لربما سيكون من الضروري تنبيه القارئ الكريم، إلى أننا لسنا الآن بصدد وضع خريطة طريق، كي يستأنس بها في تفقده للمعالم الإبداعية المتوزعة على جغرافيات العالم العربي، ذلك أن التفكير في وضع هذه الخريطة، يعتبر في حد ذاته مغامرة لن نتردد في إدراجها ضمن اختصاصات غير قليل من «الأقلام»! التي لا تجد أي غضاضة في التعامل الاختزالي والتبسيطي مع إشكاليات معقدة، تقتضي مقاربتها، تملك ما يكفي من الزاد المعرفي والعمق النظري، فضلا عن توافر الحد الأدنى من حس المسؤولية الثقافية. ولعل خطورة هذا الضرب من الممارسات/المغامرات، تتمثل أساسا في قدرتها على استقطاب نسبة عالية من القراء، الذين يميلون عادة إلى التفاعل الخاطف والسريع، مع الأحكام الجاهزة، والمطبوعة بسهولة تناولها، ويسر تداولها. ما يعفيهم تماما من مشقة إعمال الفكر، ومن «آفة» التورط في البحث عن أجوبة غير شافية، لأسئلة شائكة لا قبل لهم بفك ألغازها. وهي صيغة جد ماكرة، لكونها تشتغل بالتقنية المعتمدة في فضاءات التلقي السائدة حاليا، والتي تكتفي ساكنتها بالتعرف على أسرار الغابة، عبر ما قل من حفيف أشجارها، حيث العبرة أولا وأخيرا، بالتقاط المعلومة الملفوفة بعناية فائقة في غلالة شفيفة من الإثارة القابلة للاستهلاك السهل والسريع، دون أن تتسبب بالضرورة في ارتطام المتلقي بأي عائق معرفي/تعجيزي، من شأنه تعقيد عملية تواصله، وتعليق متعة تلذذه بطراوة المعلومة، وسحر جاذبيتها.
وإذا كان البعض يلح على أن هذه التقنية، أو بالأحرى هذه «الممارسة البغيضة»، جد موضوعية ومنطقية، من حيث منهجيتها وآليات تشغيلها، كلما تعلق الأمر بالترويج لمعلومة عابرة، وذات صلة بعناصر ثانوية، ومنفصلة عن جوهر القضايا الكبرى، إلا أننا سنلح من جهتنا على أنها ستظل باستمرار موضوع تساؤلات غير بريئة، إن لم نقل موضوع شبهة، حينما يتضح للعين الرائية وبجلاء، أنها مبرمجة وفق خطة مسبقة، تروم تحريف وتشويه مسار خطابات ومدونات، تتمتع بحضورها الكبير والفعلي، في ذاكرة ما يتعارف عليه بالمشهد الإبداعي والثقافي ككل. وهو شيء يدعو للاستغراب، خاصة حينما يصدر عن جهات يفترض فيها أن تكون نموذجا مثاليا للرصانة والمسؤولية الثقافية، وتدعي لنفسها امتلاك ما يكفي من مواصفات الخبرة والحكامة، التي تفوض لها شرعية استخلاص حقائق المشهد وآليات اشتغاله.
ومن المؤكد أن هذه الممارسات، هي امتداد غير طبيعي للأعطاب المتتالية التي تعرقل وتشل حركية المشهد، والأدهى من ذلك، أنها لا تتردد في استثمار الأعطاب الملمة به من جميع الجهات، كي تنتهز فرصتها السانحة لتمرير ما أمكن من سموم مغالطاتها. ففي ظل غياب الشروط الكفيلة بتشخيص الملامح الأساسية للإشكالات الثقافية العالقة في المشهد، إلى جانب تنامي حالة الوعي، بما يعصف به من اختلالات بنيوية، يكون المتلقي جاهزا سلفا للأخذ بكل ما يتردد على مسامعه من أحكام، ومن توصيفات وتصنيفات، دون أن يساوره أي هاجس تشكيكي أو استفهامي، في مصداقيتها.
ذلك أن اليأس شبه العام والمطلق، من إمكانية تجاوز حالة الركود الثقافي، يحكم طوقه على المشهد، ويجهز بالتالي على ما تبقى من مقومات العمل المسؤول، الذي فقد دواعي حضوره، وأدى إلى انطفاء جذوة الروح التي دأبت -إلى حد ما – على المساهمة في تفعيل إطار تنظيمي ممكن للمنجز الفكري والإبداعي للمرحلة، حيث بوسع الملاحظ، الإلمام نسبيا بحيثيات ومقومات المشهد، على ضوء الدينامية التأطيرية المرافقة له، وبالنظر لقوة الحضور الذي ميز المنابر الثقافية – على قلتها وبساطتها – قبل انفجار الوسائط الحديثة، فقد كانت تتيسر شروط المواكبة النسبية لما تبشر به المسارات الفكرية والإبداعية من آفاق، ممثلة برموزها المكرسة والمعترف بها، سواء تعلق الأمر بالمجال الفني والإبداعي المعبر عنه بالأعمال الشعرية والسردية والتشكيلية والسينمائية، أو بالمجال الفكري والفلسفي، بمختلف اهتماماته ومرجعياته.
هكذا، وبمزيد من التوهمات الوردية، التي تستمد حماسها من التوسع الأسطوري لشبكات التواصل الحديثة، ترسخ الاقتناع بإمكانية استثمار سلطتها في رد الاعتبار إلى المشهد الفكري والإبداعي، كي يتجاوز حلقة البؤس التأطيري والتنظيري، التي عاني من ضراوة انحباسه في ظلاميتها لعدة عقود خلت.
طبعا لا أحد يجادل بأن هذه المرحلة البائدة، كانت هي أيضا عرضة لما لا حصر له من الأعطاب البنيوية، المنسجمة مع خصوصيتها، باعتبار أن كل مرحلة تختص بأعطابها التي هي جماع ما ورثته عن سابقتها، وما أفرزته ذاتيا من اختلالات تتعدد أسبابها ومصادرها. ما يعني أن هوية كل مشهد ثقافي ومعرفي، تنتمي عمليا وتلقائيا لخصوصية لحظتها التاريخية، حيث لن يكون ممكنا أبدا مقاربة حاضر المشهد بإوالياته المنتمية إلى أزمنته المتقادمة، لاسيما بالنسبة للعقود الأخيرة المتميزة بسرعة تدفق وتشعب إيقاعاتها، التي كان الفاعل الثقافي يتطلع إليها بوصفها الزمن المستقبلي، المؤطر بقيم الحداثة وأحلامها الموعودة، مهووسا باستشراف أزمنة بديلة، يتخلص فيها – ولو ضمن حدود الممكن- من بؤس التكتلات القبلية والمؤدلجة، التي دأب المحتمون بسلطها على طمس الحدود الجمالية والفكرية الفاصلة بين التجارب، وكان استئناس الفاعل الثقافي بالبدائل المستشرفة، ينهض على قناعته بحتمية التحولات المنتظرة، التي تستند إليها كل من الكتابة وقراءاتها في اجتراحاتها لمساراتها المستقبلية. لعل أهمها، التحولات التي تطال باستمرار الذائقة الفكرية والجمالية، بموازاة التطور الحثيث والملموس، الذي تتميز به حركية الخطاب النقدي، مع التبني المشترك لرؤية الانفتاح على التجارب الكونية المعززة بمقوماتها النظرية والمعرفية، إلى جانب غيرها من العوامل المحايثة. فضمن هذا السياق، كانت تتنامى، وبغير قليل من المبالغة، موجات التفاؤل باستشراف آفاق قرائية متقدمة، ترقى إلى تطلعات اللحظة الفكرية والإبداعية، بما هي لحظة ثقافية وحضارية بامتياز.
هكذا، وبمزيد من التوهمات الوردية، التي تستمد حماسها من التوسع الأسطوري لشبكات التواصل الحديثة، ترسخ الاقتناع بإمكانية استثمار سلطتها في رد الاعتبار إلى المشهد الفكري والإبداعي، كي يتجاوز حلقة البؤس التأطيري والتنظيري، التي عاني من ضراوة انحباسه في ظلاميتها لعدة عقود خلت. كما ترسخ الاقتناع أيضا، بالدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الوسائط ذاتها في مواكبة إيجابيات الاتساع الحتمي لمساحة الكتابة الفكرية والإبداعية، سواء على المستوى الكمي أو النوعي. ما قد يحفز القراءة، للسير قدما باتجاه مدارج دلالية جديدة، موسومة بعنف اختلافها، وثراء تنوعها، انسجاما مع عنف التحولات التي تعصف تباعا بلحظة مشهد عربي، هو الآن أسير حالة فقد وتيه، في محيطات الكوني ودياجيره.
ولأن الأمر لا يعدو أن يكون محض توهمات وتهيؤات، فإن المشهد الذي أمسى مكتظا حتى النخاع بكل ما تشتهيه الكتابة العالية والفجة من سادة القول ومن دهمائه، هذا المشهد ذاته، لم يعد بفعل التباسه الكبير، يفتح شهية البحث، والنقد، والمساءلة الجادة والرصينة، بقدر ما أمسى ذريعة للاستمرار في تكريس بؤس تصنيفي، يكتفي بحشر أسماء مفكرين تشكيليين، ساردين، وشعراء، في علب ضيقة، ومعطرة بمسك حداثة مشبوهة ومجرثمة، يقدمها لك الدخلاء وعن سبق إصرار، دون مناسبة تذكر كهدايا ملغومة، غايتها الأولى والأخيرة، تيئيسك التام من مشهد لا خير له فيك، ولا خير لك فيه. وتلك لعمري الفرصة الذهبية للأرضات الموبوءة كي تنتشي بنهش ولائمها، إلى أن يرث اليباب المشهد وما فيه.
شاعر وكاتب مغربي