الناصرة ـ «القدس العربي»: طبرية كانت أولى المدن الفلسطينية التي احتلتها الصهيونية وهجّرت أهلها بدعم الاستعمار البريطاني في نيسان/ابريل 1948 وهي من المدن الأولى والأعرق في فلسطين كما تشهد آثارها العمرانية الغنية، ففيها توالت الحضارات ويبدو أن بحّيرتها الساحرة السرّ الأكبر لاجتذابها شعوب وأقوام وديانات وحضارات منذ آلاف السنين. وكفار ناحوم إحدى مراكز الحياة الأثرية العتيقة التي قامت على الساحل الشمالي للبحيّرة في المنطقة الفاصلة بين الجليل والجولان، وهي المنطقة الممتدة من موقع الطابغة غربا (أحد المواقع المسيحية التاريخية الهامة) حتى بلدة بيت صيدا شرقا. وكفار ناحوم كلمة سامية تعني قرية ناحوم، ويبدو أنها مشتقة من اسم الكنط يوسف بن تناحوم مؤسس كنيسة مثمّنة الأضلاع فوق بيت القديس بطرس. بيد أن العرب دعوها تلحوم بعد استبدال النون باللام. ويتألف اسمها من كلمتين كفار بمعنى قرية وناحوم وحسب إحدى التفسيرات فإنها كانت في الأصل «تخوم» (حدود) لأنها بالفعل كانت حلى حدود الجليل والجولان.
لوحة فسيسفائية نادرة
ورغم توالي القرون ما زال المكان يترك هيبة وأثرا في نفوس الزائرين الذين يصلون بآلافهم من كل أصقاع الدنيا لزيارتها شهريا. فما تبقى فيها من أطلال وآثار عمرانية تشي إلى عظمتها وسعتها، أما إطلالتها على ضفاف البحيّرة فتزيدها عظمة على عظمة. في قلب ساحة واسعة في الجهة الشرقية من الدير وفي مركز المدينة الأثرية تتسع لوحة فسيفسائية عملاقة وفي غاية الدقة والجمال تحتوي بالأساس على أشكال هندسية متناسقة تكبر كلما ابتعدت عن مركز اللوحة. داخل الكنيسة التاريخية ومحيطها تنتشر لوحات فسيفسائية نادرة جميلة تبدو فيها رسومات للرمان والزيتون والنجمتين الخماسية والسداسية، وصور فرس البحر ووحيد القرن وأسود مع أجنحة وطيور وصور بشرية مخدوشة أو مشوّهة، علاوة على حجر يظهر عليه رسم تابوت العهد محمولا على عجلات. وفي الجهة الشمالية من المدينة الأثرية هناك آثار كنيس ضخم وفق الرواية الإسرائيلية رغم أن اللوحات المذكورة تتناقض مع العقيدة اليهودية ما يستوجب أجوبة على تساؤلات حول هوية الموقع هل هو كنيس قديم فعلا؟ علما أن هناك من يفسّر التناقض بالقول إن مسيحيين متنصرّين في تلك الحقبة تسامحوا مع موروث يهودي كان موجودا بل بناء الكنيسة والديرين فيه.
أعمدة رخامية ضخمة
وفي الجانب الشمالي صفّت مئات القطع الحجرية والرخامية الكبيرة الحجم نقشت بيد فنان موهوب، وهكذا نحتت أعمدة رخامية بيضاء وسوداء اللون مزدانة هي الأخرى بنقوشات مدهشة. وخلف هذه الحديقة الحجرية الأثرية ترتفع آثار كنيسة عملاقة قديمة يدلل ما تبقى منها من منحوتات حجرية على سعتها وعظمتها، مثلما تظهر أيضا بوابتها الحجرية العملاقة على مركزية وقدسية المكان. وبمحاذاة هذه الكنيسة الأثرية من جهة الشمال تنتشر آثار المدينة حيث البيوت الحجرية ما زالت طوابقها الأولى وأسسها قائمة وتبدو بوضوح جدران البيوت المبنية من حجارة بازلتية خام دون تشذيب مصدرها من المنطقة المجاورة، حيث تنتشر صخور سوداء قذفتها براكين. في مدخل الموقع ثبتّت لافتة كبيرة باللغة الانكليزية تقول «كفار ناحوم مدينة يسوع» وهي معلقّة على الواجهة الغربية للدير المبني من حجر بازلتية سوداء مصنوعة من صخور المنطقة ومن حجارة بيضاء جيء بها من مناطق الجليل. ويشير المرشد سهيل مخول أن كفار ناحوم مدينة كنعانية تقع على ساحل بحيرة طبريا شمال فلسطين، وتنخفض حوالي 200 متر تحت مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط وتضم كنيسة للروم الأرثوذكس وديرا للفرنسيسكان وجدران ومدافن ومعاصر وخربة المباركة المرتفعة حوالي 125 مترا فوق مستوى سطح البحر حيث يقع في نفس المكان الذي ألقى فيه المسيح خطبته المشهورة «موعظة الجبل». ومن أبرز المعالم المجاورة لها حجر ترقيم المسافات الذي يعود إلى زمن الإمبراطور الروماني ادريانوس الموجود في قرية سميكة.
كفار ناحوم الإنجيلية
كانت كفار ناحوم مسرحا لتعاليم يسوع وتحقيق العجائب، حيث شهدت أكثر معجزاته. ويشير مخول أيضا إلى أن السيد المسيح عاش فيها بعض سنوات من حياته بل وصفت بأنها موطنه الثاني بعد الناصرة، وسكن في بيت بطرس وهناك رأى يسوع بطرس وأخيه اندراوس يصيدان السمك فقال لهما اتبعاني، وكذلك يعقوب ويوحنا كانا يصلحان شباكهما للصيد هما الآخران لبيّا دعوة يسوع وتبعاه كما جاء في الانجيل (متى ) «لأن كفار ناحوم كانت موطنهما وكانا شريكان في صيد السمك مع بطرس واندراوس اللذان كان أصلهما من بيت صيدا وكانا يسكنان كفار ناحوم (لوقا)». ويحيل مخول أيضا إلى ما جاء في الإنجيل المقدس بأن يسوع المسيح قد ترك الناصرة وسكن فيها بعدما سمع بأن يوحنا قد وضع في السجن: «وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كفار نَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ”(متى 4: 13)». كما جعل من كفار ناحوم، مركزًا له حتى أنها دعيت مدينته كما جاء في إنجيل متي 9: 1 «فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ». كما يقول مخول إن كفار ناحوم كانت مركزًا للجباية كما يظهر أيضا في العهد الجديد: «وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ» (مرقس2: 14)». وفي ذات الوقت كان فيها مركزاً عسكرياً رومياً كما يشهد الكتاب المقدس: «فَأَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي (متي 8: 5)». وفيها أيضا شفى غلام قائد المئة وشفى حماة بطرس المحمومة «وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ. (متى 8: 15-14)». ولما كانت كفار ناحوم بلد العجائب فقد كان السيد المسيح قد شفى فيها المفلوج الذي كان يحمله أربعة كما جاء في انجيل مرقس: «في ذَلِكَ ألزَّمان، دَخَلَ يَسوعُ كفار ناحومَ وَكانَ يُخاطِبُهُم بِألكَلِمَة. فَأَتَوا إِلَيهِ بِمُخَلَّعٍ يَحمِلُهُ أَربَعَة وَإِذ لَم يَقدِروا أَن يَقتَرِبوا إِلَيهِ بِسَبَبِ ألجَمعِ، كَشَفوا ألسَّقفَ حَيثُ كان. وَبَعدَما نَقَبوهُ، دَلّوا ألفِراشَ ألَّذي كانَ ألمُخَلَّعُ مُضطَجِعًا عَلَيه فَلَمّا رَأى يَسوعُ إيمانَهُم قالَ لِلمُخَلَّع: يا بُنَيَّ، مَغفورَةٌ لَكَ خَطاياك!.. قالَ لِلمُخَلَّع: لَكَ أَقولُ: قُمِ أحمِل فِراشَكَ وَأذهَب إِلى بَيتِكَ» وفيها أيضا شفى المصروع المجنون (مر 1: 21- 28 ولو 4: 31- 37) وابن خادم الملك (يو 4: 46- 54) وغيرهم كثيرين. ويوضح مخول إنه في كفار ناحوم وجوارها، ومع كل هذه العجائب والمواعض والتعاليم ، لم يؤمن سكانها ولهذا تنبأ يسوع بخرابها الكامل «وَأَنْتِ يَا كفار نَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ، وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَك». (متي 11: 23-24).
بديعة عتبق
وتقول المربية بديعة عتيق من الناصرة المهتمة في دراسات المسيحية، إن مدينة كفار ناحوم أخذت قسطا كبيرا من حياة المسيح، حيث رمزت لكبرياء، وغضب، غضب يسوع لدرجة قال فيها: «يا كفار ناحوم المرتفعة إلى السماء، ستهبطين إلى الهاوية» لكنه قال لحماة بطرس: قومي، اشفي، رغم أنها امرأة متقدمة بالسن. وتربط عتيق بين الماضي والحاضر بالقول إن مدينة كفار ناحوم شهدت أجملَ تاريخ ٍفي رواياتِ الإنجيل المقدس، عادت إلى النورِ بعد اعمال ِالتنقيب الفرنسيسكانية فيها: الأحياء ُالصغيرة ُذات ُالمنازل ِالحجرية ِالبازلتية وبقايا ما كان ذات يوم كنيسا يهوديا زاره يسوع وعلم فيه الجموع. وتستذكر أعمالُ التنقيب التي قد كشفت عن كنيسة ٍبيزنطية ٍثمانية ِالأضلاع، وهناك كلماتٌ موثقة منسوبة الى الحاجة إيجيريا، تقولُ فيها: «فوقَ بيتِ أميرِ الرسل، تم بناءُ كنيسةٍ ولكن جدرانَ المنزل ما زالت موجودةً كما كانت». وتشدد عتيق على قدسية المكان وتستذكر ما قاله حارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو باتون الفرنسيسكاني: «حياةُ ومعجزاتُ يسوع في كفار ناحوم جاءت لتفتحَ بصائرَ البشر وتبددَ الظلمة التي في حياتِهم وتعرفهَم على انه الطريق ُوالحقُ والحياة».
الزلزال المدمّر
وحسب المصادر التاريخية والأثرية فقد تم إنشاء المدينة في العصر الهيليني في القرن الثاني قبل الميلاد على موقع استراتيجي يربط بين الطرق المؤدية لسوريا والعراق ومصر وقد دمّرها زلزال كبير عام 535 وما زالت أعمدة رخامية عملاقة محطمة إلى جانب كسور تشهد على قوة الهزة الأرضية التي توالت لاحقا عدة مرات لوجود الموقع على حافة حفرة الانهدام الكبير المعروف بالشق السوري الأفريقي. ومنذ ذاك القرن أضحت كفار ناحوم مهجورة وكأن مصيرها لحق بمصير بقية المدن التي عنّفها السيد المسيح ولم يبق من تلك المدن التسع المحيطة ببحيرة طبرية (بحر الجليل) سوى مدينة طبرية الوثنية. ويشير مخول إنه عدا إشارة وردت عنها في القرن الثالث عشر جاء فيها أنها سكنت من قبل عائلات فقيرة من صيادي الأسماك، فلم يذكر عنها شيء بعد ذلك. وبقيت مهجورة إلى أن اشتراها الآباء الفرنسيسكان سنة 1894 وأحاطوها بسور حفاظا على آثارها وبدأوا بأعمال حفريات تمت على فترات منذ 1905 واستؤنفت الحفريات في 1941 فتم اكتشاف الكنيسة المثمنة للشكل وأرضها المرصوفة بالفسيسفاء، بناها البيزنطيون وعرف لاحقا أنها قامت على بيت القديس بطرس وكل ذلك بتمويل الحكومة الإيطالية، كما يؤكد بطريرك القدس السابق ميشيل صّباح. ويؤكد صّباح أن هذا الموقع للرهبان الفرنسيكان ويمتاز بآثار نادرة لمجمع قديم يقال انه من زمن السيد المسيح، حيث كان يعّلم ويصنع العجائب فيه علاة على وجود كنيسة مبنية على آثار بيت الرسول بطرس بجوار دير للرهبان. وحول مدى قدسية المكان يوضح صباّح أن كفار ناحوم تستمد مكانتها التاريخية والدينية من سكن السيد المسيح فيها بعدما ترك الناصرة وبدأ حياته العلنية.