نابلس ـ «القدس العربي»: يقدم الأكاديمي والكاتب الفلسطيني حسن أيوب مشهدين مترابطين يختصران ما وصفه بالحال الكارثي الذي بلغته القضية الفلسطينية، الأول هو للمستوطنين والقوات الإسرائيلية وهم يعربدون في بلدة حوارة شرق مدينة نابلس.
يشير أيوب أن المشهد لم يعد مجرد انفلات قطعان المستوطنين، بل يعكس في العمق مقدار ما تشعر به إسرائيل من قدرة على توظيف الإرهاب المنظم، والانتقال إلى استراتيجية القوة والقتل والتهجير.
ويرى أيوب أن الصعود الهائل لليمين الفاشي أمثال بن غفير وسموتريتش وغيرهم، هو أحد أبرز تعبيرات هذا الانتقال. وفي سياقه يجري تكريس دولة المستوطنين في الضفة الغربية تحت أنف وسمع السلطة الفلسطينية العاجزة تماما، في التحرك للتصدي له.
أما المشهد الثاني فيرتبط بقيام أجهزة الأمن الفلسطينية بما وصفه استباحة مدينة نابلس في استعراض خطير ونوعي لقدرتها على حفظ الأمن؛ الأمن بتعريفه الإسرائيلي بطبيعة الحال. ففي الوقت الذي انشغلت به كل الأوساط ذات الصلة بتقدير احتمالية قيام الجيش الإسرائيلي بعملية عسكرية في نابلس وجنين، تأتي العملية على يد أجهزة السلطة الفلسطينية، مسبوقة بتصريحات كل من محافظي جنين ونابلس على التوالي، طالبا فيها إسرائيل بمنح السلطة الفرصة لحفظ الأمن، بعد الاجتماع الأمني رفيع المستوى بين مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين منذ يومين. أي أن السلطة الفلسطينية تقوم بما تقوم به في نابلس عن إدراك وتصميم ووعي. ويضيف الأكاديمي أيوب «برافو» إسرائيل، فقد نجحت مرة أخرى وأخرى في تحويل حالة المواجهة المتصاعدة في وجهها، إلى مواجهة داخلية، ودفعت بالسلطة نحو درك أدنى في دورها الوظيفي الأمني كشريك في «جز عشب» ظاهرة نبيلة تحمل بذور إمكانية تغيير ديناميات الصراع.
ويختم المفارقة التي يرصدها بإن السلطة الفلسطينية بذلك تقايض استمرار وجودها وتدفق الدعم لها وتقويتها، بحفظ الأمن وفق الشروط والتعريف الإسرائيليين. بينما في حوارة وغيرها من المواقع سيقود هذا الحال إلى تغول أكبر للمستوطنين ولماكينة القتل الإسرائيلية المسلطة على الفلسطينيين.
صورة من الميدان
يقابل هذه المفارقة والتعبير الرصين للحالة الفلسطينية صوت قادم من الميدان، وتحديدا من بلدة بورين جنوب مدينة نابلس، القريبة جدا من بلدة حوارة، حيث شهدت قبل أيام أول عملية سطو وسرقة لحقل زيتون يعود لفلسطيني من البلدة في موسم الزيتون الحالي.
يقول الناشط والمزارع ابن البلدة التي تعاني من ويلات الاستيطان وشهدت العام الماضي أعنف الهجمات الاستيطانية نمر عيسي (الطيراوي) بلغة الميدان والواقع الصعب: «لقد تعامل المستوطنون مع زيتون الفلسطينيين هذه المرة وكأنهم أصحاب رزق وقعدوا عليه (تعبير شعبي دارج أي أنهم ملاك الزيتون)».
فلم يكن يتوقع المزارع الفلسطيني ياسر عيد، (أبو مؤمن) صاحب قطعة أرض في منطقة تدعى خلة الرمانة القريبة من مستوطنة «يتسهار» أن تبدأ الهجمات على حقله قبل أكثر من شهر على انطلاق فعاليات الموسم المنتظر.
وتعتبر هجمة/ غزوة أرض أبو مؤمن بمثابة أول فعل سرقة لحقل زيتون يقوم بها مستوطنون في أراضي بورين لهذا الموسم.
وفي تفاصيل الهجوم فإن ما بين 40 – 50 مستوطنا توجهوا في الصباح الباكر إلى قطعة الأرض الخاصة بـ«أبو مؤمن» ومعهم كل متطلبات عملية قطف الزيتون من مفارش أرضية، وسلالم وشوالات ومختلف الأدوات التي يستخدمها أصحاب الأرض، ومكثوا فيها أكثر من 5 ساعات حيث غادروها بعد ان أكملوا مهمتهم.
وكانت الأنباء قد وصلت أهالي البلدة بإن هجمة استيطانية على أراضي البلدة تنفذ، فما كان من المواطنين إلا أن تداعوا للمنطقة لكن قدوم قوات الاحتلال منعت تقدمهم ووفرت للسارقين حماية دائمة.
يضيف الناشط والمزارع عيسى: «يتصرفون بذكاء وتخطيط، وكي يحصلوا على الوقت كله من أجل السرقة في وضح النهار قامت مجموعة ثانية من المستوطنين بعملية مشاغلة للأهالي عبر الهجوم من منطقة أخرى».
وكانت الصورة في ذلك اليوم الصعب أن هجوم المستوطنين على منازل المواطنين في بورين فيما مجموعة منهم يسرقون ثمار الزيتون فوق الشارع الالتفافي للمستوطنة سيئة السمعة فلسطينيا والتي تحمل اسم «يتسهار» التي يسكنها يهود متطرفون.
يتحدث عيسى مع «القدس العربي» بصوت فيه الكثير من الوجع اليومي وبحرقة لافته تعكس حجم الخطر المحدق بالمزارعين قائلا: «قبل أسبوعين هاجم مستوطنون بيوت البلدة التي تقع وسطها، وهذا حدث لأول مرة في تاريخ وجودهم».
ويتابع: «واضح ان همة المستوطنين عالية جدا، ويمتلكون شجاعة وجرأة مضاعفة حتى يفعلوا ما فعلوا في حقل أبو المؤمن، وقبل شهر من بداية الموسم».
اعتداءات مضاعفة
وأكثر شراسة
في هذا السياق حذر مسؤول ملف الاستيطان شمال الضفة غسان دغلس، من تصاعد عمليات الاعتداءات والسرقة والنهب من قبل المستوطنين مع اقتراب موسم قطف الزيتون، خاصة في المناطق المحاذية للمستوطنات.
وما زالت صور العام الماضي وأحداثه راسخة في أذهان المزارعين الفلسطينيين في المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية وتحديدا ما تعلق منها باعتداءات المستوطنين على قاطفي الزيتون أو الاعتداءات على حقول ومزارع الفلسطينيين خلال موسم القطاف الذي يعتبر موسما فلسطينيا رئيسيا.
ورغم أن العام الماضي شهد أكبر عدد من الهجمات على شكل اعتداء على المزارعين أو سرقة المحصول أو اعتداء على الأشجار إلا أن التوقعات لدى عشرات المزارعين في العام الجاري تشير إلى أن الاعتداءات ستشهد تضاعفا وقوة وشراسة وعنقا.
وكانت وزارة الزراعة الفلسطينية قد أعلنت عن موعد بدء قطف الزيتون وتشغيل المعاصر للموسم الزراعي 2022-2023 على أن يكون بعد تاريخ 13 تشرين الأول/أكتوبر من الشهر المقبل.
ويشدد الناشط عيسى أن الفلسطيني ينتظر كل سنة هذا الموسم، «كل مزارع عنده التزامات مالية وأعباء كثيرة، فيما يكون الموسم أكبر معين عليها».
وحسب آخر إحصائية صادرة عن المركز الفلسطيني للإحصاء ووزارة الزراعية الفلسطينية فإن ما نسبته 85 في المئة من المساحة المزروعة بأشجار البستنة في فلسطين مزروعة بالزيتون. وبلغت المساحة المزروعة بالبستنة الشجرية حوالي 676.8 ألف دونم خلال العام الزراعي 2020/2021 (منها 94.7 في المئة في الضفة الغربية) حيث تشكل المساحة المزروعة بأشجار الزيتون أعلى مساحة مزروعة بالبستنة الشجرية في فلسطين من إجمالي المساحة المزروعة بمساحة 575.2 ألف دونم. يصف عيسى أهالي قريته والقرى المجاورة بـ«الجماعة المتوكلين على رب العالمين، في ضوء عدم توفير أي استجابة لمناشدات الأهالي من الجهات الرسمية».
وتعرضت بورين إلى أكبر وأشرس هجمات في الموسم الماضي وهو أمر يجعلها معرضة لهجمات أكبر وأكثر خطرا في ضوء ما تتعرض له البلدة حاليا، مع عدم توفير دعم رسمي وشعبي للمزارعين في أوقات جني محصولهم والذهاب إلى أراضيهم.
بغضب واحتقان يقول عيسى: «ليست هناك خطة، هل يمكن أن يجلبوا لنا قوات الأمن الوطني مثلا لحمايتنا وللقطف معنا؟ طبعا مستحيل».
ويضيف: «قلنا لهم سابقا لا نريدكم أن تقطفوا الزيتون معنا، تعالوا واجلسوا واشربوا الشاي فقط، كونوا إلى جوار المزارعين فهذا يشعرهم بالقوة فيما يشعر المستوطنون أن هناك زخما وحشدا شعبيا وهو أمر يقود إلى تراجع المستوطنين».
ويستذكر ما حدث معه العام الماضي عندما أنتقد مسؤولين فلسطينيين لتقصيرهم في جهود دعم وحماية المزارعين بإن هناك من أتصل به وهدده بضرورة «توطية الموجة» (تخفيض الصوت) ويسأل: «عن أي صمود يتحدثون؟ عن أي مقاومة شعبية؟».
وفي معرض غضب عيسى يستحضر تجربة منزل عائلة صوفان الذي يعتبرا منزلا يقع بالقرب من مستوطنة «يتسهار» ويقف شوكة في حلق المشروع الاستيطاني هناك، ويؤكد: «المسؤولون جميعهم وعدوا بمساعدة العائلة، لكنهم لم ينفذوا وعودهم، حتى أبسطها والمتمثل بتعبيد طريق المنزل».
ويقول: «كل يوم يقدم المستوطنون للعائلة شيكا مفتوحا كي يبيعوا المنزل ويرحلوا، ولكنهم صامدون، ولو حدث ذلك سيكون أكثر من 10 الاف دونم بمثابة لقمة سائغة في فم المستوطنين».
وعن زيتون بلدة بورين يقول عيسى أن زيتونها يبلغ من العمر ما يقرب من 200 عاما، لكن ليس هناك طرق مناسبة تقود إليه.
ويسأل: «لو نشبت النار بفعل المستوطنين في زيتون البلدة في المناطق القريبة من المستوطنة كيف يمكن لسيارة الإطفاء أو الإسعاف أن تصل إلى هناك؟ طبعا مستحيل، فعن أي صمود يتحدثون؟».
ويستنكر عيسى سياسة القبول بمنح الفلسطينيين تصاريح للوصول إلى أراضيهم بتنسيق مع الارتباط الفلسطيني وقوات الاحتلال، معتبرا أن تلك «أكبر إهانة تقع علينا».
ويضيف: «كيف أقبل بتصريح مدته يومين لقطف زيتون يحتاج إلى 20 يوما على الأقل؟».
موسم ماسي
وحسب معطيات وزارة الزراعية الفلسطينية فإن الموسم الحالي يعتبر موسما مثاليا «ماسيا».
وفي تصريحات مدير عام مجلس الزيتون الفلسطيني فياض فياض أكد أن موسم الزيتون هذا العام «ماسيًا» لكثرة إنتاج زيت الزيتون، متوقعًا أن تنتج الضفة الغربية 25 ألف طن زيت، و9 آلاف طن للتخليل.
ويشير فياض أن الكمية المتوقعة ستغطي احتياجات السوق الفلسطيني في الضفة (تقدر بـ 22 ألف طن). غير أن هذا الاحتفاء المبالغ فيه بالموسم من الجهات الرسمية لا تنظر إلى الزيتون الفلسطيني في المناطق المهددة من المستوطنين، كما أنها لا تضع في الاعتبار ما يسرقه المستوطنون، أو يقومون بقطعه، أو ذلك الزيتون الذي يمنع الفلسطينيون من الوصول إليه لكونه يقع في مناطق قريبة من المستعمرات أو معسكرات الجيش أو داخل جدار الفصل العنصري.
تقارير إسرائيلية
وحسب منظمة بتسيلم الإسرائيلية فإن «عُنف المستوطنين ضدّ الفلسطينيّين هو إحدى وسائل دولة إسرائيل لزيادة مخزون الأراضي الواقعة تحت سيطرتها في شتّى أنحاء الضفة الغربيّة».
وحسب المنظمة فإن الهجمات التي يشنّها المستوطنون تشمل الضرب ورشق الحجارة والتهديد والمضايقات وإتلاف الأشجار وسائر المزروعات وتخريب السيّارات وإغلاق الطرق وحتى إطلاق الرّصاص الحيّ. نتيجة لهذه الأفعال يخشى الفلسطينيّون المجيء إلى أراضيهم وعندئذٍ تستولي الدّولة عليها وتسخّرها لاحتياجاتها.
وتتهم المنظمة تظاهر قوات الاحتلال بالاهتمام بالفلسطينيين في هذا الموسم بإنه بسبب حالة الرأي العامّ، فذلك فقط هو ما يدفعها بالتظاهر بأنّها تخصّص للفلسطينيّين حماية خاصّة في هذا الموسم بالذات، أي ما يعرف بـ«آليّة التنسيق» حيث يطلب الجيش من المُزارعين الواقعة أراضيهم في جوار مستوطنات أن يُجروا معه تنسيق أيّام للقطاف لكي يُرسل معهم جنوداً يُرافقونهم في ظاهر الأمر.
ويشدد التقرير الحقوقي أن آليّة «التنسيق» لم توجد منذ البداية لمُساعدة المُزارعين الفلسطينيّين بل إنّ وظيفتها الأساسيّة هي الإيهام بأنّ إسرائيل توفّر لهُم الحماية. وجاء في التقرير الذي رصد اعتداءات المستوطنين لعام 2021 أن الآليّة الحالية لا يمكن للمُزارعين الاستفادة منها: فأيّام التنسيق المخصّصة لقطاف الزيتون ضئيلة وهي لا تكفي لإنجاز القطاف، كما أنها تتجاهل بقية أيام السنة بحيث يمنع المزارع من رعاية أرضه.
ووثّقت المنظمة الحقوقية التي ترصد اعتداءات الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية ما يقرب من 45 هجوماً شنّه مستوطنون ضدّ فلسطينيّين أثناء قطاف الزيتون تخلّلته اعتداءات جسديّة عليهم وإلحاق الأضرار بممتلكاتهم، بما في ذلك سرقة محصول الزيتون وتخريب أشجار زيتون وتخريب ممتلكات شخصيّة ومعدّات زراعيّة.
يدعم المعطيات السابقة استخلاصات منظمة إسرائيلية مماثلة تحمل اسم «ييش دين» والتي تشير إلى ان دولة إسرائيل ووكالاتها (الجيش ووكالات تنفيذ القانون) تقصّر وتفشل في تطبيق القانون الإنساني الدولي الذي يجبر القوى المحتلة على حماية السكان الأصليين وممتلكاتهم. حيث فشلت في منع اعتداءات، وسرقة وتخريب من المستوطنين تجاه فلاحين فلسطينيين. كما أن الجنود الإسرائيليين اشتركوا بشكل مباشر في منع الفلسطينيين من الدخول الى أراضيهم الزراعية وانهم امتنعوا عن حماية الفلسطينيين في حالة اعتداء من المستوطنين.
وتشير «ييش دين» هذه الظاهرة هي ظاهرة منظومية وغير عادلة وتخالف إجراءات الجيش حتى.
سؤال الحلول؟
أمام كل ذلك أصبح سؤال: ماذا يمكن للجهات الرسمية الفلسطينية أن تفعل لهؤلاء الفلاحين أمام تغول وتنامي الاعتداءات حتى قبل أن يبدأ الموسم الأكثر ارتباطا بالبركة والخير والصلة بالأرض وشجرة الزيتون المباركة التي تعتبر جزءا أصيلا من الهوية الفلسطينية؟
هنا يشير حسن أيوب، الباحث والمحلل في الشأن الفلسطيني، والمتخصص في مسائل حل الصراعات أن آلية تعاطينا مع المستوطنين يجب ان تتغير في ضوء متغيرين، الأول نوعي مرتبط بالديموغرافيا حيث اقتربت أعداد المستوطنين على المليون في الضفة والقدس (850 ألف تقريبا) والمتغير الثاني أن المستوطنين أصبحوا جزءا من حياة الفلسطيني: مكان السكن، التنقل، أماكن العمل، فكل ما عدا المدن الرئيسية أصبح مسيطرا عليه من المستوطنين وتحديدا في منطقتي (ب وج) حسب التقسيمات السياسية لاتفاق أوسلو.
ويتابع أيوب: «لقد أصبح المستوطنون يمتلكون كل العوامل اللازمة لفرض إرادتهم بشكل شبه مطلق، وفي ضوء ذلك كل الوسائل القديمة والتقليدية التي كان يستخدمها الفلسطيني سابقا في مواجهة هجمات المستوطنين أصبحت غير ذات جدوى وفعالية».
ويشدد أن الآية انعكست بفعل تحولات كثيرة، لقد أصبح المزارع ينتظر أن تحميه السلطة أو يتواصل مع الارتباط العسكري الفلسطيني في ظل أن الحالة الشعبية التي تقودها الفصائل لم تعد موجودة، وهو أمر جعل من المستوطنين يظهرون بثوب «المنتفضين» وكأننا نحن المحتلين.
يختم: «لقد انعكست الصورة، وأمام ذلك ما عاد يجدي خطاب الاستعطاف والبكاء وشعر المراثي، والدعوة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وطالما لا يمكن للسلطة التي تقوم على ما يقرب من 50 ألف رجل أمن أن ترسل 20 ألفا منهم بلباس مدني لحماية المزارعين في عموم الضفة الغربية فإن هناك حاجة إلى إعادة النظر في كل حالتنا الفلسطينية».