الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت يعاني فيه السودانيون من موجة من الغلاء وارتفاع أسعار السلع والخدمات، فرضت مصلحة الضرائب مؤخرا، زيادات غير معلنة في ضريبة أرباح الأعمال، تصل إلى 1000٪، ما استدعى تنظيم عدد من الاحتجاجات، في عدد من الأسواق المحلية.
ففي مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، جنوب شرق البلاد، أعلنت اللجنة التسيرية للتجار، الإضراب والتوقف عن مزاولة النشاط التجاري، وإغلاق السوق العمومي يومي الأحد والإثنين المقبلين.
ويستثني الإضراب في مرحلته الأولى المراكز الطبية والمخابز، وفق بيان أصدرته اللجنة، أمس الجمعة، أشار كذلك إلى «فشل المساعي التي قامت بها اللجنة المكلفة من قبل التجار للتوصل إلى اتفاق مع مصلحة الضرائب لتخفيض الزيادات التي فرضتها مؤخرا على ضريبة الأعمال».
وحسب البيان «سلطات الضرائب في إقليم النيل الأزرق، تمسكت بالضريبة المفروضة على كل التجار وقطعت بعدم تخفيضها أو إلغائها إلا عبر لجان استئنافات يقوم بتكوينها المدير العام لمصلحة الضرائب».
وبين أن السلطات المختصة، استندت في قراراتها على معلومات غير حقيقية عن القيمة الربحية للتجار، مشيرة إلى أن تحديدها بـ10٪ غير واقعي».
وكانت الأسواق في مدينة تمبول، وسط البلاد، وولاية سنار، جنوب شرق البلاد، شهدت خلال الأيام الماضية احتجاجات غاضبة وإغلاق شامل للأسواق بعد تسلم أصحاب العمل إخطار من مصلحة الضرائب، وفق قيمة جديدة تعتمد زيادات تتراوح ما بين 500 إلى 1000٪. ورفض التجار الاعتراف بالزيادات الجديدة، التي وصفوها بـ«المجحفة وغير المقبولة»، مؤكدين أنها «تهدد استمرار أصحاب الأعمال الخاصة في السوق في ظل الكساد العام في البلاد». وفي الأثناء، يواصل التجار في ولاية القضارف، شرق البلاد، إضراب شامل يمضي نحو يومه الرابع، مطالبين السلطات، بالتراجع عن قراراتها الأخيرة.
«التجمع الاتحادي» يتضامن
وأعلن حزب «التجمع الاتحادي»، في ولاية القضارف، تضامنه مع كافة القطاعات الإنتاجية في الولاية، مشددا على «ضرورة بناء علاقات متوازنة بين مختلف القطاعات والدولة، تضع مصلحة الولاية نصب أعينها، وتعمل بشكل مشترك وانسجام وتكامل أدوار، من أجل تطويرها ونهضتها وتحقيق المصالح الوطنية».
وأكد أن ذلك «لن يتحقق، إلا في ظل تحول ديمقراطي، تقوده سلطة مدنية كاملة»، مشيرا إلى «ضرورة استمرار المناهضة السلمية المدنية للانقلاب بالآدوات الاحتجاجية المجربة والتي تتضمن الإضرابات».
وأشار إلى «متابعته باهتمام بالغ، احتجاجات التجار، وتطورات الأحداث التي أدت إلى دخولهم في إضراب شامل عن العمل وإغلاق جميع المحال التجارية بسوق القضارف والأسواق الفرعية بإستثناء الصيدليات، معتبرا ذلك تطورا خطيرا ستكون له تبعاته على الحركة الاقتصادية في الولاية».
أضرار فادحة
وزاد أن «قرارات رفع الضرائب، تؤكد أن السلطات في أعقاب الانقلاب تمضي في الاعتماد على حلول ستكون لها أضرار فادحة على الاقتصاد الوطني، بما يشمل زيادة الضرائب والرسوم، والتحميل على المواطن لمقابلة نفقاتها، في ظل أحجام الصناديق الدولية عن التعامل مع السلطات العسكرية في البلاد».
وأشار إلى أن قيامها بفرض زيادات على ضريبة أرباح الأعمال، تصل إلى نسبة 500 ـ 1000٪، هو «منحى خطير ستكون له آثاره السالبة على الحركة الاقتصادية وسيؤدي إلى إضعاف الأعمال التجارية واصابتها بالشلل حال توقف أصحاب الأعمال». ولفت إلى أن «هذه الضرائب الباهظة ستجعل من الصعب على التجار القيام بسدادها لأنها ستؤدي إلى تآكل رؤوس أموالهم، كما أنها ستنعكس سلبا على أسعار السلع والخدمات وستؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم في البلاد».
موجة من الغلاء وارتفاع أسعار السلع والخدمات
وندد، بسياسات وزارة المالية، مشيرا إلى أنها أدت مؤخرا إلى توقف أكثر من 5 آلاف مصنع بسبب الضرائب والرسوم وزيادات الكهرباء وبقية تكاليف التشغيل، كما أنها أدت إلى تحجيم التمويل الزراعي وتقليص المساحات الزراعية في الموسم الحالي، بجانب ضعف النشاط التجاري بسبب مشكلات التمويل.
وقال إن «فشل السياسات الاقتصادية التي يتبعها وزير المالية جبريل إبراهيم، جعل حكومته تعتمد بصورة رئيسية على المواطن لتغطية عجز ميزانيتها، مؤكدة أنها سياسات سيكون لها ضررها البالغ على مجمل الحركة الاقتصادية في البلاد».
ووزعت، تنسيقيات لجان مقاومة الكلاكلة جنوب الخرطوم، منشورات، داخل الأسواق، للتضامن مع التجار، منددة، بالزيادات الباهظة في الضرائب والرسوم التي تفرضها السلطات على أصحاب العمل وأثرها البالغ على المواطنين. وقالت إن «السلطات ظلت ترهق كاهل المواطن المغلوب على أمره والذي لا يتحصل بالمقابل على أي خدمات خاصة في مجالات الصحة والتعليم».
وكانت الحكومة الانتقالية، قد مضت في خطوات واسعة للإصلاح والانفتاح الاقتصادي، سرعان ما قوضها، انقلاب القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وعقب موجة من الانفتاح الاقتصادي، أوقف المجتمع الدولي جملة من المساعدات والمنح للسودان تقدر بنحو 4.5 مليار دولار، كما أعلن نادي باريس تعليق إعفاء ديون السودان. وأعلن على خلفية الانقلاب العسكري، إيقاف توقيع الاتفاقات الثنائية وتعليق تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي، إلى حين تحسن الأوضاع في البلاد، مؤكدا أنه سيراقب الأوضاع في البلاد عن كثب، بالتعاون الوثيق مع المؤسسات النقدية الدولية.
وطالب البرهان خلال مخاطبته الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس، المجتمع الدولي، باستئناف برنامج إعفاء الديون، مؤكدا أن ديون البلاد الخارجية تقف حجر عثرة أمام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر تنفيذ أهداف التنمية المستدامة. وقال إن السودان قد تأهل للاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك) مناشدا المجتمع الدولي بالوفاء بالتزاماته في اجتماعي باريس 2020 وبرلين 2021.
وعلى الرغم من أن انقلاب البرهان، قوض الانتقال الديمقراطي في البلاد والذي ارتكزت عليه البرامج الاقتصادية الدولية، إلا أنه أكد خلال خطابه أن السودان «أكمل كافة التشريعات المطلوبة للاستفادة من برنامج إعفاء الديون». وأشار إلى «تصاعد أزمة إرتفاع أسعار الغذاء والطاقة في البلاد»، مؤكدا أنها تتطلب مزيدا من التعاون الدولي.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، تشهد البلاد انسدادا سياسيا لأكثر من عشرة أشهر، بينما فشل العسكر في تعيين رئيس وزراء وتشكيل حكومة، وملء الفراغ الدستوري في البلاد.
يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري في البلاد والمطالبة بالحكم المدني الديمقراطي، وسط دعوات للإضراب العام والعصيان المدني. وراح ضحية قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات الرافضة للانقلاب 117 قتيلا معظمهم بالرصاص وفق إحصاءات «لجنة أطباء السودان المركزية» بينما تجاوز عدد مصابي الاحتجاجات 6000 حسب منظمة «حاضرين» الناشطة في علاج مصابي الثورة السودانية.