قرأت في زمن مضى كتاب «حوداث دمشق اليومية» كما دونها البديري الحلاق. وكثيراً ما تعود بي الذاكرة إلى بعض الحوادث البارزة أستعين بها على الملل. ومنها هذه الحكاية أعيد ما بقي منها في ذاكرتي .
اضطربت أحوال دمشق في واحدة من السنوات التي جاء ذكرها في الكتاب، لأن السلطان العثماني عزل الوالي ولم يأت من يخلفه، واشتبك جنود الحامية من انشكارية ودالاتية، وشهدت بعض الأحياء حوادث سلب واعتداء، وأصبح القاضي عاجزاً عن ضبط الأمور، بالإضافة إلى حوادث نسيتها.
تَدَخل «القدر» هنا على جاري عادته، وجاء «بالمنقذ» ممتطياً بغلة متينة البنية، يواكبه مئات من «المكارية» الأشداء بأسلحتهم وبغالهم، ذلك أن «المكاري الأول» كان بغالاً من تلفيتا، القرية الجبلية المعروفة بين تل منين وصيدنايا في ريف دمشق، امتهن منذ نعومة أظفاره نقل البضائع بين دمشق وريفها واستطاع لقوة شكيمته ربما، بناء أسطول للنقل، قوامه عدد ضخم من البغال الجبلية، وجَند لكل «رعيل» عدداً من السائسين «مكارية» وسلحهم لحماية القوافل من اللصوص وضمان أمن طرق المواصلات، فاكتسب ثقة التجار والمزارعين وازدهرت أعماله. وهكذا وجد نفسه بفضل تعاضد الظروف الموضوعية، على رأس «ميليشيا» قوامها مئات من الرجال الأشداء، يعرفون المدينة وريفها جيداً، خاصة أن دمشق يؤمئذ ما كانت قلب العروبة النابض. اتخذ البغال الأول قراره بالاستيلاء على السلطة لضبط الفوضى وملء الفراغ كما يقال اليوم. ووضع قراره موضع التنفيذ فوراً، وهيمن على مجريات الحوادث، ودام حكمه زمناً طويلاً.
استمرت الفكرة التي راودت بغال تلفيتا ذات يوم، تراود خيالات كثيرين بعده، ظنوا جميعاً أنهم يصنعون مجد دمشق الشام، ولئن جاء بغال تلفيتا ممتطياً بغلته لكي يحكم الشام، إلا أن خلفاءه جعلوها مطيتهم، والمدهش أن الشعراء لم يكفوا عن التغني بمجد الشام وحاكميها مهما تنوعوا، مما أسهم في ظهور أجيال من المطربات والمطربين، ورسخ في الأذهان صورة للمجد لا تمتُ إليه بصلة. لن أتوقف عند كل من نظم شعراً، ولا عند من أنشدوا مجد دمشق، باستثناء محطة وحيدة لأهميتها وعمق تأثيرها.
أدى الرحبانيان والسيدة نهاد (فيروز) مدعومين بسعيد عقل، دوراً مهماً جداً في تطوير صورة مجد دمشق وتلوينها وتجسيدها في الأذهان، لأنهم نوهوا بمرحلة مَن ألحقوا الدنيا ببستان هشام، وقفزوا إلى «ذَكَّرتُكِ الخمسَ والعشرين ثورتَها»… بدت الصورتان – في المرحلتين – مقبولتين.. أما المدهش فهي القصيدة الشهيرة «ياربا لا تَتركي مجداً ولا تُبقي أقاحا»، ففي هذا البيت العجيب: «مشتِ الشام إلى لبنان شوقاً والتياحا»، وذلك في المرحلة التي كان ينبغي فيها القول: مشت الشام إلى لبنان غزواً واجتياحا».
صحيح أن كثيراً مما قدمته المدرسة الرحبانية كان سابقاً لمرحلة شعب واحد في دولتين، إلا أنه لن يمنعا من مضاهاة الفلسطينيات الرحبانية بالشآميات أو الدمشقيات، لكي نلمس التباين الساطع بين الإحساس بالفجيعة والبراعة في رسم المأساة، ملونة بخيط ضئيل من الأمل في الأولى، وبين المبالغة في تمجيد الماضي البعيد أو الماضي الأقرب إلينا في الثانية. من دون أن ننسى أن الفلسطينيات كانت «في وقتها» تماماً، والمدهش أنها ما زالت راهنة لواقعية ولادتها.
واضح أنني تناولت الشعر فحسب لا الأداء المتقن المؤثر ولا الموسيقى البارعة. أُوجه بعد هذه الحكاية تحية لتلفيتا وذكرى ابنها الذي حكم قلب العروبة وهو سائس، ساس الناس أيضاً مستمداً خبرته من مصادر لا أعرفها. مبرهناً أن الأمر ليس عسيراً، ساخراً من الشعراء والمثقفين عموماً، ممن اعتادوا تمجيد السلطان كائناً من كان.
أظن أن البديري ما كان يهتم بالشِعر – لأنه حلاق – وإلا لكان اتحفنا بنماذج من المدائح التي انشدها الشعراء، كرمى لمجد الشام وسائسها الحكيم.
دمشق ما المجد.. أنت المجد لم يغبِ، طوال سنوات حكم بغال تلفيتا حتى… ناهيك عمن خلفه من ساسة.
كنت اقتنيت نسخة من أول طبعات الكتاب قرأتها بشغف، بعيد صدوره، ومنذ أقل من خمس سنوات نُشرت في دمشق طبعة جديدة من كتاب البديري (منقحة ومزيدة ومضاف إليها)، حصلت على نسخة منها وعدت إلى قراءتها. بحثتُ أولاً عن حكاية بغال تلفيتا فلم أعثر عليها.. فهل يوجد من يعرف لماذا وُئدت؟ أَلئِنَّ البديري لم يُدونها أصلاً.. أم «تُرى أنا مجنونٌ يُخيل لي» .
كاتب سوري
مهند حسن