الناصرة- “القدس العربي”: يقول أمير الشعراء ما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً. غلاباً مع الذات ومع سواها. وهذه خلاصة مسيرة الناشطة السياسية والأهلية الفلسطينية نهى بدر من بلدة المغار في الجليل. بدر ابتسمت لها الدنيا في بداية المشوار وما لبثت أن انقلبت عليها فقد اعتل جسمها بعد إصابتها بمرض خطير، ثم أصيبت في حادث طرق إصابة بالغة، وفقدت فيه زوجها، وبعض أصدقائها، لكنها لملمت كسورها ونهضت، واستكملت تعليمها العالي. وهي اليوم القائمة بأعمال رئيس بلدية مدينتها، وتحمل ملف الرفاه وملف مكانة المرأة، وهي عضو مشارك في كافة اللجان البلدية.
في حديثها لـ “القدس العربي” تكشف نهى بدر جابر عن أسرار قوة تحملها وخبايا المناعة الذاتية لمواجهة كل ما واجهته، وتستعرض مسيرتها منذ طفولتها. تقول إنها ولدت في عائلة مباركة الأولاد تعد خمسة أولاد وست بنات، والدها فلاح وسائق تاكسي، ووالدتها هنية ربّة بيت تتمتع هي الأخرى بقوة روحها. عن شمة الهواء التي انقلبت إلى كابوس تقول نهى بدر جابر إن مرضا صعباً ألّم بها عام 2012، أخضعها لسلسلة علاجات متواصلة. وعشية حفل زفاف كريمتها قرر زوجها وأصدقاؤهما السفر في رحلة إلى أوروبا لمنحها فرصة للانتعاش والاستعداد لعرس ابنتها. وتضيف: “سافرت وزوجي وثلاثة أزواج من أصدقائنا في اليوم السابع من أغسطس/ آب إلى شمال إيطاليا، وفي اليوم الثالث انتقلنا إلى سويسرا، وفي النهار الثالث، في سويسرا، تعرضنا لحادثة سير مروعة بالقرب من مدينة زيوريخ، حيث ارتطم قطار بمركبتنا، فقتل زوجي واثنين من أصدقائنا، بينما أصبت أنا إصابات بالغة، وفهمت لاحقا أن قوات الإنقاذ اعتبرتني في عداد الموتى حتى حضر أحد مسافري القطار يعمل مضمدا وتنبه أن قلبي ما زال ينبض. وتوضح أن حادثة السير مسحت ذاكرتها الخاصة بها، وما لديها من معلومات سمعته لاحقا. وتتابع: “ربما هذه نعمة أنني نسيت ما حصل. بعدما تنبه المضمّد أنني ما زالت بين الحياة والموت استدعوا طائرة مروحية ونقلت لمستشفى سويسري فاقدة الوعي، ومكثت هناك نحو ثلاثة شهور. كانت تجربة قاسية أن أكون أيضاً بعيداً عن أولادي، واستجاب الأطباء لطلبي بنقلي لأحد مستشفيات البلاد، وبعد عام عدت إلى سويسرا وفوجئ الأطباء السويسريون من صحتي، وقد أرسلوني قبل عام على عجلة المقعدين. وجدوني واقفة على قدمي دون الاتكاء على أي عكاز وعندها أجهش طبيب بالبكاء وصرخ مناديا بقية زملائه كي يروا “العجيبة الطبية”، فهم فقدوا الأمل أن أعود لمزاولة الحياة الطبيعية والمشي مجددا”.
وتوضح نهى بدر جابر أيضاً أن الطبيب السويسري وضع يده على رأسها وهو يسألها: هل ما زلت تفكرين من رأسك، كما قلت لنا في البداية، حيث كنت تؤكدين أن التغيير يبدأ من الرأس؟ فقلت: نعم. وبذلك كنت أقول إن العلاج النفسي يسبق العلاج الطبي، وبمثل هذه الحالة على المصاب أو المريض أن يتخذ قرارا داخليا بأنه سينهض ويستشفي ويشحن معنوياته وطاقاته الدفينة. العلاج الطبي هو الأساس، لكن القرار العميق بأنك أكبر من الإصابة. هذا هو النور الداخلي في كل إنسان أو العزيمة والإرادة والشجاعة رغم الحادثة المروعة. وتقول إنها استجمعت قوتها الذاتية من تجربتها الحياتية، ومن عائلتها، ومنهم إخوتها وأولادها ووالدتها، صاحبة الشخصية القوية التي منحتها طاقات كبيرة بابتسامتها وتفاؤلها. وتتابع: “هناك فضل لوالدتي فهي امرأة ريادية وقيادية وواجهت صعوبات كبيرة في حياتها، وهي البنت البكر لأهلها، ومنذ ولدتنا كانت تدربنا على العصامية. هي مثقفة، رغم أنها أنهت صف رابع فقط، وكانت قد عركتها الحياة وأفادتها المطالعة. تتميز والدتي بحبها للطعام الشرقي التراثي، ورغم أنها في منتصف الثمانينات ما زالت تعد القهوة العربية على الحطب، وتعد وجبات الطعام. تدعى هنية، ودائماً تقول “اللقمة الهنية بتلم مية”.
ورداً على سؤال تقول أيضاً: “والدي أيضاً تميز بتشجيعه لنا بشكل دائم، وترك فينا العصامية والتمسك بالمبادىء والقدرة على التحدي، وهو إنسان وطني وأممي مالَ للأفكار الشيوعية، كما هو الحال مع والدتي”.
أنهت نهى بدر جابر تعلمها في المرحلتين الابتدائية والثانوية في مدارس بلدتها المغار، وتؤكد أن بعض المعلمين تركوا بصمات على روحها، ومنهم المربي الراحل نعيم عبده قرواني، أستاذ التاريخ والجغرافيا، الذي طالما كان يقول لي: “أنت تلميذة مميزة وسيكون لك مستقبل زاهر”. كان أكثر من معلم، وهو بمثابة أب وأخ وتميز بأسلوبه السلس والسردي والتعامل الإنساني الديموقراطي الذي يضع التلميذ لا المعلم في المركز”.

default
بعد إنهاء الثانوية شجعها والدها على البدء بالتعلم الأكاديمي في جامعة حيفا قبيل زواجها بثلاثة شهور، وحازت على الدكتوراه في التربية الخاصة، بعد إجازة دكتوراه في ظاهرة الانتحار لدى الشباب بالمقارنة بين العرب واليهود. وردا على سؤال تشير إلى أنها اختارت هذا الموضوع بعدما تنبهت لاتساع ظاهرة الانتحار في بلدتها خاصة لدى الطائفة المعروفية. وضمن الاستنتاجات وجدت أن الشباب الدروز هم الفئة الأكثر انتحارا بسبب التخبطات والأزمات النفسية الناجمة عن فرض الخدمة العسكرية الإسرائيلية عليهم، خاصة أنهم يصطدمون بالبطالة والفقر في بلدتهم. منوهة أنها استجوبت عشرات الشباب ممن حاولوا الانتحار مرة واحدة على الأقل، وتشير لوجود بعض الناس ممن يحاولون الانتحار للفت الأنظار لأوجاعهم، ومنحتهم أملاً بالمساعدة، خاصة لدى النساء. وتتابع: “هناك أسباب سلوكية، مرضية، اقتصادية. الإنسان المنتحر هو مريض يصل إلى درجة عميقة من الاكتئاب، فلا يجد الخلاص. لم أجد استنتاجاً قاطعاً حول دور الاعتقاد بتناسخ الأرواح في انتشار ظاهرة الانتحار لدى الشباب الفلسطينيين الدروز. تعاملت مع بلدة المغار كعينّة، لكن الدراسة كانت واسعة وتشمل العرب واليهود في شمال البلاد في الأساس”.
عملت نهى بدر جابر 36 سنة في التربية والتعليم والإرشاد في بلدتها المغار وسائر بلدات الجليل، قبل أن تنتقل للتعليم في الكليات الأكاديمية في موضوع التربية الخاصة، وساهمت في إدخال مواضيع جديدة مثل العلاج بالدراما والموسيقى للطلاب العرب وإصلاحات في مجال التربية الخاصة للطلاب المعنيين البالغة نسبتهم 20% من مجمل الطلاب، والحديث عن تلاميذ يعانون من “العسر التعلمي” والإعاقات الذهنية والجسمانية، خاصة أن ظاهرة زواج الأقارب لم تتلاش بعد. واستكملت نهى بدر جابر في مجالات التربية والتمكين وتنمية القيادة والريادة في البلاد والخارج وشاركت في عدة مؤتمرات في ورشات ومؤتمرات في الولايات المتحدة. عن ذلك تقول: “هذه تجربة مفيدة وغنية بعد الاطلاع على تجارب مجموعات عرقية أخرى وعلى وسائل وآليات عمل للتعامل الاجتماعي مع الذات ومع الآخرين”. وهي شاركت في مثل هذه الورشات التربوية في تركيا والأردن وغيره، منوهة أن بعض مزايا القيادة موروثة، وبعضها الآخر مكتسب ويحتاج لصقل وتطوير.
قبل حادثة السير المروعة كانت نهى جابر بدر قد تعرضت لكابوس من نوع آخر، وعن ذلك تقول إنها فوجئت بمرض خطير اكتشفته عام 2012 بعدما شكت أوجاعا: “كنت أشعر دائما بعوارض صحية، ولم ينجح أطباء في تشخيص الحالة، حتى تمكنوا في مستشفى صفد من التعرف على إصابتي بمرض ألمّ بعصب العين أفقدتني البصر في عين واحدة، لكن التجربة وسعّت بصيرتي”.
بدأت العلاج بالأشعة لفترة طويلة تركت مفاعيل جسمانية ونفسية في داخلها، وكانت هذه تجربة قاسية قلبت عالمها وأسرتها رأساً على عقب، فالقلق استبدل الابتسامة داخل البيت، وواصلت العمل رغم مرضي، وكنت أحاول زرع الأمل بأولادي وزوجي بأنني سأنجو من المرض وسأعيش وأقهر المرض”. رداً على سؤال عن نجاحها بالتغلب على الموت مرتين بفارق عامين، تقول: “فعلاً نهضت من الموت مرتين، وهنا نؤكد أن الإنسان يبني قوة إرادته وتعزيز حصانته، وفعلا الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه. وتتابع: “منذ طفولتي كنت أؤمن بقدراتي على إنجاز الكثير، وقبل عقود نجحت في مواجهة ضغوط المجتمع المحافظ الرافض لتعلم البنت في الجامعة، فتحديت واهتممت بصحتي النفسية ومناعتي الروحية، وكل ذلك ثمرة تأمل وتفكير مسبقين. ومن هنا كنت أستمد المعنويات، وعندما داهمني المرض تقبلته كهدية لا كمصيبة وواجهته وتعايشت وتصالحت معه وهو شريكي وأتعاطى معه بسلامة نفس، وأنا كل الوقت أذهب للعلاج معه، وعلى الطريق أتحدث معه، مع المرض ضمن كينونة نفسية.
ورداً على سؤال تقول إنها لم تسمح للمرض أن يفقدها فرحة الحياة، ولم تشعر أنها مهددة لأنها مؤمنة بنفسها ومواظبة على العلاج وعلى الابتسامة للدنيا. وتتابع: “أستمد القوة من عائلتي، وهذا يساهم في نجاحاتي هنا، فتماسك أفرادها مصدر قوة”.

وتشير إلى أن نجلها البكر ثائر عازف عود ساهم ويساهم في تعزيز روحها، حيث “كان يعزف على مسامعي وأنا داخل المستشفى وفي البيت، وبسبب حبي للموسيقى كنت أشعر بالسعادة الكبيرة وهو يعزف العود، وهذا نوع من العلاج النفسي. هو اليوم في الولايات المتحدة يستكمل دراسته في الموسيقى وهندسة الصوت. وحفيدتي ليلى، من بنتي أروى تساهم في منحي القوة هي وأمها الممرضة، وهكذا بقية أفراد أسرتي. بعد الحادثة في سويسرا قلت في نفسي إنه لا بد من عودتي للمغار، أن ألملم كُسوري وأعمل على عدم تفكّك الأسرة، ووعدت نفسي وزوجي الراحل بذلك، وهذا ما حصل رغم أنني كنت محطمة نفسيا ومعنويا وجسمانيا”.
وردا على سؤال، تقول إن حادثة السير كانت صادمة أكثر من المرض بسبب فقدانها زوجها واثنين من أصدقائها في لحظة واحدة، وقد حرمت من المشاركة في تشييعه، ولم أغلق الدائرة من هذه الناحية، وعاطفيا ووجدانيا هو دائم الحضور معنا في البيت في جلساتنا واجتماعنا حول مائدة الطعام، وفي كل ساعات اليوم، وهناك مناجاة دائمة بيننا والحزن لا يلين والفقدان يبقى ثقيلا وموجعا بعد سنين طويلة، وحتى في فترة الحدث تعود لي مشاعر صعة ويهتز جسدي.
“أنا مجندة سياسيا منذ طفولتي لأنني كنت منتمية للحزب الشيوعي، وعندي إلمام بالعمل الجماهيري، وعندي وعي سياسي منذ مرحلة مبكّرة. طبعا العمل في البلدية أشد صعوبة خاصة داخل مجتمع ذكوري ومحافظ وحمائلي، فأنا عضو البلدية الوحيدة القادمة من حزب لا من أطار حمائلي أو طائفي، فلقد سبق أن تمردت منذ عقود على الطائفية والحمائلية السياسية. واليوم أعالج ملفّيْ الرفاه والرياضة ومكانة المرأة، ومشاركة في لجان أخرى، منها المناقصات، ولا أشعر أنني غريبة في هذه المجالات لأنني تدربت ودرست العمل البلدي والحكم المحلي وغيرها، واكتسبت المهارات المطلوبة والمعرفة الحيوية، وما زلت أتعرض للتنّمر من رجال في البلدية كأعضاء وموظفين.
وتقول إن المغار تعاني من شح الميزانيات وقلة قسائم البناء وضعف البنى التحتية والفوقية، بخلاف ما هو موجود في المستوطنات اليهودية المجاورة رغم اعتراف وزارة الداخلية الإسرائيلية بها كمدينة قبل نحو العام. في المغار التي يعيش فيها فلسطينيون، مسلمون ومسيحيون وأغلبية من بني معروف، يخدم قسم من أبنائها خدمة عسكرية، ومع ذلك تعاني مدينة المغار من التمييز العنصري الإسرائيلي تجاهنا، مما يكشف عن زيف وكذب السلطات الإسرائيلية التي طالما حاولت تبرير التمييز العنصري بين المواطنين العرب واليهود بالزعم أن العرب لا يؤدون خدمة عسكرية. ورداً على سؤال تقول إن المرأة قادرة على أن تكون رئيسة البلدية، وهي تتجه لترشيح نفسها لرئاسة بلدية المغار في الانتخابات المحلية في الشهر القادم، في حال وافق حزبها على اختيارها كمرشحة عنه.