لا يملك الإنسان سوى الاستمرار في الحياة رغما عن تناقضاتها. فالغوص في متاهات الجمال يوازي غموض الطبيعة ودهاليز الحياة. شيء شديد الصعوبة والوعورة في آن، عندما تغوص في العمق حتى الجذور مخالفاً السابحين مع التيار، المستسهلين للحلول السريعة. فالفن تعبير عن رغبة الإنسان الهائلة في الثورة على الحياة المحدودة بغية اعتناق الجمال كملاذ في زمن الانهيار..
عالمنا اليوم يعيش أزمة جمال، كيف يرى الناس الجمال في زمن القبح الذي أصاب مساحات كثيرة من حياتنا وربما نفوسنا؟
الجمال انطباع من فعل حاجة
لم تنقطع رحلتي فى الاستمتاع بجماليات الطبيعة من أيامي الأولى وحتى الآن، فهذا الجمال وتلك الألوان الرائعة تطورت خلال عزلتي، وتخطت افتتاني بجمال الصور إلى أسئلة وتأملات تطفو على السطح مرة، وتغوص في العمق مرات بحيث تحفّز التفكير وليس الافتنان فقط.
فنحن من نمنح الأشياء صفة الجمال عندما تمنحنا إحساساً بالراحة والإشباع وتقترب من اللذة، وفي المقابل نستقبح الأشياء عندما تثير فينا النفور والضيق وتستدعي الألم.. منذ آلاف السنين وأصحاب الحس المرهف أي الفنانين والمبدعين يتغنون بالجمال ويحاولون التعبير عنه وعن أحاسيسهم ومشاعرهم تجاهه، ينبهرون به فلا يملون ولا يسأمون ولا يكتفون إذ لا تزال في قلوبهم شلالات تتدفق بنشوة هذا الجمال اللامحدود بوفرة وتعدد أشكاله. كذلك المتلقي للفنّ يحدث لديه نوع من اللّذّة التي يُصطلح عليها بـ»المتعة الجماليّة» لكن تبقى طبيعتها محلّ جدل مثير. أليس من الغريب أن يستمتع الإنسان بتسليم حواسه لخيال أناس آخرين؟ ربما هو فعل حاجة، للفرار من حياتهم إلى حيوات أكثر رحابة، أو لرغبة مبهمة في اختبار أشكال أخرى من الحياة…
طرح الفن كمقاومة
تغيرت قيمة الفنّ الذي لم يعد وعدا بالسعادة والجمال ومنح اللذة الفنية، أو ما اصطلحت تسميته «المتعة الجمالية» لطالما انبنى هذا الجميل على متعة إيجابية تثير المتلقي وتشدّه للعمل الفنّي، لكن موت الجميل في الفنّ المعاصر وتبدل جوهره، قد أجّج إشكال اللّذّة في شكل من الاستفهام عن مصيرها. هل في إمكاننا اليوم طرح الفن كمقاومة؟ وهو طرح دافع عنه أدرنو من خلال مفهوم القبيح كشكل من أشكال الرائع، مؤسّسا المقاومة الإستطيقية التي تعيد للفنّ مكانته كقدرة على التغيير وانخراط في عمق المآسي، أيمكن أن نفوز بلذة فنية مع تشرذم الواقع والفن والجمال؟
الإنسان هو الباحث الدائم والساعي نحو الجمال واللذة والإشباع، بحيث لا يوجد شعور أو فكر خارج الحاجة والرغبة. يقول نيتشه «إن أسمى أنواع الجمال ليس ذلك الذي يفتِنُنا على الفور، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء نحملهُ معنا ونحن لا نكاد نشعر به».
إمكانية اغتيال الشعور بالجمال
نمر اليوم بظروف تاريخية عصيبة جداً، ومنذ فترة طويلة، ما زلنا نعاني من التشتت والتشرذم، هذه الظروف القاسية تدمّر يوما بعد يوم مصادر الجمال المتعارف عليه، فالطبيعة ينهار حسنها وجمالها تحت وطأة الفوضى البيئية المدمرة، والمرأة رمز جمال الإنسان بصفة عامة، تتشظى أشلاء في كل لحظة وحين… كيف يشعر بالجمال ويتذوق حلاوة الحياة من ينهار بيته فوق رأسه في أي لحظة، من يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة؟ هو اغتيال حقيقي للشعور بالجمال، وموت محتم للذائقة الفنية. لذلك أصبح الإنسان العربي مجبراً على تصنع هذه الذائقة الجمالية، وهذا الواقع الآسن الذي يدمّر إنسانية الإنسان، ويشيؤه شيئاً ليس ذا قيمة، فتتشظى هذه الذائقة الجمالية وتخرج عن طوع هذا الإنسان التائه. فتفقد الأشياء طعمها، ويتحول الشعور بالجمال وتذوقه إلى رغبة أكيدة في موت محقق يتوخى منه الخلاص من هذا الكابوس. وهذا ساهم بشكل كبير في تدني هذه الذائقة الجمالية، بل تكسرّها على محراب هذا الضجيج والصخب، وعلى أنقاضها تظهر ذائقة جمالية لا ذائقة لها، ذائقة مزيفة تشي بواقع مزيف في كل مظاهره وسلوكه. لكن يجب أن ندرك ان الجمال ليس صفة مباشرة تكمن في الأشياء، بل هو إحالة الشيء إلى الذهن البشري الذي يدركه ويمنحه انطباعاً، وبهذا تنتقل حقيقة الجمال من كونه صفة في الشيء كما يعتقد الكثيرون إلى طريقة إدراك وأثر فى النفس الإنسانية. فالإنسان من يمنح الموجودات صفة الجمال أو القبح، التي من خلالها يستطيع فهم الوجود والحياة وماهية الإنسان.
الفن وضرورة البحث عن الجمال
الإنسان هو الباحث الدائم والساعي نحو الجمال واللذة والإشباع، بحيث لا يوجد شعور أو فكر خارج الحاجة والرغبة. يقول نيتشه «إن أسمى أنواع الجمال ليس ذلك الذي يفتِنُنا على الفور، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء نحملهُ معنا ونحن لا نكاد نشعر به». فالصحراء جميلة عند أهل البادية بما تكتنز من انتماء وهوية وذكريات، والقرية البائسة رائعة لأبنائها المستقرين فى باريس، فالجمال هنا يرتبط بحالة شعورية روحية مختزنة وليس بمعايير مادية، فالأشياء ليست جميلة فى ذاتها، بل نحن من نمنحها الجمال، فالإنسان كائن قادر على اختزان المركّب والمعقّد لذلك نجد أننا من الممكن أن نكوّن أحاسيس وانطباعات عن الأشياء وهي فى حالتها التركيبية المعقدّة. وهذا ينطبق على الفن، باعتباره جزءا أساسيا من هذه العملية، فهو يحرك انشغالات الروح الإنسانية ويقودنا إلى عمق المعنى الجمالي بما يشبه المكابح التي تخفف من سرعة سقوطنا في حفر التوحش والقبح بكل أنواعه. في حديث تولستوي عن ماهية الفن يصفه بأنه «عدوى المشاعر» استطاع الإنسان أن ينقل عبر الفن مشاعره من سرور ومعاناة وتأمل وغضب، بالكلمات والألوان والألحان، لتسبح هذه المشاعر في دوامة سرمدية تنقل مشاعره وأفكاره إلى المتلقي في كل زمان ومكان. ولولا قدرتنا على التعبير عن مشاعرنا لأصبحنا همجا ووحوشا. يحررنا تولستوي من وضع الفن في قوالبه المعتادة، يقول إن الفن يكمن أيضا في تفاصيلنا اليومية. فالفن إذن هو ملاذ الإنسان ينتشله من حدوده الضيقة وحياته الضئيلة، هو وسيلته للاندماج مع الجماعة، بلقاء مغاير، آملا في حكاية هنا أو تجربة هناك.
الفنّ هو اللذة السرية المتبقية للإنسان المعاصر المستهدف في كلّ أبعاده الإنسانية. مرتقياً بحالته النفسية والمزاجية وثقافته ودرجة تطوره لصياغة قيم ومفاهيم للجمال بحيث لا يكون شيئا منفصلاً عنه.
أكاديمية وتشكيلية لبنانية