أخطاء عبد الناصر .. أم أخطاء نظام عبد الناصر

حجم الخط
0

مازن كم الماز في مقال صلاح الأيوبي منصور ‘أخطاء عبد الناصر’ المنشور في “القدس العربي” 12 أبريل 2012 تحدث الكاتب عن الكثير من أخطاء نظام عبد الناصر التي هي عبارة عن سياسات أنتجت أزمات كان ضحيتها مجموعات مختلفة من المواطنين المصريين والعرب أيضا، ونسب الكاتب تلك الأخطاء لشخص عبد الناصر، ودافع عن شخص السادات على أنه العهد الذي شهد ‘تصحيحا’ لتلك الأخطاء.

صحيح أنه يمكن نسبة كثير من الأحداث أو التغييرات التي يمكن تسميتها أخطاء لصفات شخصية ترتبط بشخص الحاكم نفسه، خاصة في أنظمة فردية، لكن معظم ‘الأخطاء’ التي وقعت في عهد عبد الناصر كانت نتيجة لطبيعة وبنية نظامه نفسه، الذي يعتبر نظام السادات استمرارا له بشكل من الأشكال رغم التناقض الهائل بين سياسات الرجلين، مبارك أيضا يمكن اعتباره مرحلة جديدة في تطور نفس النظام ليس إلا. هذه النقطة هامة جدا لفهم التاريخ السياسي لمصر وللكثير من البلدان العربية التي حكمتها أنظمة متشابهة في نصف القرن الماضي ولفهم الواقع السياسي الحالي فيها أيضا.

من الشائع جدا أن نشهد صراعات وتناقضات داخل الطبقة الحاكمة أو داخل الفئة أو المجموعة الحاكمة، كما فعل السادات عندما أدخل تغييرات عميقة جدا على سياسات ونظام عبد الناصر، أو في الصراع الذي شاهدناه بين أجنحة البعث السوري بعد وصوله إلى السلطة في آذار مارس 1963 أو البعث العراقي، وحتى في انتقاد خروتشوف مثلا لعبادة الفرد الستالينية بعد موت الزعيم، لكن الواقع أن الطبقة الحاكمة بقيت نفسها في الحالتين، كان السادات ابن الطبقة أو المجموعة التي حكمت منذ 23 تموز يوليو، تماما كما كان الأسد وجديد وأمين الحافظ جميعهم ينتمون لنفس الطبقة أو المجموعة الحاكمة. صحيح أن بعضهم قد أدخلوا تغييرات كبيرة أو هائلة أحيانا في سياسات أسلافهم، سواء الداخلية أو الخارجية، لكنها كانت مجرد وجهات نظر مختلفة لكيفية تقوية حكم نفس الطبقة أو المجموعة، وإن كان هذا يترافق عموما بانتقال مركز الثقل داخل تلك الطبقة أو الفئة الحاكمة إلى المجموعة التي تحيط بالزعيم الجديد حاشيته.

الحقيقة هي أننا أمام حكم البيروقراطية العسكرية الدولتية (نسبة للدولة) التي تولت الحكم نتيجة أزمات الأنظمة السابقة التي كانت تخدمها، هذا هو حقيقة حكم عبد الناصر والسادات ومبارك، وحقيقة حكم صلاح جديد والأسد الأب والابن أيضا، وحقيقة النظام السوفييتي (حكم بيروقراطية الحزب والدولة والأجهزة الأمنية والجيش) سواء تحت ظل ستالين أو خروتشوف أو بريجنيف وحتى غورباتشوف.

إن أخطاء نظام عبد الناصر ليست شخصية، بهذا المعنى، ولا ‘تغييرات’ السادات شخصية، لقد كانت الطريقة التي رأى ‘الزعيمان’ أنه بتطبيقها يحققان بشكل أفضل مصالح طبقتهم أو فئتهم الحاكمة، خاصة كيف يمكنها أن تحتفظ بالسلطة لنفسها وكيف تخضع الجماهير لسلطتها بأكثر الطرق استقرارا وأقلها كلفة. صحيح أن مجموعة اجتماعية جديدة نمت واكتسبت قوة كبيرة وأضيفت إلى التحالف الحاكم في عصر السادات أعني ظهور القطط السمان نتيجة سياسات الانفتاح، لكن السلطة بقيت فعليا بيد البيروقراطية العسكرية الدولتية، كما أن ظاهرة القطط السمان وانتشار الفساد داخل البيروقراطية الحاكمة لم تبدأ في عهد السادات، إنها في الواقع تعود إلى العهد الناصري الأول نفسه. بل يمكن الزعم أن صعود السادات نفسه هو تعبير عن هذا التطور المهم في البنية الطبقية للفئة الحاكمة في نظام عبد الناصر.

لقد قامت هذه الأنظمة (عبد الناصر، البعث السوري والعراقي) بمعظم، إن لم يكن بكل، خطواتها التي تسمى تقدمية أي التي قامت بها لصالح الجماهير كالإصلاح الزراعي وغيره في السنوات الأولى من حكمها، عندما لم تكن قد انفصلت بشكل حقيقي وكامل عن جذورها الطبقية الفلاحية أو البرجوازية الوسطى المدينية، وعندما لم تكن بعد قد فرضت سلطتها المطلقة، ليس فقط بالقضاء على خصومها أو تدجينهم، بل أساسا ببقرطة المجتمع نفسه والقضاء على قدراته على التنظيم والفعل المستقل عنها. في اليوم الذي ترسخ فيه حكم هذه الطبقة وأصبح مطلقا وأصبحت تتحكم عمليا عن طريق آليات الفساد بالدخل القومي وتتقاسمه بينها، كانت هذه الطبقة البيروقراطية الحاكمة قد أصبحت ذات طابع طفيلي تماما، معادي للجماهير بعمق، وأصبحت تحكم فقط بواسطة أجهزة القمع والأمن المدعومة بتشكيلات على شاكلة العصابات الإجرامية: البلطجية أو الشبيحة. إن التغيير الجدي المنـــــتظر اليوم لــــــيس إعــــادة إنتاج حكم نفس الطبقة أو الفئة الحاكمة، كما في محاولات ترشيح قيادات من نظام مبارك لرئاسة مصر أو بانتخاب مجالس برلمانية تضم القطاعات التي كانت مهمشة سابقا من البرجوازية المتحالفة مع القوى الإسلامية والمدعومة بالبترودولار الخليجي، التغيير الحقيقي هو في انتقال السلطة من طبقة، مجموعة، فئة محدودة تسخرها لمصالحها إلى فئات اجتماعية أوسع وأعرض تلك التي همشها وقمعها واستغلها النظام السابق. طبيب وكاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية