لا يذكر الاحتلال مسألة ضعف السلطة وأجهزتها إلا مع رغبة إسرائيلية عارمة في استعادة ما يعرف بالدور الوظيفي لأجهزة الأمن الفلسطينية التي كان أحد عناصرها منفذ عملية «حاجز الجلمة».
رام الله ـ «القدس العربي»: طفا على السطح خلال الأسبوعين المنصرمين تدارس المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مسألة شن عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية قبل انتخابات الكنيسيت المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لكن العملية الفدائية الأخيرة جاءت من الخليل، أي جنوب الضفة الغربية على عكس التوقعات الإسرائيلية.
وتترافق مقولات العملية العسكرية في شمالي الضفة الغربية مع سردية احتلالية مكررة تحمل مقولات عجز السلطة وأجهزتها الأمنية وضعفها عن مواجهة تدهور الأوضاع الأمنية بحسب التصريحات الإسرائيلية التي كان من المتوقع للعملية الأمنية التي تحمل اسم «كاسر الأمواج» أن تعيد الأمور إلى مسارها عبر تحقيق هدف وأد الحالة النضالية الفلسطينية.
وكالعادة، لا يذكر الاحتلال مسألة ضعف السلطة وأجهزتها إلا مع رغبة إسرائيلية عارمة في استعادة ما يعرف بالدور الوظيفي لأجهزة الأمن الفلسطينية التي كان أحد عناصرها منفذ عملية «حاجز الجلمة».
ولا تتوقف الممارسات الاحتلالية في العمل على تقسيم الشعب الفلسطيني، فثنائية قطاع غزة والضفة الغربية أصبح يقابلها شمال الضفة الغربية في مقابل جنوب الضفة الغربية. هذا التقسيم الذي يحاول أن يوحي أن المشكل في الأراضي الفلسطينية مرتبط بمناطق جغرافية محددة وليس بممارسات الاحتلال الإسرائيلي التي لا تتوقف في عموم مناطق الضفة الغربية والقدس المحتلة.
انتحار سياسي بشع
وحسب الكاتب والصحافي ناصر اللحام، فإنه فيما لو قررت السلطة الفلسطينية الخضوع للضغوط الاحتلالية بحيث تقتحم المخيمات بدلا عن جيش الاحتلال فإنها تكون قد مارست انتحارا سياسيا بشعا.
هنا تدرك السلطة وقادتها الأمنية مأساوية هذا الانتحار السياسي، وهو أمر يمكن النظر إليه على أنه آخر شيء يمكن أن تقوم به القيادة الفلسطينية التي تعيش مأزقا كبيرا مع عدم قدرتها على تقديم أي حماية أو توفير مصدر مساعدة حقيقية في أماكن المواجهات والاعتداءات الاحتلالية وهجمات المستوطنين التي أصبحت فعلا وحدثا يوميا.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي ماجد العاروري في التصريحات الإسرائيلية المتلاحقة بشأن تصاعد الأحداث في شمال الضفة الغربية بإنها محاولة للدفع باتجاه دور جديد للسلطة الفلسطينية يتعدى قواعد لعبة التنسيق الأمني المتعارف عليها بين الطرفين منذ عام 1993 باتجاه دفع السلطة إلى مواجهة مباشرة مع الناس والناشطين في شمال الضفة.
ويشدد العاروري أن الضغط الإسرائيلي يدفع باتجاه نقل الصراع كاملا إلى الطرف الفلسطيني، وذلك تحت شعار تمكين وتقوية السلطة الفلسطينية لدفعها لخوض المعركة نيابة عن الاحتلال.
ويضيف: «هذا فيه تهديد حقيقي لوظائف السلطة وأي دور وطني تقوم به، ويحولها إلى حركة انعزالية على غرار حركة الانعزاليين في لبنان خلال وجود الثورة الفلسطينية في لبنان». وطالب العاروري أن تبدي السلطة الفلسطينية موقفا واضحا وعلنيا تجاه الدور الجديد المطلوب منها، معتبرا أن أفضل السبل لها لمواجهة تصاعد هذا النوع من المطالب هو العودة إلى الشعب من خلال انتخابات عامة تفرز قيادة سياسية جديدة ملتحمة مع الناس وقادرة في نفس الوقت على حل قضاياهم الداخلية.
ويؤكد أن التحريض الآن على أوجه لتغيير دور السلطة، معتبرا أنه فيما لو نجح الضغط فإنه سينجم عنه دور جديد سيرسم لها من أجل إجراء تغيير بنيتها القيادية وفي مقدمة ذلك إنهاء الحياة السياسية للرئيس محمود عباس، واستبداله بقياده جديده قادرة على تقمص الدور الجديد المطلوب من السلطة.
أمر لا يمكن أن يمر
هنا يقر القيادي أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بأن الاحتلال يريد فعليا من السلطة الفلسطينية أن تكون وكيلا له، ويضيف: «هو لا يريد أن يتوغل أكثر في اشتباك مباشر مع المقاومين بل يريد من السلطة وأجهزة أمنها أن تقوم بالعمل القذر الذي يعجز هو عن القيام به».
ويتابع مجدلاني: «إما أن نكون مسؤولين بالكامل، وفقا للاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال أو لا نكون».
ويشدد في تصريحات صحافية أننا في حالة سياسية وأمنية تجعل الفلسطينيين يعيدون النظر بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، بحيث يتم إعادة تصويب العلاقة معه من علاقة بناء سلام إلى علاقة شعب محتل ودولة احتلال من حق الطرف الأول الطبيعي الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال ومن حقه أن يحصل على مسانده المجتمع الدولي لإنهاء آخر احتلال بالعالم».
ويضيف: «إسرائيل تريد أن تكون السلطة وكيلا أمنيا ووكيلا اقتصاديا، ووكيلا للحفاظ على استقرار الأمن واستقرار المجتمع الفلسطيني لكون ذلك يؤثر على الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر يقود إلى ما تريده إسرائيل من حيث تحويل المشروع الوطني الفلسطيني المعبر عنه بالسلطة الفلسطينية كمرحلة انتقالية إلى مشروع ليس فقط حكم ذاتي إداري تحت سلطة الاحتلال بل كوكيل لهذا الاحتلال».
وأكد: «هذا أمر لا يمكن أن يمر ولا يمكن أن تقبله القيادة الفلسطينية والحركة الوطنية الفلسطينية».
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة في الحملة المنظمة التي تقوم بها وسائل الإعلام الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية التي تروج لضعف السلطة وفقدانها السيطرة على بعض مناطق الضفة الغربية مثل جنين ونابلس بإنها السبب في المساهمة في حالة التصعيد الأمني.
ويضيف: «اليوم اتسعت الحملة ليدعي إعلام الاحتلال أن هناك بوادر تمرد في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، مدعية أن هذا الكلام مستند لمصادر فلسطينية في الأجهزة الأمنية الفلسطينية نفسها، وإن حالات التمرد هذه قد تتحول لظاهرة».
ويشدد دراغمة، حتى أن هناك من قال إن خصوم الرئيس أبو مازن يحاولون استغلال هذه الحالة ضده.
ويرى أن الهجوم السياسي والإعلامي على السلطة الفلسطينية يسعى الاحتلال منه للتنصل من مسؤوليته عما يجري في فلسطين المحتلة، وفي المقابل يريد أن يلقي مسؤولية ذلك في ساحة السلطة الفلسطينية.
استخفاف واحتقار
وجاء في تصريحات مستشار الأمن القومي الإسرائيلي في مؤتمر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ما يشير إلى الرؤية الاحتلالية لدور السلطة الفلسطينية: «نحن معنيون بأن تعمل السلطة الفلسطينية بإصرار لمنع الإرهاب، هذه مسؤولية السلطة، عندما تعمل السلطة بشكل فعال، من غير المطلوب من إسرائيل العمل بشكل واسع لتمنع ذلك بنفسها، انعدام حالة الاستقرار الأمني لا تمكنها الجلوس والنظر من الجانب الآخر، بدون احتكاكات داخل المدن، سيكون الإرهاب خارج المدن».
بدوره يلتقط الكاتب والخبير في الشأن الإسرائيلي أحمد رفيق عوض التصريحات الاحتلالية عن ضعف السلطة ودورها مشددا على أنه لا تكون السلطة قوية إلا بشعبها وبوحدتها من خلال المصالحة الوطنية، وبعودة أداء السلطة لذاتها ودورها، فهي في الحقيقة لا تقوى بالإسرائيليين ودعم الاحتلال.
ويرى عوض في التصريحات الإسرائيلية حالة كبيرة من «الاستخفاف واحتقار الفلسطينيين».
ويضيف: «إسرائيل تستخدم سياسات قصيرة النظر، وهي تدلل على أن الاحتلال ليس ذكيا كما يدعي. فالسياسات الإسرائيلية في الحقيقة هي عبارة عن تسويات حزبية. فلو إسرائيل التزمت بالاتفاقيات الموقعة قبل 29 عاما لكنا في موقع آخر اليوم لكنها جرفت اتفاق أوسلو وحولته إلى ما نحن عليه الآن».
ويؤكد عوض أن الاحتلال يصادر مقدرات السلطة بشكل كامل ومن ثم يطلب منها التنسيق الأمني وبالدور الأمني الذي فيه الكثير من الاستخفاف بعقلنا، فالتصريحات الإسرائيلية تشير إلى أن السلطة لا تعمل عند الشعب الفلسطيني بل تعمل عند ضباط الأمن الإسرائيليين.
ويضيف: «يلوم الاحتلال كل شيء، السلطة والجيل الجديد والإقليم لكن أبدا لا يلوم نفسه، لا يريد أن يرى نفسه ما يفعل في الضفة الغربية. وكلما شعر الاحتلال بالحرج أو بأزمة شديدة يعجز عن مواجهتها يلجأ للسلطة، وكأن السلطة تعمل عنده تماما وأن دورها يقتصر على تنفذ سياستها الأمنية وأن تكون ضد شعبها تماما، وفي ذلك استخفاف شديد بالسلطة وبالشعب الفلسطيني، حيث يمارس الاحتلال احتلاله اليومي ومطلوب منا أن ندفع ثمن ذلك ونحميه وأن نتحول إلى خدم عنده».
ويرى عوض في حديث صحافي على «فضائية معا» أن موجة مطالبات السلطة تأتي في ذروة من ذروات الاشتباك مع الاحتلال، والرد على المطالب الإسرائيلية يكون من خلال المصالحة، فأي مصالحة تحت سقف الوطن تدفع إلى أن يربح الوطن ويخسر الاحتلال بالضرورة، إلى جانب إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تعريف العلاقة مع المحتل، وهي أمور تقود إلى تقوية السلطة من الداخل، وهو المطلوب، فكل فعل تقوية من الخارج يعني أن هناك مشكلة حقيقية.
ويختم: «سياسة ترحيل المشاكل وتفادي الاشتباكات تودي إلى العجز».