من اتفاق الحبوب إلى تبادل الأسرى: هل تنجح الدبلوماسية التركية في إنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

نجح اردوغان في الإفراج عن شخصية روسية طالب بها بوتين، وبالإفراج عن قيادات بارزة في كتيبة أوزوف وجرى نقل عدد منهم إلى تركيا بشرط بقائهم فيها حتى نهاية الحرب.

إسطنبول ـ «القدس العربي»:  عقب أسابيع من نجاحها في التوصل إلى اتفاق الحبوب الذي لاقى ترحيباً عالمياً واسعاً، نجحت الدبلوماسية التركية في تنفيذ أكبر صفقة تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا وسط مساع متواصلة من قبل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان للتوصل إلى اتفاق واسع لوقف إطلاق النار يمهد لحل سياسي ينهي الحرب الروسية الأوكرانية، وهي غاية دبلوماسية تبدو معقدة إلا أن مسؤولين أتراكا يؤكدون أنها ليست مستحيلة.

ومنذ بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا قبل نحو سبعة أشهر، اتخذت تركيا مساراً دبلوماسياً معقداً يتمثل في الحفاظ على توازن كبير في المواقف بين البلدين، وبالفعل نجحت الدبلوماسية التركية في عدم ارتكاب أي أخطاء يمكن أن تصنفها على أنها تدعم بلداً دون آخر وذلك على الرغم من إمداد أوكرانيا بالطائرات المسيرة المسلحة من طراز بيرقدار والتي أوجعت الجيش الروسي بضرباتها المركزة والقاتلة.
ورغم مدها أوكرانيا بالطائرات وتنديدها بالهجوم الروسي وإعلانها دعمها لوحدة الأراضي الأوكرانية والتنديد باستفتاءات الضم التي تجريها روسيا، إلا انها اتخذت مواقف مضادة أخرى من قبيل «تفهم الاحتياجات الأمنية الروسية» ورفضها «الاستفزازات الغربية لروسيا» وموقفها المتزن من تطبيق بنود اتفاق مونترو المتعلق بالمرور عبر الممرات البحرية التركية وصولاً إلى رفضها المشاركة في العقوبات الغربية على روسيا.
وإلى جانب موقفها «المتزن» استغلت تركيا موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي للتأكيد على أهميتها وحيويتها لكافة الأطراف وهو ما منع بموجبه طرفي النزاع من التسرع والدخول في أي صدام معها خشية خسارة المكتسبات التي يتيحها الإبقاء على قنوات الاتصال السياسية والعسكرية والاقتصادية مع تركيا التي تلعب دوراً حيوياً لموسكو وكييف في الوقت ذاته.
وعقب سلسلة من الاتفاقيات المحدودة المتعلقة بفتح الممرات الإنسانية ووقف إطلاق النار، حاولت تركيا جمع طرفي النزاع في إسطنبول للتوصل إلى اتفاق سياسي كبير ينهي الحرب، إلا أن الخلافات والتحديات كانت أكبر بكثير ولم تتكلل هذه المساعي بالنجاح في ظل التباعد الكبير جداً في وجهات النظام والشروط والضمانات المطلوبة وذلك على الرغم من إعلان أنقرة استعدادها لأن تكون ضامناً للاتفاق المنشود.
ورغم فشل هذه الجولة، إلا أن الدبلوماسية التركية كثفت مساعيها وصولاً للتوقيع على «اتفاق الحبوب» الذي قالت أنقرة إنه أنقذ العالم من «خطر المجاعة» فعقب جهود مكثفة ومعقدة مع روسيا وأوكرانيا وبمشاركة الأمم المتحدة بدأ تصدير الحبوب المكدسة في أوكرانيا إلى العالم من خلال آلية مراقبة وتفتيش رعتها تركيا ويتواصل تنفيذ بنود الاتفاق منذ أسابيع دون مشاكل في نجاح لاقى ترحيباً وإشادة واسعة جداً على الصعيد العالمي تفاخر فيه اردوغان أيضاً في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام.
وفي خطوة مفاجئة لم يعلن عنها سابقاً، أعلنت تركيا نجاحها في رعاية اتفاق هو الأكبر منذ بدء الحرب لتبادل الأسرى بين البلدين جرى بموجبه الإفراج عن نحو 55 روسيا وأكثر من 200 أسير حرب أوكراني، وعلى الرغم من أن الكثير من التفاصيل لم يكشف عنها بعد، إلا أن المؤكد أن الاتفاق جرى برعاية تركية ونتيجة جهود مباشرة للرئيس التركي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وتشير التفاصيل التي تتكشف تباعاً أن اردوغان نجح بجهوده المباشرة في الإفراج عن شخصية روسية طالب بها بوتين بشكل مباشر، كما نجح بالإفراج عن قيادات بارزة في كتيبة أوزوف التي قاتلت في ماريوبول وجرى نقل عدد منهم إلى تركيا بشرط بقائهم فيها حتى نهاية الحرب، وهي جميعها مؤشرات على قوة الدور التركي في الوساطة بين الجانبين، كما لافت الصفقة ترحيباً دولياً واسعاً.
وعقب النجاح في اتفاقي الحبوب وتبادل الأسرى، تنصب جهود الدبلوماسية التركية حالياً نحو اتفاق واسع لوقف إطلاق النار يمكن أن يمهد لاتفاق سياسي كبير ينهي الحرب وهو مطلب كبير يحمل في طياته الكثير من التعقيدات في ظل إعلان بوتين التحشيد الجزئي لقوات الاحتياط ودخول الحرب مرحلة جديدة من التصعيد إلى جانب الإعلان عن استفتاءات لضم مناطق جديدة وجميعها تطورات تجعل من تخيل سيناريو الحل النهائي شبه مستحيل بالنسبة لكافة الأطراف.  اردوغان الذي كان أول من أعلن عن صفقة تبادل الأسرى اعتبر أنها «خطوة مهمة جداً على مسار إنهاء الحرب» فيما أكد وزير خارجيته مولود جاوش أوغلو، الجمعة، ان بلاده تواصل مساعيها الدبلوماسية من أجل إنهاء الحرب التي دخلت حديثاً في مرحلة جديدة وخطيرة مع التعبئة الجديدة للجيش الروسي وبدء التصويت في استفتاءات على ضم مناطق جديدة في شرق أوكرانيا.
ورغم نجاح أنقرة في إثبات حيادها للبلدين، والعلاقات الاستثنائية لاردوغان مع زعيمي البلدين، إلا أن أي حل نهائي للحرب التي تفجرت بسبب رفض الغرب تقديم ضمانات أمنية لروسيا لا يمكن أن تنتهي بدون مشاركة أطراف دولية أوسع وإيجاد صيغة أشمل بين روسيا والناتو حول التوسع والتهديد للجانبين، إلا أن مراقبين يرون إمكانية التوصل إلى اتفاق ثنائي في حال خلصت أوكرانيا إلى أن الغرب لم يدعمها حتى النهاية وأن الحل الوحيد يتمثل في التوصل إلى حل ثنائي مع روسيا بعيداً عن الحسابات الدولية الأوسع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية