احزاب اليسار (المعتدل) التي سمت نفسها «المعسكر الصهيوني» أشعلت نقاشا حاسما في موضوع من هو اليهودي. يبدو لي أنه قبل محاولة بلورة موقف في هذا النقاش يجدر التمييز بين القيم وبين الاتفاقات السياسية التي تهدف إلى تحقيق تلك القيم.
لنعود إلى دروس المواطنة في الثانوية: اغلبية الحركات الصهيونية لم تر في الصهيونية رؤيا بحد ذاتها، بل كأداة سياسية تنظيمية لتحقيق قيم يهودية وعالمية. الصهيونية السياسية ناضلت من اجل وطن لليهود لكي يحققوا قيمة الحق الأساسي في حياة كل يهودي. وفي هذه المناسبة ايضا قيمة المساواة السياسية (مع فشل التحرر الذاتي).
الصهيونية الروحانية أرادت تجسيد قيمة المحافظة واحياء الثقافة اليهودية التي بدت كأنها تتعفن في الشتات السقيم والمنصهر. الصهيونية العملية والاشتراكية سعتا، بواسطة الصهيونية، إلى تجسيد قيم الانتاج والابداع الجماعي والمساواة (بمعناها الاشتراكي) في الطريق إلى الاصلاح العالمي للانسان وللعالم.
في الحركة التنقيحية، التي انفصلت عن المؤسسات الصهيونية، كان هناك بُعد لتقديس الحلم الصهيوني كقيمة عليا، وقد حلمت ايضا بصهيونية تحقق دولة ليبرالية. التبديل بين النظام السياسي وبين القيم التي يهدف هذا النظام إلى تحقيقها يجري ليس فقط في الصهيونية. ايضا موقف الديمقراطية كقيمة بدلا من البحث في القيم التي تهدف الديمقراطية إلى تحقيقها (بدءً من الليبرالية الكلاسيكية وحتى الفكرة التي ترى في التعدد السياسي وتقليص فجوات القوة قيمة بحد ذاتها) يؤدي إلى اضعاف الخطاب الديمقراطي. لكن الخطر في هذا مغطى نسبيا، وفي المقابل عندما يتحول قيام دولة (للشعب اليهودي أو أي شعب آخر) إلى قيمة عليا بدلا من أداة لتجسيد القيم، تبقى لدينا فاشية جوفاء وخطيرة.
اذا عدنا إلى أساس الصهيونية فان: من يؤيد الصهيونية السياسية الجديدة عليه أن يسأل نفسه هل نجحت دولة اسرائيل في اعطاء الشعب اليهودي الأمن الشخصي والمادي، وهل نجحت في خلق المساواة السياسية الحقيقية. اذا فشلت الدولة في هذا كثيرا أو قليلا، فعليه انتقاد الدولة والعودة إلى الطعن في صهيونيتها. من يؤيد الصهيونية الجديدة الاشتراكية أو الاشتراكية الديمقراطية عليه أن يسأل نفسه هل الدولة تحقق القيم الاشتراكية التي يؤمن بها، وإلا عليه أن يناضل من اجل تحقيقها.
وهذا هو الأمر ذاته، بالنسبة ايضا للصهيوني الجديد الثقافي، الذي يريد الحفاظ و/أو تجديد الثقافة اليهودية، وبالنسبة للتنقيحي الذي يريد الليبرالية.
مفهوم أن القيم التي تقول إن على الصهيونية تحقيقها يمكن أن تكون مختلفة جدا عن تلك القيم التي كانت موجودة في بداية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. الامثلة التي أعطيتها هي فقط من اجل التمثيل، لكن مهما كان الامر فان الصهيونية التي ليست فاشية جوفاء عليها التعبير بصورة واضحة عن القيم التي تهدف إلى تحقيقها، وتمتحن الدولة بمقياس تحقيق تلك القيم.
يجدر ذكر اقوال الحاخام كوك، الحاخام الاشكنازي الأعلى الأول في البلاد، الذي باسمه يتم احيانا الحديث عن الصهيونية كقيمة بحد ذاتها: «لا يجدر بيعقوب العمل في مهنة، في الوقت الذي تكون فيه ملوثة بالدم، وفي الوقت الذي تتطلب فيه القدرة على الظلم والاثم. نحن تلقينا فقط الأساس الضروري لانشاء أمة…».
معاريف 2/3/2015
زيفا اوفيك