القضاء الليبي: هل نحن على أعتاب انقسام جديد؟

علي الوندي
حجم الخط
0

يرى الكثيرون من المتابعين للشأن الليبي أن من المأزق السياسي الأكبر في ليبيا هو الانقسام الذي طال معظم السلطات والمؤسسات في البلاد. فقد مضت سنوات والمؤسسات الليبية وعلى رأسها السلطة التنفيذية والعسكرية منقسمة شرقا وغربا، وهو ما كان له تبعات كارثية على البلاد ألقت بظلالها على مختلف مناحيها؛ السياسية، العسكرية، الاقتصادية، والاجتماعية.
وحتى مع مجيء حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة من ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف، لم تتوحد المؤسسة العسكرية، فيما حققت السلطة التنفيذية توحيدا هشا للمؤسسات، سرعان ما فشل مع تكليف البرلمان حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، لتدخل البلاد مجددا في انقسام سياسي أسفر عن تصعيد عسكري راح ضحيته العشرات في العاصمة طرابلس، الأيام الماضية، نتيجة الصراع على السلطة.
وعلى الرغم من كل هذا ظل الليبيون متفائلون بإيجاد حل ما ينظم العملية السياسية، طالما أن القضاء الليبي متوحد ومتماسك يستطيع الفصل في كل القضايا الخلافية إذا توفرت قوة إنفاذ القانون، وبات الكل تحت سلطان القضاء وحكمه، ولكن ها هو الانقسام بات يلوح بشبحه على آخر السلطات الموحدة، والشواهد في هذا متعددة، ولكن نقف ههنا في محطات يسيرة قد تكون مفصلية في القضاء الليبي.

أين مكان انعقاد المحكمة الليبية العليا؟

مؤخرا وجه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مخاطبة إلى المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا، قائلا فيها إن المكان القانوني لانعقاد المحكمة العليا هو مدينة البيضاء شرقي البلاد، وليس العاصمة الليبية طرابلس التي تستضيف المحكمة منذ ما لا يقل عن 40 عاما.
واستند عقيلة صالح، في مخاطبته، على القانون رقم (6) الصادر عن البرلمان عام 2014 معتبرا انعقادها في غير مقرها أمرا غير قانوني يترتب عليه بطلان أي إجراءات منبثقة عن هذه الجلسات.
وأضاف عقيلة، أيضا، أن قرار المؤتمر الوطني العام الصادر في ايار/مايو 2015 بتعيين المستشار محمد الحافي رئيسا للمحكمة العليا يُعد قرارا باطلا أيضا.
وأوضح وجه البطلان للقرار بأن البرلمان الليبي أصدر القرار رقم (1) لسنة 2020 بإلغاء كل القوانين والقرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني بعد انتهاء ولايته بتاريخ 3 اب/أغسطس لعام 2014.
وبهذه المخاطبة، جعل عقيلة من العاصمة طرابلس مكانا غير قانوني لانعقاد المحكمة العليا، إلى جانب بطلان قرار تعيين رئيسها، ما فتح الباب أمام جدل واسع، بين مؤيدين ومعارضين للمراسلة، وآخرين أبدوا قلقهم من أن تتزعزع ثقة الليبيين في القضاء إذا طالته يد الخلاف.

المشري يتدخل

رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري رد على مراسلة عقيلة، وذلك عبر توجيه خطاب إلى المجلس الأعلى للقضاء بصحة انعقاد المحكمة العليا في العاصمة طرابلس، مبينا بطلان قرار البرلمان رقم (6) لعام 2014 لصدوره «من غير ذي صفة بتاريخه».
واستدل المشري لحديثه بحكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بانعدام مجلس النواب بتاريخ 6 ايلول/سبتمبر 2014 لافتا إلى أن مجلس النواب أنشئ بتاريخ التوقيع على اتفاق الصخيرات السياسي في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 ويستمد شرعيته منه.
وأشار إلى ما جاء في اتفاق الصخيرات في المادة 14 من الأحكام الإضافية: «بدخول الاتفاق حيز التنفيذ فإن كافة القرارات والقوانين التي تتعارض مع بنود هذا الاتفاق بملاحقه والتي تم اعتمادها في الفترة ما بين 4 اب/أغسطس 2014 ودخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ تُعتبر لاغية ويجب التعامل معها وفقا للآليات التي بيّنها الاتفاق».
ودعا المشري في مخاطبته المجلس الأعلى للقضاء بعدم الاعتداد بمراسلة عقيلة صالح، والاستمرار في تطبيق القانون رقم (6) لسنة 1982 بشأن مقر المحكمة العليا في طرابلس، واعتبار ما جاء في مراسلة رئيس البرلمان كالعدم، حسب قوله.
ولا تزال هذه القضية محل مداولات إلى هذه اللحظة، وحذر حقوقيون من أن تؤدي إلى انقسام داخل ردهات القضاء يتسبّب في مغادرة أعضاء بالمحكمة إلى البيضاء، وبقاء آخرين في طرابلس، وبالتالي انقسام حقيقي داخل السلطة القضائية لا يستطيع الليبيون تحمّل تبعاته في ظل ما يعانونه!
وبدأت ملامح الصراع القضائي الجديد تتضح للعيان مع منع أعضاء بمجلس النواب، بينهم النائب الأول فوزي النويري الذي كان سيرأس الجلسة، من السفر إلى بنغازي عبر مطار معيتيقة الدولي بالعاصمة طرابلس لحضور جلسة تتعلق بتكليف رئيس جديد لرئيس المحكمة العليا، وغيرها من القضايا المتعلقة بالقضاء، ما أدى إلى إلغاء الجلسة تماما.
فقد أعلن الناطق الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق تعذر انعقاد جلسة المجلس نظرا لمنع مغادرة النواب المتجهين من العاصمة طرابلس إلى مدينة بنغازي حيث كانت ستنعقد الجلسة قبل منعهم من مغادرة مطار طرابلس إلى مطار بنينا.

ما وراء فتح الدائرة الدستورية

وإلى محطة أخرى مفصلية في القضاء الليبي، ففي سابقة من نوعها، قررت الجمعية العمومية للمحكمة العليا، 18 اب/أغسطس الماضي في اجتماع طارئ، بإجماع أعضائها إعادة تفعيل الدائرة الدستورية؛ للنظر في الطعون والفصل فيها.
وعاهدت الجمعية، في بيان تلاه المستشار محمد الحافي، بأنها لن تنحاز لأي طرف من الأطراف، وستعلي شأن الوطن، والمبادئ والقواعد الدستورية المقررة. وتتولى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وفق قانون إنشائها، الفصل في القضايا والطعون ذات الجانب الدستوري والقانوني، والقضايا والخلافات حول القوانين والتشريعات والقرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، إلى جانب أي مخالفة أو طعن في الإعلان الدستوري.
وعليه فمن صلاحيات الدائرة استقبال الطعون ضد كل الأجسام السياسية المنبثقة والقرارات التي صدرت منها، والنظر فيها وإبطالها إن خالفت الإعلان الدستوري والقوانين العامة.

أسباب الإغلاق

يرى باحثون في القانون الليبي أن قرار إغلاق الدائرة الدستورية كان بسبب تفضيل المحكمة العليا آنذاك عدم الزج بها في الصراع السياسي والعسكري الدائر، إضافة إلى سوء الأوضاع الأمنية التي قد تؤثر على أحكامها بالسلب، مع بلوغ البلاد في ذلك الوقت أقصى مراحل الاستقطاب الحاد.
وطالبت النقابة العامة للمحامين في ليبيا، في وقت سابق، الجمعية العمومية بالمحكمة العليا بتنفيذ الحكم القضائي الصادر عن الدائرة الإدارية بمحكمة استئناف طرابلس بتفعيل الدائرة الدستورية.
وفي اذار/مارس الماضي خرجت مظاهرات شعبية أمام مقر المحكمة العليا للمطالبة بتفعيل الدائرة الدستورية للفصل في عشرات القضايا المعلقة منذ سنوات؛ نتيجة إغلاقها.
وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري قد اعتبر، في بيان اذار/مارس الماضي، استمرار إغلاق الدائرة الدستورية بـ«جريمة إنكار للعدالة» على حد تعبيره.

الدبيبة يبادر بالمباركة

كان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أول المبادرين بمباركة تفعيل الدائرة الدستورية عقب الإعلان بدقائق، معربا عن أمله في أن تكون رادعا للتجاوزات التي تمارس من الأطراف والقرارات المخالفة للاتفاق السياسي باعتباره الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة، متابعا في تغريدة على تويتر: «استقلال القضاء ووجود دستور حاكم أساس لاستقرار البلاد».
الناطق السابق باسم المجلس الأعلى للدولة السنوسي إسماعيل قال إن إقفال الدائرة الدستورية على الرغم من مساوئه؛ فإنه حافظ على وحدة القضاء الليبي وعلى الحد الأدنى من وحدة البلاد.
إسماعيل، في تدوينة على حسابه بفيسبوك، حذر من أن تفعيل الدائرة سيهدد وحدة المؤسسة القضائية، وسيعمق الانقسام السياسي؛ فلا ضمانة لاحترام الطرفين شرقا وغربا لأي حكم قضائي يصدر من الدائرة الدستورية ضد أحدهما كما حصل في 2014 على حد تعبيره.

الفارسي تعلق

عضو ملتقى الحوار السياسي الليبي أم العز الفارسي ذكرت أن الليبيين في أمسّ الحاجة إلى إعادة مجرى العدالة وضمان سلامة البلاد، متسائلة: «فهل أخذت المحكمة العليا في الاعتبار الحيادية وعدم الارتهان للأجندة السياسية والتجاذبات المصلحية؟».
وأشارت الفارسي، عبر تدوينة على فيسبوك، إلى أن الليبيين يتطلعون لأن تعمل الدائرة الدستورية بإنفاذ ما لا يخالف القواعد الدستورية الحاكمة، وعلى رأسها الإعلان الدستوري وتعديلاته، ومتابعة استكمال المسار الدستوري للحد من التخبط التشريعي في ليبيا.
وأفادت المفوضية العليا للانتخابات، في بيانها الأخير، أنها ستعمل مع مجلس النواب على إزالة جزء من مكونات القوة القاهرة، والمتمثل في المتطلبات القانونية، وسترفع ملاحظاتها النهائية حال التنسيق مع السلطة القضائية فيما يتعلق بآلية النظر في الطعون والنزاعات الانتخابية، وإيجاد صيغة قانونية للتعامل مع الأحكام القضائية النافذة والقاضية بإيقاف تنفيذ العملية الانتخابية.
ويتضح من حديث المفوضية أن إزالة جزء من «القوة القاهرة» يتطلب التنسيق مع السلطة القضائية فيما يتعلق بآلية النظر في الطعون والنزاعات الانتخابية، وهو ما يحتاج إلى سلطة قضائية موحدة متماسكة تستطيع إيجاد ميزان معتدل في باب الطعون دون أن تتأثر بالصراع السياسي الحالي، أو يطالها الصراع نفسه!
ويُعد القضاء الليبي آخر المعاقل التي لم تنقسم داخل البلاد، وسط تحذيرات متوالية من أن ينهار هذا التوحد في ظل خلافات السياسيين، ما ينذر بدخول البلاد في فوضى قضائية تجعل من حلحلة الأزمة الليبية المعقدة أمرا أكثر تعقيدا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية