اضطرابات السوق في بريطانيا تُفاقم الفوضى في الاقتصاد العالمي وتثير مخاوف من انتشار عدواها

حجم الخط
1

نيويورك/لندن – رويترز: تسبب نطاق عمليات بيع أصول بريطانية وسرعتها في هزة في الأسواق العالمية، وزاد القلق من تفشي هذه الحالة، إذ فاقمت الفوضى في اقتصاد متقدم وكبير القلق المخيم بالفعل من الزيادات الحادة في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ودول أخرى.
فبعد إعلان «الميزانية المصغرة» التي قدمتها حكومة ليز تراس يوم الجمعة الماضي، والتي شملت تخفيضات ضريبية غير ممولة حجمها 45 مليار جنيه إسترليني (48 مليار دولار)، انخفض الإسترليني إلى مستويات قياسية مع تراجع حاد في أسعار السندات البريطانية.
وظهرت علامات الاضطراب يوم الأربعاء الماضي قبل أن يتدخل بنك إنكلترا (المركزي) بشكل طارئ لتهدئة الأسواق، وتحدث عن «مخاطر فعلية على الاستقرار المالي البريطاني»، مشيراً إلى التقلبات في الأسواق الناجمة عن خطة الميزانية عالية الكلفة التي انتقدها «صندوق النقد الدولي» بشدة.
وجاء ذلك بينما تشهد الأسواق توتراً بالفعل نتيجة أزمة الطاقة التي زادت التضخم، فضلاً عن صعود الدولار الذي أثار رياحاً معاكسة على مستوى العالم ودفع بنك اليابان إلى تدخل نادر في أسواق العملات الأسبوع الماضي.
وقال أوليفييه مارسيوت، رئيس الاستثمارات للأصول المتعددة وإدارة الثروات في مؤسسة «يونيجستشن» لإدارة الأصول، في إشارة إلى مساهمة بريطانيا في التوتر العالمي «يشبه الأمر وجود قلعة من الرمال تبدأ أجزاؤها في التساقط تماماً… أعتقد أن المملكة المتحدة هي واحدة من تلك الأجزاء… إنها تزيد من المعاناة، وتزيد من التوتر».
وقال وزير المالية الفرنسي برونو لومير أمس الجمعة أنه «قلق» بشأن الوضع في بريطانيا، حيث أدت خطة رئيسة الوزراء ليز تراس لخفض ضريبي ضخم إلى فوضى في الأسواق المالية.
وقال لومير لراديو أوروبا 1 «لست قلقا بشأن وضع اليورو لكنني قلق بشأن الوضع في بريطانيا». وأضاف أن مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي «تأتي بتكلفة كبيرة لأن أوروبا توفر الحماية… منطقة اليورو وفرت لنا الحماية خلال أزمة كوفيد».
وفاقم القلق بشأن السياسة الاقتصادية البريطانية الجديدة من التقلبات الكثيرة أصلا، مع امتداد الاضطراب في السندات الحكومية البريطانية إلى سندات الخزانة الأمريكية التي تعتبر ملاذاً آمناً، وكذلك السندات الألمانية عالية التصنيف.
ومن الواضح أن القلق العالمي يتصاعد بشأن التداعيات المحتملة للخطوات البريطانية. فقد حذر رئيس فرع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) في أتلانتا، رافاييل بوستيك، يوم الاثنين الماضي من أن الأحداث في المملكة المتحدة قد تؤدي إلى ضغوط اقتصادية أكبر في أوروبا والولايات المتحدة، بينما انتقد «صندوق النقد الدولي» يوم الثلاثاء الخطط المالية البريطانية الجديدة.
ونقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين قولها يوم الثلاثاء أن الولايات المتحدة تراقب التطورات في بريطانيا.
وقال باول مالوي، رئيس قسم الإصدارات المحلية في شركة «فانغارد» للاستشارات المالية «ستكون هناك تأثيرات، وهناك ارتباطات… بعض تقلبات السوق، ثم كيف تؤثر في مشهد النمو العالمي… الولايات المتحدة هي اقتصاد معزول (عن الصدمات) بشكل كبير… نحن معزولون أكثر عن الكثير من الضغوط العالمية، ولكن مع هذا الذي يحدث، نحن لسنا محصنين تماماً مما يجري في أوروبا والصين وبريطانيا».
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بيمكو» لإدارة الاستثمار بالسندات، دان إيفاسكين، أنه على الرغم من اعتقاده بأن التطورات في بريطانيا لا تمثل مخاطر شاملة وكبيرة، إلا أنها زادت من الاضطرابات في الأسواق المتقلبة بالفعل.
ومع ارتفاع عائدات السندات البريطانية 100 نقطة أساس (نقطة مئوية) خلال يومين إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات، ارتفعت عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات والسندات الألمانية أيضاً.
يذكر لأن عائد السندات يعتبر مؤشراً لمدى قدرة أو عدم قدرة مُصدرها لى على سداد قيمتها عندما يستحق سدادها. ويرتفع عند زيادة الشك بالقدرة عاى الدفع.
كما قفز مؤشر «موف» التابع لمصرف «بنك أوف أمِريكا،» والذي يقيس تقلب أدوات الدخل الثابت في الولايات المتحدة، إلى أعلى مستوى له منذ مارس/آذار 2020.
وارتد صدى تقلبات حادة في سعر صرف الإسترليني في أسواق العملات، التي تشهد اضطرابات متصاعدة بالفعل. ووفقا لمؤشر تقلب العملات في «دويتشه بنك»، الذي يحظى باهتمام واسع، وصل التقلب على مستوى العملات يوم الأربعاء إلى أعلى مستوى له منذ انهيار السوق الناجم عن جائحة كورونا في مارس/آذار 2020، حيث قفز أكثر من 20 في المئة عن مستوياته قبل أسبوع.
وأدى إعلان بنك إنكلترا يوم الأربعاء أنه سيشتري أكبر قدر يتطلبه الأمر من السندات الحكومية طويلة الأجل، من الآن وحتى 14 أكتوبر/تشرين الأول لتحقيق استقرار الأسواق، إلى بعض الهدوء.
ومع ذلك، لم يعتقد جميع المستثمرين أن هذا هو أفضل نهج، حيث قال ستانلي دروكنميلر، من مكتب «دوكسني» أن شراء السندات ليس مناسباً وسط الأجواء التضخمية.
ولا تزال مؤشرات الضغوط المالية التي تحظى بمتابعة وثيقة تحت السيطرة. وارتفعت تكاليف الاقتراض بالدولار الأمريكي في أسواق المشتقات المالية بشكل حاد هذا الأسبوع، لكنها بقيت أقل بكثير من المستويات التي سجلتها عقب بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير شباط وانهيار السوق بسبب جائحة كورونا في مارس آذار 2020.
وقفزت تقلبات سوق الأسهم الأمريكية أيضاً وفقا لقياسات «مؤشر الخوف (فيكس)» في الأيام الماضية، لكن المؤشر لم يصل إلى أعلى مستوياته المسجلة قبل ذلك في 2022.
لكن خطر العدوى لا يزال قائماً على خلفية الغموض في المشهد العالمي وتزايد أسعار الفائدة في أنحاء العالم.
وقال تشارلز ديبل، رئيس إستراتيجية الدخل الثابت في «ميديولانوم أسيت مانجمنت» لإدارة الأصول «الأسواق تبيع، والبنوك المركزية متشددة للغاية… وهذا الشعور بالارتباك يعني أن التحركات تميل إلى مفاقمة بعضها البعض».
وفي سوق الأسهم الأمريكية سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز500» يوم الثلاثاء أدنى مستوى إغلاق منذ ما يقرب من عامين، متأثرا بهزات اقتصادية في الولايات المتحدة بسبب رفع أسعار الفائدة.
وقال مايكل بيرفز، الرئيس التنفيذي لشركة «تولباكن كابيتال أدفيزورز» الاستشارية في نيويورك، أن بعض الضعف في الأوراق المالية قد يكون مرتبطاص بما يحدث في بريطانيا، لأن التقلبات هناك تؤدي إلى «عدم المخاطرة»، بما في ذلك بيع السندات الحكومية الأمريكية.
ففي أوقات التوتر الحاد، مثل ما حدث أثناء انهيار السوق الناجم عن جائحة كورونا في مارس/آذار 2020، يبيع المستثمرون حتى أصول الملاذ الآمن مثل سندات الخزانة لدعم السيولة وتعويض الخسائر في عناصر أخرى في محافظهم.
يذكر ان بريطانيا هي سادس أكبر اقتصاد في العالم، كما أن حوالي خمسة في المئة من احتياطيات العملات العالمية مقومة بالإسترليني، مما يسلط الضوء على أهمية المملكة المتحدة في النظام المالي العالمي.
وبينما يتسبب الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة الأمريكية بالفعل في ضغوط على الأسواق العالمية، على سبيل المثال من خلال قوة الدولار، يتزايد أيضاً الحديث عن تحرك عالمي لتهدئة الأسواق.
وقال بادرايك جارفي، الرئيس العالمي لإستراتيجية الديون ومعدلات الفائدة في «آي.إن.جي أميريكاس» لخدمات الاستثمار المالي «لاحتواء التضخم، نحتاج إلى تحرك عالمي، ويجب أن يهدف هذا الرد العالمي لتهدئة الطلب… من الواضح، كحالة قائمة بذاتها، أنه عندما تخفف رئيسة الوزراء والإدارة في بريطانيا السياسة المالية، فإن ذلك، بحكم التعريف، لا يهدئ الطلب».
وفي محاولة لطمأنة الأسواق التقت رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس ووزير ماليتها كواسي كورتِنغ أمس رئيس «مكتب مسؤولية الميزانية».
وقال في بيان أنّها تريد «العمل بتعاون وثيق» مع المكتب، إلّا أنها لن تنشر توقعات ميزانيتها متوسطة الأجل قبل 23 تشرين الثاني/نوفمبر عند تقديمها للبرلمان.
وقال كريغ إرلام، المحلّل في «أوندا» للسمسرة، أن الاجتماع الذي عُقد مع مكتب مسؤولية الميزانية لن يهدّئ الأسواق»لأنه من الواضح أنّ الحكومة مصمّمة على الالتزام بجدولها الزمني الخاص، بغض النظر عن الضغوط الخارجية».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية