القاهرة ـ «القدس العربي»: أصدرت «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان» الثلاثاء، تقريرا بعنوان «نخدم السلطوية ونعتدي على القانون» حول «تغيرات قطاع الأمن الوطني وانتهاكاته في إطار منظومة العدالة الجنائية بين عامي 2016 ـ 2021، وأهم مظاهر استرداد دوره كجهاز قمعي الذي تميز به قبل ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وتسببه في الإخلال الجسيم بملف العدالة الجنائية في مصر، بما يهدد في أحيان كثيرة استقلال القضاء».
ويرصد، تعدي قطاع الأمن الوطني لدوره كجهاز وظيفي يهدف في الأساس لجمع المعلومات ومحاربة الإرهاب والتجسس والجريمة المنظمة، ليشمل عمليات المراقبة والاستهداف الموجهة تجاه النشطاء والمعارضين السياسيين وتوغله في جميع مراحل عملية التقاضي بداية من عملية التتبع والتحريات ثم مرورا بعملية الضبط نهاية بالإفراج الفعلي عن الأشخاص المحتجزين، وتعديه الصريح على السلطة القضائية في كونه يحدد من يتم إطلاق سراحه بشكل فعلي، أو تتم إعادة وضعه على ذمة قضية جديدة. إذ أصبح، جهة ترتكب العديد من انتهاكات حقوق الإنسان، دون أي محاسبة أو مساءلة.
نظرة تاريخية
وتناول الجزء الأول من التقرير، نظرة تاريخية على نشأة أجهزة الأمن السياسي في مصر بداية من العصر الملكي، ثم مجيء نظام يوليو/ تموز 1952، وعلى الرغم، من تفكيكه لبنية النظام الملكي، إلى أنه أبقى على جهاز الأمن السياسي، ولكن بشكل مختلف من حيث التنظيم والهيكل، وظل جهاز المباحث العامة يمارس دوره في ملاحقة المعارضين والتوغل داخل جميع المؤسسات وإفساد الحياة السياسية، حتى تحول إلى الإدارة العامة لجهاز مباحث أمن الدولة في عهد أنور السادات، ثم مباحث أمن الدولة في عهد مبارك. أما في الجزء الثاني، فقد ركز على التطورات التي لحقت بجهاز أمن الدولة بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، والتهديدات التي تعرض لها بعد محاصرة المحتجين لمقراته وحبس رئيسه ثم محاولات إصلاحه، وتغيير مسماه من أمن الدولة إلى الأمن الوطني، وانحسار عمله بشكل ملحوظ خلال السنوات التالية للثورة. وفي الجزء الثالث، عرض التقرير، اختصاصات قطاع الأمن الوطني الجديد، عن طريق قراءة تعديلات قانون جهاز الشرطة الأخير للوقوف على حدود عمل الجهاز القانونية، وأيضا الوقوف على إشكاليات القانون.
الانتهاكات
ويهتم الجزء الأخير من التقرير بنقاش، وبشكل إجمالي، انتهاكات قطاع الأمن الوطني في إطار نظام العدالة الجنائية المصري ليصبح الجهاز هو المسيطر على جميع حلقات التقاضي والمتحكم الأول فيها، منتهكا للقانون والدستور في جميع خطواته التي يخطوها، بداية من تتبع المعارضين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولات اختراق حساباتهم الشخصية وهواتفهم من أجل القبض عليهم مرورا بعملية جمع الحريات وكتابتها وعمليات القبض والاختفاء القسري والتعذيب وتدخلات الجهاز في حياة السجناء عن طريق إدارته لجميع السجون، وخصوصا المشدد منها، تم تحكمه في قرارات إخلاء سبيل المتهمين أو تدويرهم مرة أخرى على ذمة قضايا بشكل متكرر، وأخيرا حتى بعد خروج المساجين من محبسهم يتحكم في حياتهم عن طريق المتابعة الأمنية ورسم مستقبلهم ومنعهم من التنقل والسفر، حسب الجبهة.
الحق في الخصوصية
وتبعا للتقرير «تختلف الأنماط التي يتبعها جهاز الأمن الوطني، في انتهاك خصوصية المعارضين والمهتمين بالشأن العام، وبشكل أساسي تأتي مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي كأحد أكثر هذه الأنماط انتشارا وذلك لسهولة متابعة ما ينشره الأشخاص على صفحاتهم الخاصة». ولفت إلى «إعلان وزارة الداخلية المصرية في عام 2014 عن مشروع الممارسة المحدودة رقم 22 لسنة 2014 المسمى برصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي «منظومة قياس الرأي العام» ومن المرجح، بنسبة كبيرة أن يكون قطاع الأمن الوطني هو المشرف على هذا المشروع، الذي يتم من خلاله استخدام برامج لرصد المخاطر الأمنية على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف التعرف عل الأشخاص الذين يمثلون خطرا على المجتمع».
قمع حرية الرأي
ونقل، عن ثلاثة محامين حقوقيين، قولهم، إن «عمليات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي التي يقوم بها قطاع الأمن الوطني، تهدف في المقام الأول لقمع حرية الرأي المخالف لسياسات النظام المصري، وذلك من خلال كتابة محاضر تحريات تعتمد بشكل أساسي على تفريغ حسابات المتهمين على مواقع التواصل الاجتماعي، لتكون المنشورات، هي الأحراز التي على أساسها يوجه للمواطنين تهم مثل نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي».
وتلك الممارسات، «زادت من أعداد المواطنين المعتقلين تعسفيا بتهم تتعلق بمشاركة محتوى أو كتابة تعليق أو أحيانا إبداء إعجاب بمحتوى، أو إدارة صفحة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي» وفق الجبهة التي ضربت مثلا بالناشط السياسي علاء عبد الفتاح، الذي أحيل إلى محكمة أمن الدولة طوارئ، بتهمة تتعلق بإعادة النشر لأحد المنشورات على الفيسبوك، وصدر ضده حكم بالسجن 5 سنوات.
التنصت على الهواتف والتوقيف العشوائي والاختفاء القسري أبرز الانتهاكات
كما لفتت، إلى حالة، المحامي نبيل أبو شيخة، الذي ألقي القبض عليه في 11 أبريل/ نيسان 2022، وجرى اتهامه في القضية رقم 93 لسنة 2022 أمن دولة عليا، بعد أن وجهت له النيابة العامة اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، على خلفية نشره، على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، منشورات تسخر من دور الممثل ياسر جلال، في مسلسل «الاختيار» الذي يقوم فيه بدور الرئيس عبد الفتاح السيسي.
التنصت على الهواتف
وحسب التقرير، يستخدم قطاع الأمن الوطني سلطته دون سند قانوني في التنصت على المكالمات الهاتفية للمعارضين وتسجيلها، وهو الأمر الذي يقننه قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 بمخالفة الدستور، وهو الذي يجيز مراقبة المكالمات الهاتفية فقط بأمر قضائي مسبب.
وتناول التقرير، حالة الأكاديمي المصري، حسن نافعة، الذي ألقي القبض عليه في 25 سبتمبر/ أيلول 2019، والتحقيق معه في القضية رقم 488 لسنة 2019 بتهمة مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، وبث ونشر شائعات كاذبة تحض على تكدير الأمن العام، وإساءة استخدام إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعد يوم واحد من نشر قناة أون، في برنامج «كل يوم» تسريبا صوتيا مسجل لنافعة عن طريق الهاتف المحمول، من المرجح أن تكون حصلت عليه من قبل الأجهزة الأمنية.
التوقيف العشوائي
التوقيف العشوائي، حسب التقرير، مثل أحد الانتهاكات التي مارسها جهاز الأمن الوطني بحق المعارضين، حيث يقوم أفراد من الجهاز، بتوقيف المواطنين بشكل عشوائي في الشوارع وتفتيش هواتفهم المحمولة بحثا عن أي نشاط سياسي، وتجري هذه الأمور، بدون إذن قضائي وتشمل عمليات التحقق من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الشخصية والصور.
وتناولت الجبهة، ظاهرة الاختفاء القسري في مصر، مشيرة إلى أن النسخ الضوئية لكثير من قضايا كشفت عن تواريخ الضبط التي يذكرها المتهمون في جلسات التحقيق، تخالف ما تتضمنه المحاضر الرسمية، وإنه بعد إلقاء القبض على الأشخاص، يتم احتجازهم بمعزل عن العالم في مقرات الأمن الوطني. وتوصلت، عن طريق تحليل 23 تقرير «متابعة» و«تحليل» لقضايا ذات طابع سياسي، أن بين عامي 2016 و2021، تعرض 351 شخصا في 23 قضية للإخفاء القسري لفترات متفاوت داخل مقرات تابعة للأمن الوطني.
التدوير على ذمة قضايا جديدة
من بين الانتهاكات التي يمارسها جهاز الأمن الوطني المصري ما يعرف بالتدوير على ذمة قضية جديدة. وحسب التقرير، فمنذ عام 2020، أصبحت احتمالية اختفاء المتهمين في قضايا عقب صدور قرار من النيابة بإخلاء سبيلهم كبيرة. ورصدت الجبهة، خلال النصف الأول من عام 2021 تعرض 83 متهما لنمط تدوير المتهمين بوضعهم على ذمة قضية جديدة بعد إخلاء سبيلهم من القضية الأولى، منهم 15 متهم، تعرض للإخفاء القسري في مقرات تابعة لجهاز الأمن الوطني لمدد متفاوتة تصل لـ 5 أشهر ليعاد ظهورهم مجددا أمام النيابة والتحقيق معهم في قضايا جديدة غالبا تحمل نفس الاتهامات في القضايا الأولى.
ووثق التقرير، حالة المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ومؤسس رابطة المختفين قسريا إبراهيم متولي، الذي ألقي القبض عليه من مطار القاهرة في سبتمبر/ أيلول 2018، وتم التحقيق معه وحبسه على ذمة القضية 900 لسنة 2017، ليحبس على ذمتها احتياطيا أكثر من عامين، وبعد إتمامه الحد الأقصى من المدة القانونية للحبس الاحتياطي، تم إخلاء سبيله من نيابة أمن الدولة في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 على ذمة التحقيقات، وتم ترحيله إلى قسم الشرطة التابع له في محافظة كفر الشيخ لتنفيذ إجراءات إخلاء سبيله ليتم اخفاؤه قسريا داخل أحد مقرات الأمن الوطني، وبعد حوالي 3 أسابيع ظهر مجددا أمام نيابة أمن الدولة العليا في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 متهما في القضية 1470 لسنة 2019 أمن دولة.