■ ربما لا نتوقع أن ينتهي المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في شرم الشيخ إلى نتائج باهرة، فهو في البدء والمنتهى حملة علاقات عامة، ومناسبة لتسويق مصر استثماريا، وقد يأتي عبره الكثير من الوعود والقليل من العقود.
ولا أحد عاقل بوسعه أن يعارض فكرة جلب الاستثمارات العربية والأجنبية، ولا القفز بمعدلاتها، ولا إزاحة العقبات البيروقراطية من طريقها، فمصر تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، قد لا يتوافر الكثير منها في الداخل، وطرح مشروعات محددة مدروسة على طريقة الإعداد لمؤتمر شرم الشيخ، قد يشجع الاستثمارات الكبرى على القدوم، وبهدف تحقيق عوائد تتاح في مصر، وقد لا تتاح في غيرها، فعوائد الاستثمار في مصر مغرية، وتصل إلى ثاني أكبر معدل في الدنيا كلها.
كل هذا جميل ومطلوب، لكنه لا يحقق بالضرورة هدف إنهاض مصر، ولا إقالتها من عثراتها، خصوصا أن زمن المساعدات والهبات مضى وانتهى، وقد أدى دوره في لحظة اختناق، وتم تقديم الشكر للمانحين من دول الخليج بالذات، وبدون توقع المزيد، ومع تأكيد الرئيس السيسي نفسه على أولوية الاعتماد على قدراتنا الذاتية، وهذا هو حجر الزاوية في القصة كلها.
نعم، هذه هي الحقيقة، الاعتماد على الذات مفتاح النهوض، وليس تكرار ما جرى من هم وغم عبر أربعين سنة مضت، انفكت فيها التعبئة الوطنية العامة، وجرى افتتاح سوق النهب باسم الاستثمار و»انفتاح السداح مداح»، وعلى طريقة السادات في مقولته الشهيرة «اللي مش هيغتني دلوقتي.. مش هيغتني أبدا»، وتوجيهه الرئاسى لتاجر المخدرات «خلي بالك من اسكندرية يا حاج رشاد»، ثم التفكيك الأعظم في سنوات مبارك الطويلة الراكدة، التي تغنوا في أواخرها بزيادة هائلة في ما سموه بالاستثمارات الأجنبية المتدفقة، فيما لم تكن الاستثمارات المزعومة غير عملية شراء للأصول والقلاع الصناعية والانتاجية الكبرى، وهو ما ارتفع بمعدل النمو ظاهريا إلى 7٪ سنويا، وبدون أن يعني ذلك كسبا لمصر والمصريين، ولا ارتفاعا في مستوى المعيشة، بل ازداد الأغنياء غنى، وزاد الفقراء فقرا، وانتهينا إلى الجحيم الذي عشناه ونعيشه، وحيث يملك 1٪ من المصريين نصف الثروة الوطنية، ويملك 9٪ آخرون 23٪ من الثروة، أي أن عشرة بالمئة من المصريين يملكون ثلاثة أرباع الثروة العامة، فيما نزل 90٪ من المصريين إلى ما تحت خطوط الفقر والبطالة والعنوسة والمذلة والمرض بالمعنى الحرفي، ولم يعد من معنى للحياة عند الأغلبية الساحقة من المصريين، الذين يقتاتون على الفتات، ويمشون في الشوارع كأنهم في الأكفان، ويمارسون بطولة البقاء على قيد الحياة، وفي ظروف عنت قاهر.
ولا يصح أن تكون بداياتنا من نهاياتنا، ولا أن نمضي من جديد في طريق الخراب نفسه، ولا أن ندلل مجددا طبقة من يسمون برجال الأعمال، فقد كان خراب مصر مترافقا بصعود طبقة مليارديرات ومليونيرات، لا يحتمل وجودهم اقتصادا منهكا كالاقتصاد المصري، وعددهم أكبر من عدد المليونيرات في اقتصاد كندا، بينما 90 ٪ من المصريين في وضع أدنى من المتسولين في كندا، إن وجدوا، وهذا هو الجحيم بعينه، والتفاوت المرعب في الثروات، الذي لم تشهد مثيلا له أعتى الرأسماليات في الدنيا كلها. فما جرى من ثراء فاجر في بر مصر، لم يكن نتاج عمل ولا جهد ولا مبادرة، ولا إضافة لقيمة إنتاجية في البلد، بل خصما من قدرة البلد على البقاء، ومن قدرة ناسه على مواصلة الحياة، وعملية «شفط» غير مسبوق ولا ملحوق لثروة أمة، وبالضد من مقتضيات أي قانون مقبول أو معقول، بل بتفصيل قوانين نهب عام، لم تشهده مصر في تاريخها الألفي، فلا ضرائب تدفع، بل جوائز تمنح، في صفقات الخصخصة التي تحولت إلى «مصمصة»، وفي إعفاءات جمارك وضرائب تتجدد دوريا، وفي هبات تخصيص أراضي الدولة بالمجان أو بتراب الفلوس، وفي قروض البنوك التي كانت تعطى بالمليارات، وبالمكالمات التليفونية الآمرة، وفي الزواج الحرام بين الثروة والسلطة، وفي الإفساد المتصل لجهاز الدولة الإداري، وفي التساهل القضائي مع الكبار، وفي ترك المعنى الانتاجي للاقتصاد إلى المعنى الخدمي والطفيلي، وفي تشجيع النصب العام، وفي سرقة مدخرات المصريين جيلا فجيل، من شركات توظيف الأموال «الإسلامية» إلى شركات الاتصالات الأجنبية، وخلق مجتمع مهموم ومحموم بالسباق الاستهلاكي، إلى حد أصبح معه عدد «الهواتف النقالة» في مصر أكبر بكثير من مجموع السكان.
الصورة ـ إذن ـ تعكس ما جرى من خراب عام، وكثمرة مريرة لعقود من الدعاية المبتذلة باسم الاستثمار، وراقب ما كان يجري لزمن، حيث تتم عملية افتعال لمجالس تشريع بالتزوير، لا هم لها إلا إصدار قوانين تشجع ما يسمى بالاستثمار، وإنشاء وسائل إعلام يسيطر عليها مليارديرات المال الحرام، لا يبدو في مناقشاتها من أثر لهموم الناس المنتجين أو المتعطلين، بل حديث دائم ممجوج عن القطاع الخاص، وعن فضل القطاع الخاص، وعن سوءات القطاع العام، وعن الرأسمالية التي لا يغلبها غلاب، ثم لا تجد «رأسمالية»، بل «نهب مالية»، ولا تجد استثمارا ولا تكنولوجيا تضاف للطاقة الإنتاجية، بل هدما وتجريفا لكل شيء يتصل بالإنتاج، واستيلاء عقاريا على ما تبقى من مزارع، وبيعا في «سوق النخاسة» لما تبقى من مصانع، واتساعا لنطاق البطالة، وضيقا في فرص العمل المنتج، ثم يحدثونك عن انتعاش الاستثمار، بينما ما جرى هو «استحمار» لا»استثمار»، وسرقة «عيني عينك» لموارد البلد، وإفلاتا منهجيا من العقاب إلى الآن، فقد جرت محاكمات صورية بعد الثورة، لم تسترد مليما واحدا من ثروات البلد المنهوب، ولم تتم إدانة واحد منهم، بل جرى منح ما يشبه الأوسمة والنياشين للصوص، وصار هؤلاء نجوما من جديد، بل ومن «أهل الحظوة»، غابوا في السجون لسنوات، وكأنهم كانوا في إجازة ترفيهية، ثم عادوا بالزي شبه الرسمي، تسبقهم حفلات غسل السمعة، ينثرون أموالنا المسروقة على الموالي الأمنيين والإعلاميين، ويذكروننا بفضلهم في نهب البلد، وبقدراتهم الخارقة التي تجعلهم رجالا لكل زمن وكل نظام، وكأنه لا ثورة قامت ولا أمة نهبت، ولا حقوق سال في سبيلها الدم الشهيد، وكأن الحياة محجوزة لمستحمرين يسمونهم بالمستثمرين، بينما الموت على قيد الحياة محجوز للغالبية العظمى من المصريين.
وفي هذا السياق المعتم، تبدو كلمة «الاستثمار» سيئة السمعة، ولا تثير حماس غالبية المصريين، بل تثير الغيظ، فقد ترادف معنى الاستثمار مع معنى «الاستحمار» في التاريخ القريب لمصر. ولا يزال الجرح نازفا متقيحا، فلم يتغير شيء جوهري إلى الآن، ولم تسترد الحقوق، فلا يعقل أن نتحدث عن رغبة في النهوض، ولا عن تعبئة القدرات الذاتية، ولا عن رفع معدلات الاستثمار والادخار، لا يعقل أن نتحدث عن شيء من ذلك، والصورة لا تزال نفسها، لا يعقل أن نتحدث عن عدالة ولا شبه عدالة، بينما واحد بالمئة من السكان يملكون نصف الثروة، وكأنهم شعب المليارديرات والمليونيرات المختار، الذين تدللهم السلطة، وتواليهم كأنهم أفواج الصحابة والراشدين، أو كأنهم يمثلون القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، وهذه فرية عظيمة، فهؤلاء لا يوظفون في أعمالهم وشركاتهم سوى نسبة لا تزيد على عشرة بالمئة من العاملين المصريين، وبشروط عمل مجحفة وعظيمة السوء، تتيح الاستغناء عن العمالة أو استبدالها في أي وقت، بينما 90٪ من القوى العاملة في الحكومة والقطاع العام والقطاع الخاص الصغير والمتوسط، وقد يكون مطلوبا أن نشجع القطاع الخاص المنتج، وأغلب المليارديرات ليسوا من القطاع الخاص المطلوب دعمه، إنهم «القطاع الماص» لا القطاع الخاص، واسترداد حقوق البلد منهم، هو الذي يخلق الفارق، ويقيم بيئة عمل عادلة محفزة، يشارك فيها الاستثمار العام مع الاستثمار الخاص، ويعبئ مدخرات الفقراء والطبقات الوسطى، وعلى طريقة الاكتتاب العام الناجح في مشروع قناة السويس.
هذا هو الطريق لاستثمار حقيقي، وليس حملات العلاقات العامة على طريقة مؤتمر شرم الشيخ.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل