على الرغم من الآمال الكبيرة التي كانت معلقة على رئاسة ليز تراس للحكومة، باعتبارها سياسية من الطراز البراغماتي الرفيع، فإن خطواتها الأولى تثير الكثير من الشكوك والمخاوف. وقد عبرت اختياراتها في التشكيل الحكومي عن تفضيل الولاء الشخصي على الكفاءة. وتُظهِر واقعة غرانت شابس وزير النقل في حكومة جونسون، وهو واحد من أركان «فريق بريكست» الذي رفضت تراس طلبه بأن يبقى وزيرا للنقل في حكومتها، ولما سألها عن السبب ردت عليه بأنه كان من مؤيدي ريتشي سوناك، المرشح الآخر لزعامة الحزب. ومع اعترافها له بأنه كان من أكفأ الوزراء، فليس له مكان في حكومتها. هذا يعني أن خطوتها الأولى لم تكن على أساس الولاء للكفاءة، ولا الولاء لحزب المحافظين، وإنما الولاء لها شخصيا على حساب الحزب وعلى حساب الناخبين، وهو ما يهدد علاقتها بالحزب ويضعف كلا منهما أمام الناخبين. كذلك فإن تراس فشلت في إحياء فكرة إقامة منطقة للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، التي بشر بها رئيس الوزراء السابق منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث رفض جوزيف بايدن أن يعقد اجتماعا معها في لندن خلال حضوره جنازة الملكة إليزابيث الثانية، كما رفض إدراج الموضوع على جدول أعمال لقائهما في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتواجه ليز تراس الآن مطبا عميقا يتعين عليها ألا تسقط فيه، وأربعة حواجز صعبة يتعين عليها أن تتخطاها بأمان، إذا كانت تريد لنفسها أن تقود حزب المحافظين في انتخابات ناجحة بعد عامين تقريبا من الآن. المطب العميق هو فصل الشتاء المليء بالتحديات، وقد استعدت له بإعداد ميزانية مصغرة طارئة تتضمن إجراءات لتخفيف أزمة غلاء المعيشة، ووضع سقف لأسعار الغاز بتكلفة تصل إلى 60 مليار جنيه إسترليني، وتقديم حوافز لأصحاب الدخل المحدود والعاملين، مثل إلغاء الزيادة في مدفوعات التأمين الاجتماعي التي كان قد قررها وزير الخزانة السابق. أما الحواجز الأربعة فإنها تتمثل أولا في ضرورة إقامة توافق بين سياستها المالية التوسعية، والسياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي، وثانيا في إقامة توافق بين الحاجة للمحافظة على وحدة المملكة «المتحدة» وبين طموحات شعوب أخرى في الاستقلال، في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، وثالثا في إقامة توافق بين اعتبارات التحالف مع الولايات المتحدة وبين الضرورات الجيوسياسية التي تقتضي التقارب مع أوروبا، ورابعا إقامة توافق بين اعتبارات الدفاع عن الحرية والديمقراطية وبين الحاجة إلى السلام ومنع الحرب في العالم، خصوصا مع ظهور شبح التهديد النووي في الأفق. وسوف يقرر النجاح في اجتياز هذه الحواجز بأمان فرص استمرار المحافظين في الحكم لفترة تالية.
الوجه الاقتصادي للتحديات
تعتبر ليز تراس أن تحقيق النمو بمعدل لا يقل عن 2.5 في المتوسط هو هدفها الرئيسي في الأجل المتوسط، أي قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة. وقد تم تحديد هذا الهدف بالتشاور «داخل الشلة» بعيدا عن مكتب الميزانية وعن خبراء المالية العامة في مراكز البحوث المتخصصة. وتتكون شلة تراس من كوازي كوارتينغ وزير الخزانة، وسايمون كلارك الوزير المسؤول عن تحقيق التكافؤ بين الأقاليم، ثم جاكوب ريس موج ذو الاتجاهات اليمينية، الذي يشغل منصب وزير الأعمال، وكان أحد مهندسي عملية «بريكست» وأخيرا تريز كوفي الصديقة الشخصية لتراس، ونائب رئيس الوزراء.
يتضمن البرنامج الاقتصادي العاجل للحكومة، وضع حد أقصى لسقف أسعار الغاز والكهرباء للمنازل والشركات والمؤسسات العامة والبلديات يتكلف مبدئيا حوالي 60 مليار جنيه إسترليني، ويضمن استقرار أسعار الطاقة في السوق حتى العام المقبل بما يوفر للأسرة العادية حوالي 1000 جنيه سنويا. كما يتضمن البرنامج الاقتصادي إلغاء الزيادة في الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية التي كانت مقررة من قبل، بما يوفر للشركات نحو 19 مليار جنيه إسترليني، ووقف الزيادة في نسبة مدفوعات الضمان الاجتماعي التي تبلغ 1.25 في المئة، وتخفيض ضريبة الدمغة على عقود شراء المساكن. الإجراءات الضريبية وحدها ستكلف الخزانة أكثر من 45 مليار جنيه في السنوات المقبلة، وتؤدي لزيادة التمويل بالديون، وهو ما يغذي معدل التضخم الذي يبلغ الآن 10 في المئة، أي ما يعادل خمسة أمثال المستهدف من الحكومة والبنك المركزي البالغ 2 في المئة. لكن وزارة الخزانة تقدر أن التخفيضات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الطاقة، سيؤدي لتخفيض التضخم بنسبة 5 في المئة عن مستواه الحالي.
ويقدر بول جونسون مدير معهد الدراسات المالية أن المشروع الاقتصادي لحكومة تراس يقوم على أسس مالية تتسم بالمجازفة، وسوف يؤدي بالتأكيد إلى زيادة الدين العام في السنة المالية الحالية عن المستهدف ليصل في الحدود القصوى إلى 231 مليار جنيه إسترليني، مقابل 99 مليار جنيه حسب التقديرات السابقة في الميزانية الأصلية. كما وجه ميل سترايد عضو مجلس العموم عن حزب المحافظين، رئيس اللجنة المشتركة للشؤون المالية في المجلس انتقادا لوزير الخزانة بسبب تجاهل تقديرات مكتب «المسؤولية للميزانية» الذي يقدر الدين العام، قبل الزيادات الجديدة في الاقتراض بحوالي 96 في المئة من الناتج المحلي.
عودة لاقتصاد تساقط الثروة
السياسة الاقتصادية لحكومة ليز تراس، سياسة تعزيز «جانب العرض» التي أرسى فلسفتها الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان في سبعينات القرن الماضي، على أسس أيديولوجية الليبرالية الجديدة، هي فلسفة عفا عليها الزمن، سقطت عمليا في الأزمة المالية العالمية عام 2008. حكومة تراس تعتقد أن تركيز الثروة في القمة، والإغداق على المديرين والشركات بالمزايا، هو مفتاح التنافسية، وتعتبر أن زيادة الضرائب عليهم بينما تتراكم أرباحهم الاستثنائية هو من السيئات، بينما زيادة الأعباء على الأغلبية، وزيادة الاقتراض، وتفاقم أعباء الدين العام هي من الحسنات. تراس على مايبدو لا تزال تؤمن بالنظرية التي تقول إن «تساقط رذاذ الثروة من أعلى إلى أسفل، هو الطريق إلى النمو». هذه النظرية سقطت يوم اضطرت الحكومات، ومنها الحكومة البريطانية، إلى إنفاق أموال دافعي الضرائب خلال أزمة 2008 لإنقاذ البنوك والشركات الآيلة للسقوط. هذا التدخل من جانب الدولة الرأسمالية بصرف أموال دافعي الضرائب لمصلحة الشركات المتعثرة، يبرر في المقابل ضرورة تدخلها عندما تُحقق شركات استخراج النفط والغاز أرباحا استثنائية، لمصلحة دافعي الضرائب، فمن الضروري أن تدفع هذه الشركات «ضريبة ثروة استثنائية» على «الأرباح الاستثنائية التي تحققها» وليس في ذلك عقوبة لرأس المال كما تصورها تراس، التي تأمل أن تتولى الاستثمارات الأجنبية قيادة النمو في بريطانيا. وتعتزم الحكومة فتح الأبواب للاستثمار الأجنبي، من خلال حزمة من السياسات الضريبية والمزايا غير المالية، بفتح مناطق اقتصادية أو «موانئ حرة» يبلغ عددها 40 منطقة في الأقاليم البريطانية لتشجيع الاستثمار الأجنبي بالاتفاق مع البلديات المحلية في كل منطقة.
وحدة المملكة المتحدة
تعتبر وحدة المملكة المتحدة أهم ملامح الوجه السياسي للتحديات التي تواجهها حكومة تراس، باعتبار أن مدى النجاح في الحفاظ على وحدة المملكة، يحدد ما إذا كانت ستحافظ على هويتها أم لا، وذلك في أخطر اختبار للهوية منذ تبعثرت وانهارت الإمبراطورية البريطانية في بداية النصف الثاني من القرن الماضي. ومع أن بريطانيا تستطيع الاحتفاظ ببعض روابطها مع دول الكومنولث، إلا أن مكانتها الدولية تتوقف على بقائها دولة موحدة. ولا تلوح في الأفق إشارات تفيد بتراجع الحزب القومي الاسكتلندي عن مطلبه بإجراء استفتاء عام، يمنح مواطني اسكتلندا فرصة تقرير مصيرهم سلميا، وما إذا كانوا يفضلون البقاء ضمن المملكة المتحدة، أم انهم يريدون الانفصال. ومع رحيل الملكة إليزابيث الثانية، تزايدت فرص انفصال اسكتلندا، وأصبح إلى حد كبير مسألة وقت فقط. ومع ذلك فإن اتباع سياسة مرنة، وأكثر عدالة تجاه اسكتلندا من شأنه أن يضعف من قوة التيار الانفصالي. وسوف تترك سياسة الحكومة في مواجهة أزمة الطاقة في فصل الشتاء، وأزمة غلاء المعيشة أثرا غير مباشر على النزعة الانفصالية، حيث سيقارن الاسكتلنديون بالضرورة بين أوضاعهم كجزء من المملكة المتحدة، وأوضاع غيرهم في الاتحاد الأوروبي.
دعم جديد لانفصال إيرلندا الشمالية
حصل حزب شين فين، الجناح السياسي لتنظيم «الجيش الجمهوري الأيرلندي – آي آر أيه» (سابقا) على أكبر عدد من المقاعد في برلمان بلفاست، الذي يمثل السلطة التشريعية الإقليمية لحكومة أيرلندا الشمالية، وهو ما يعزز تيار الانفصال عن النظام الملكي البريطاني، وتوحيد الهوية السياسية للجزيرة الأيرلندية. ويتمتع المؤيدون للانفصال بتأييد غير مباشر من الولايات المتحدة، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال حملة الضغوط التي مارسها رؤساء أمريكيون مثل جورج بوش الأب وبيل كلينتون على حكومة مارغريت تاتشر، من أجل وقف الحرب بين الطرفين، التي راح ضحيتها أكثر من 3 آلاف شخص خلال ثلاثة عقود من المواجهات الدامية، واستمرت حتى توقيع اتفاق السلام عام 1998.
وقد حصل حزب «شين فين» على دعم ديموغرافي قوي بعد الإحصاء السكاني الأخير، الذي أظهر زيادة نسبة السكان المنتمين إلى المذهب الكاثوليكي، على حساب المنتمين إلى المذهب البروتستانتي خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أن وجود أغلبية للكاثوليك لا تعني تلقائيا تفضيل الانفصال عن المملكة المتحدة، إلا أن التداعيات السياسية والاقتصادية السلبية، التي نتجت عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عززت التيار المناهض للحكومة في لندن، خصوصا وأن أيرلندا الشمالية صوتت في استفتاء 2016 ضد الخروج من أوروبا بنسبة 56 في المئة. ولذلك فإن حزب «شين فين» الذي صعد سياسيا على خلفية معارضة «بريكست» مدعوما بنتائج الإحصاء الأخير يدعو الآن إلى إجراء استفتاء في أيرلندا الشمالية على وثيقة تؤيد الانفصال عن المملكة المتحدة.