدئة، ودوي انفجارات، وغلغامش هنا لا يمكنه أن يفعل شيئاً لابن مدينته فنجان، الشاعر الحديث القابع في حانة مع سيدوري، أو الناهض من النوم في غرفته على دوي تلك الانفجارات، قائلاً لنفسه في المآل الأخير، بعد أن يئس من كل شيء وهو يخاطب صديقه الآخر الشاعر أيضاً وابن مدينته عبر هذه القصيدة: «وأنت تحلق لحيتك التي خالطها الشيب، فتحزن لأن الأفعى ما زالت تجد ثيابها هناك، في القتلى التي تختم المعارك في كل مكان جوازاتهم، من أجل السفر الى السماء، كثيراً همت على وجهك في الكتب باحثاً عن خلاص، فأزعجك أن غلغامش أضاع عشبة الخلود» .
هذا النص الشعري ينتمي ايضا مثل بقية بعض النصوص،إلى الشعر الذي يسبغ فيه السرد بنيان القصيدة .

عبد العظيم فنجان: «كيف تفوز بوردة؟». منشورات الجمل، بيروت 2014.
144 صفحة.

هاشم شفيق

اشترك في قائمتنا البريدية