“أسواق الفلاحين”.. نقطة مضيئة لإعمار الأرض الفلسطينية وجعل الزراعة فعلاً مجدياً اقتصادياً- (فيديو)

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله- “القدس العربي”: تكثر أسواق الفلاحين في مدينة عصرية مثل رام الله وسط الضفة الغربية، فخلال ثلاثة أيام من كل أسبوع، وهي الجمعة والسبت والأحد، تشهد المدينة حراكاً غير تقليدي، حراكاً يضم مزارعين قادمين من مختلف مدن وبلدات وقرى الضفة الغربية ومستهلكين يرغبون بعملية شراء مباشرة منهم.

وأمام صورة المدينة الجميلة والصاخبة التي تضج بالأزمة والبنايات الزجاجية الضخمة تشهد المدينة حالة من الشراكة والتلاقي بين مزارعين ومستهلكين. حيث تشهد ساحات صغيرة تتيحها بلديات ومراكز ثقافة حضورا لعشرات المزارعين الذين يأتون من ساعات الصباح الباكر لعرض منتجاتهم الزراعة والغذائية.

وتتنوع أسواق الفلاحين في المدينة، فهناك سوق الحرجة، وسوق خليل السكاكيني في رام الله، وكذلك سوق الفلاحين في البيرة، إلى جانب سوق “البابورية” في بلدة بير زيت جنوب المدينة.

وبحسب فريد طعم الله، المبادر والباحث والناشط الزراعي وصاحب مبادرة شراكة التي تنظم “سوق الفلاحين” فإن المبادرة التي انطلقت عام 2010 كأول سوق للفلاحين أصبحت بعد ما يقرب من 11 عاما مجموعة مبادرات تحقق الكثير من الأهداف الوطنية والمالية وتعزز من الارتباط بالأرض.

ويرى طعم الله أن فكرة الأسواق التي تجمع المزارعين بالمستهلكين حققت أهدافاً كثيرة من ضمنها عودة الشباب للأرض، كما أنها قدمت أكبر خدمة للمزارع الفلسطيني عبر تسويق وبيع منتجه من دون وسيط (التاجر).

ويرى أن أكبر ما يلحق الضرر بالمزارعين والمستهلكين أيضا هو وجود طرف ثالث (التاجر) الذي يشتري من المزارع بأسعار قليلة ويقوم ببيع المنتج للمستهلك بسعر أكبر.

ويتابع: “التاجر هو شخص أو جهة ليست ذات قيمة مضافة، إنه طرف لا يخسر أبدا، حيث أن ربحه دائم ومستمر لكونه يستغل حاجة الطرفين، ووجوده مسألة تعزز من غلاء المنتج على المستهلك وتحديدا في حال كان هناك سلسلة من التجار قبل أن يصل المنتج للمستهلك”.

ويشدد طعم الله على أن مبادرات أسواق الفلاحين عملت على سد ثغرة الحاجة “للتاجر”، عبر توفير المكان والزمان المناسبين، ودعوة جمهور المستهلكين للشراء مباشرة. إنها “عودة للشكل التقليدي والقديم قدر الإمكان، أي البيع للناس مباشرة. هكذا كان حال القرى والبلدات قبل سنوات”.

ويعتبر طعم الله مسألة الشراء مباشرة من المزارعين بالعمل الوطني، في ظل أن جانبا من المعركة مع الاحتلال يقع على الأرض. وهو ما يجعل من عملية الشراء بمثابة دعم للمزارعين للبقاء في أراضيهم ومنحهم المكسب المالي الذي يعينهم على الاستمرار ومواصلة فعل الزراعة.

هنا يشدد على أن الفلسطيني لا يحتاج لشعارات عن الأرض، بل يحتاج إلى أن تتحول الزراعة لفعل ممارسة يومية ومجدية ماليا، وهو ما يعمل السوق على تحقيقه.

“المطلوب هو أن يبيع المزارع بسعر معقول يوازي التكاليف وحجم التعب الذي يبذله إضافة إلى مربح مناسب”، يؤكد طعم الله.

ويرى أن مسألة هجرة الأراضي ارتبطت في جانب كبير منها بتحول الزراعة إلى فعل غير مجدٍ، فيما العكس هو الصحيح، وهو سيحدث فيما لو غيرنا من نمط استهلاكنا وكسرنا شكل العلاقة مع المزارعين، وهو ما تعمل “مبادرة شراكة” على تحقيقه.

ومن وجهة نظر طعم الله فإن الأفعال الصغيرة وتكرار هذه المبادرات تعزز من مفهوم السيادة على الأرض، والسيادة على الغذاء، ليس من باب كونه شعارا يتردد على ألسنة المسؤولين إنما من باب كونه فعل وممارسة حقيقة، في ظل أننا شعب تحت الاحتلال.

ويشدد: “علاقة الفلسطيني مع أرضه هي علاقة ذات طابع وقيمة مضاعفة، فالمزارع هو حارس للأرض بمقدار ما هو زارع لها، وهو شخص يواجه الاحتلال والمستوطنين بجسده يوميا، وهو أمر يجب أن ندعمه ونعلي من شأنه”.

ولا يخفي الناشط طعم الله حماسته عند الحديث عن أسواق الفلاحين حيث يشير إلى أن العودة للأرض تعمل على حل جانب من مشكلة البطالة المرتفعة في صفوف الشباب الذين لا تنقصهم القدرة ولا الجرأة ولا المغامرة، فكل ما ينقصهم هو أن تتحول الزراعة لفعل مجد مادياً، وهو ما تؤكده التجارب الجديدة وتسانده أسواق الفلاحين المختلفة.

ويرى خبراء أن مجموعة من التجارب الزراعية الجديدة أكدت أن الزراعة مجدية في حال كانت ذكية، وواعية لاحتياجات المواطنين، حيث ظهرت مؤخرا مجموعة من الزراعات، مثل: مشروع زراعة الكركم في بلدة صرة قضاء نابلس، والافوكادو في قلقيلة، إلى جانب زراعات للأناناس والعصفر والسماق والسمسم والقمح.

ويبدي طعم الله اندهاشه عندما يقول: “هل يعقل أن نزرع من القمح 9% من حجم استهلاكنا في بلد عرفت تاريخيا بزراعة القمح؟”.

شروط المشاركة

وتشترط أسواق الفلاحين في المشاركين أن يكونوا من صغار المزارعين، أي ليس لديهم حيازات زراعية كبيرة، إلى جانب أن يكونوا مزارعين وليسوا تجارا. كما ويعمل السوق على تشجيع الزراعات العضوية ويدعو المزارعين إلى استخدام البذور البلدية الأصلية ويشجع عملية مبادلتها.

ويشدد طعم الله على أن البذور البلدية تأقلمت على طبيعة الأرض والتربة، كما أنها تكيفت مع مسألة نقص المياه.

ويرى أن عملية تكثير البذور البلدية وتوزيعها يعتبرا عنصرا مهما للسيادة على الغذاء، وتحديدا في ظل ما تعج به السوق الفلسطينية من بذور إسرائيلية معدلة جينيا حيث تتطلب زراعتها كميات كبيرة من المياه والمواد الكيماوية.

وعلى مدى أربعة شهور شارك أسبوعيا ما يقرب من 20 مزارعا في سوق الفلاحين، نصفهم مزارعون فيما النصف الآخر من أصحاب المشاريع الإنتاجية. وتميز السوق في الأشهر الماضية أنه دائم التجدد تبعا للمواسم الفلسطينية، حيث تتنوع المعروضات ويتم تدوير المزارعين المشاركين ليشمل أكبر عدد منهم.

مبادرات جديدة

وضمن برنامج “الأرض”، الذي يديره مركز خليل السكاكيني الثقافي، أطلق المركز قبل ثلاث سنوات “سوق الفلاحين” الذي يلتقي فيها الفلاحون من مدن وقرى ومخيمات فلسطين، ويضيف إلى إمكانيات البيع والشراء ورشات عمل حول الزراعة وثقافة الطعام وتقنيات تجفيفه ومعالجة المواد الغذائية.

وينظر المركز إلى “سوق الفلاحين” على أنه محاولة للتعامل مع الأرض كوسيط للإنتاج الثقافي والتبادل المعرفي، وهو يستهدف المزارعين والمنتجين البيتيين. إضافة إلى أنه يعمل على توعية المستهلك بأهمية دعم المنتج المحلي والطعام الصحي، كما يعمل على المساعدة في تطوير حلقة اقتصاد داخلية في المجتمع.

ويرفع “سوق البابورية” شعار “بير زيت بتعمر فيكم”، وهو سوق لبيع المنتجات الزراعية والغذائية والحرف اليدوية والأعمال الفنية كل يوم سبت في البلدة القديمة في بلدة بير زيت. ويضم السوق فعاليات فنية غنائية وموسيقية، وفعاليات للأطفال والعائلة.

مغزى عميق

وينظر الكاتب الفلسطيني مهند عبد الحميد إلى أن سوق الفلاحين عبارة عن قصة نجاح مهمة، ويرى في مقال خاص أن النماذج التي يحتضنها السوق تقدم مجموعة من الفلاحين الملهمين الذين يكدون بزنودهم من أجل حياة كريمة.

ويرى أن نجاح تجارب الفلاحين لها مغزى عميق في هذه المرحلة العصيبة من حرب إقصاء المحتلين للأصلانيين، وما يطرحه هذا الصراع من تحديات كبيرة تستدعي استجابات وأعمالاً غير تقليدية، أهمها إعادة بناء الوضع الفلسطيني على أسس جديدة، كالانتقال من اقتصاد ريعي وليبرالية السوق والدعم الخارجي المرتبط بقيود وأجندات متناقضة أو متعارضة مع احتياجات الشعب الفلسطيني، إلى اقتصاد منتج، يستند الى تطوير الموارد من داخل المجتمع.

ويتابع: “هذا الانتقال الضروري يتحقق بمشاركة قطاعات واسعة من المجتمع والتجمعات الفلسطينية. مشاركة على قاعدة إعادة الاعتبار للعمل المنتج في الأرض وفي المهن والابتكارات التي تتيحها ثورة المعرفة والاتصال، وإعادة الاعتبار للرأسمال البشري، للإنسان صانع التغيير”.

ويرى أن أسواق الفلاحين هي خطوة صغيرة في الاتجاه المطلوب.

ويختم قائلا: “أهم ما في هذه التجربة يتمثل في التفاعل الحميمي بين المنتجين وتعاونهم ودعمهم لبعضهم البعض، إلى جانب التفاعل الذي لا يقل أهمية وهو الذي يحدث بين المنتجين والمستهلكين، ذلك أن هذا النوع من العمل المنتج ترافقه بالضرورة ثقافة منسجمة معه ومدافعة عنه”.

https://www.facebook.com/watch/?v=501352481859750

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية