لندن- “القدس العربي”:
تتحدث الكاتبة فدا جريس عن رحلة عودتها لأول مرة إلى فلسطين من قبرص بعد توقيع اتفاق أوسلو، عندما كان عمرها 22 عاما.
وتروي أن والديها كانا يعيشان في المنفى منذ العام 1970 بسبب نشاط والدها السياسي وانتمائه إلى المقاومة الفلسطينية.
وتقول إن والديها تحدثا لها سابقا عن مأساة فلسطين لكنها عاينت بنفسها تلك المأساة بعد عودتها مع عائلتها بعد مرور عام على اتفاقية أوسلو التي تم توقيعها عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
تحدثت فدا جريس في مقالتها بصحيفة الغارديان عن فرحة غامرة للعودة أخيرًا وتقول: “لقد أردت تحقيق حلمي بالانتماء إلى دولة ولم أعد أرغب في الشعور بأنني أجنبية بعد الآن، لكن العودة إلى الوطن بالنسبة لنا جميعا كانت أصعب بكثير مما كنت أتخيل”.
وتشرح الكاتبة أنه “بعد أسابيع قليلة من وصولنا إلى قرية والدي اصطحبني أبي مع أخي الأصغر في رحلة قصيرة بالسيارة. لم نذهب بعيدًا، ما يزيد قليلاً عن ميل واحد ووجدنا أنفسنا ندخل قرية صغيرة. قال والدي: “هذه قرية دير القاسي”.
لكن اسمها المكتوب على اللافتة هو “القوش” لأنه وبعد تدمير فلسطين – التي نسميها النكبة – في عام 1948 تم تطهير الدير عرقياً وإعادة تسميته من جديد.
ثم تقول الكاتبة: “تجولنا عبر طرق هادئة مليئة بالمنازل وأشجار الصفصاف، وكان هناك عدد قليل من أقفاص الدجاج. أوقف أبي السيارة وقال انظروا إلى هذا الهيكل الحجري القديم، إنه أثر لأحد المنازل الأصيلة التي كانت موجودة في القرية. عندها أحسست لأول مرة أنني أنظر إلى مأساة فلسطين التي سمعت عنها طوال حياتي”.
كان أبي يقول: “لم يهدموا كل البيوت” بل احتفظوا بالقليل، لأن بعض الوافدين الجدد (أي المستوطنين) كانوا من اليمن وكانوا يحبون البيوت العربية.
تتحدث الكاتبة أيضا عن قرية سحماتة وما أصابها من تدمير منذ وصول الجرافات الإسرائيلية إليها فكل ما تبقى منها هو أشجار زيتون وبضعة حجارة بارزة، ومعظم أهلها صاروا موجودين (كلاجئين) في لبنان.
وتتابع الحديث عن مشاهداتها فتقول: “يتذكر الجيل الأكبر سناً من الفلسطينيين في إسرائيل سنوات الحكم العسكري والقمع، لقد عاشوا تحت غطاء ترهيب كثيف، ولعقود من الزمان لم يشيروا إلى أنفسهم على أنهم فلسطينيون، وكانت تسميتهم عرب إسرائيل تحمل تناقضا كبيرا، ففي قرية فسوطة مثلا كان يحصل ارتباك وصمت إذا ذكر اسم فلسطين.
وتتحدث الكاتبة أنه عندما وجدت عملا خارج قريتها كانت تشعر بالتوتر عند صعودها حافلة للنقل العام حيث رأت جنودا إسرائيليين مسلحين ببنادق؛ فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها أسلحة في الشارع (إذ لم يسبق لها ذلك عندما كانت تعيش في قبرص)، وهنا تقول: “لم أستطع إيقاف الفكرة المرعبة التي تدور في ذهني “أنني في حافلة مع جنود إسرائيليين!”.
وفي طريق العودة أيضا إلى المنزل حدقت خارج النافذة بينما كانوا يتقدمون ببطء في ساعة الذروة، كانت اللوحات الإعلانية وإشارات الشوارع كلها بالعبرية، لكن هناك عددا قليلا من المطاعم بأسماء عربية.
“المحادثات من حولي كانت بالعبرية، ويصعد المزيد من الجنود، يتنافسون فيما بينهم للحصول على مكان في الحافلة المزدحمة. في تلك اللحظة انتابني شعور بارد في قلبي فأحسست معه أنني لم أكن في فلسطين أحلامي”.
وتتابع قائلة “في القرية، أصبت بإحباط شديد إذ إن أكثر من نصف الفلسطينيين في إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، ومعظم ميزانية الدولة المخصصة للبنية التحتية والتنمية الاقتصادية كانت تذهب إلى التجمعات اليهودية. معظم العائلات الفلسطينية في قريتي كانت تكسب حوالي نصف ما تكسبه عائلة يهودية في المتوسط. كان متوسط العمر المتوقع في مجتمعاتنا أقل بسبب وجود عدد أكبر من الأشخاص الذين يعانون من الأمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم. ولزيادة الطين بلة، فإن المصطلح العبري الذي يعني “العمل العربي” كان يستخدم بشكل شائع للإشارة إلى عمل ذي جودة رديئة، ولكن المفارقة المحزنة هي أن معظم إسرائيل بنيت بأيد فلسطينية”.
وتتحدث الكاتبة عن البطالة في صفوف الشباب، فتقول “لم يكن الأمر أسهل أيضا بالنسبة لأولئك الذين تلقوا تعليمًا، لقد كانت القرية مليئة بالخريجين الفلسطينيين المحبطين، في انتظار إجراء مقابلات للعمل لكنها لم تأت أبدًا”.
واكتشفت أن هناك العديد من الاختصاصات لا يستطيع الفلسطينيون دراستها، مثل بعض مجالات الفيزياء والعلوم النووية وتدريب الطيارين، وذلك بذريعة الأمن، وتم استبعادهم تمامًا من صناعات الدفاع والطيران.
وتضيف قائلة: “لقد كانت السيادة الفلسطينية التي نصت عليها الاتفاقات مجرد واجهة وكانت بطاقات الهوية وجوازات السفر التي تصدرها السلطة الفلسطينية بحاجة إلى موافقة إسرائيلية، مثلما كانت عليه الحال عند إصدارها من قبل قوات الاحتلال.
لقد كانت إسرائيل تسيطر على جميع المعابر الحدودية. والأسوأ من ذلك، أصبحت قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة أداة للتنسيق الأمني مع إسرائيل، وتعقب وتسليم أولئك الذين انخرطوا في المقاومة. “لا يمكن لأحد أن يتخيل مثل هذا السيناريو”.
لقد جعلت الاتفاقات الفلسطينيينَ خاضعين لإسرائيل اقتصاديًا وسياسيًا وفي كل مناحي الحياة، فعندما تم توقيع اتفاقيات أوسلو، كان من المفترض أن يتوقف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي على الفور في الأراضي الفلسطينية، وبعد ثلاث سنوات، كان من المقرر أن تبدأ المفاوضات حول القضايا الهامة، بما في ذلك اللاجئون والمستوطنات والحدود، بهدف انسحاب إسرائيلي كامل في غضون خمس سنوات، لكن إسرائيل ألقت بالفعل بالتزاماتها في مهب الريح.
كان رئيس الوزراء المنتخب حديثًا (حينها) بنيامين نتنياهو من حزب الليكود اليميني، الذي عارض إقامة الدولة الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وواصلت حكومته الاستيلاء على الأراضي لتوسيع المستوطنات اليهودية غير القانونية وبناء طرق التفافية مقتصرة على الإسرائيليين فقط، وبدلاً من التوقف تضاعفت أنشطة الاستيطان الإسرائيلية.
وترى الكاتبة أنه بعد كل ذلك “سرعان ما نظر الفلسطينيون إلى اتفاقيات أوسلو على أنها لا تجلب السلام ولا الحرية”.
وتختم بالقول: “لقد رأيت الإسرائيليين في كل مكان، لكن كان لديّ وجود منفصل تمامًا ومتواز معهم، وأصبت بشعور مؤلم، شعور لم يفارقني منذ ذلك، فقد كنت غريبة في بلدي”.