السياسات الأمنية في الضفة الغربية والضغوط الإسرائيلية على السلطة ومحاولة فهم الأسباب والمآلات

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

المواجهة الأخيرة في مخيم جنين، وبغض النظر عن عدد الشهداء الذين سقطوا برصاص الاحتلال، تقول إن ما يجري في الضفة وما يترتب عليه هو عكس ما يريده الاحتلال وينشده.

رام الله ـ «القدس العربي»:  في اللحظة التي أرادت قوات الاحتلال الاستمرار في «جز عشب» المقاومة الفلسطينية، وهو الترجمة غير الحرفية لتجليات عملية «كاسر الأمواج» التي بدأت قبل نحو خمسة أشهر في محاولة «إعادة الهدوء» و«السيطرة الأمنية» و«القضاء على الإرهاب» تشهد الضفة الغربية تنامي ما يحاول الاحتلال القضاء عليه.

المواجهة الأخيرة الأربعاء الماضي في مخيم جنين، وبغض النظر عن عدد الشهداء الذين سقطوا برصاص الاحتلال، فإن المعطيات على الأرض تقول إن ما يجري في الضفة وما يترتب عليه هو عكس ما يريده الاحتلال وينشده.
فمعطيات المواجهة المسلحة تشير إلى تنامي الحالة النضالية وتزايد حدة المواجهة رغم كل المحاولات التي يقوم بها الاحتلال، ويمكن لشهادة أحد الضباط الإسرائيليين الذين شاركوا في العملية العسكرية على مخيم جنين أن تشي بالكثير من المؤشرات والدلائل.

الضابط «د»

يقول قائد وحدة المستعربين التي اقتحمت المخيم لصحيفة «يدعوت أحرنوت» التي منحته اسم حرف «د» إن حجم وشكل المقاومة التي لاقتها القوة المقتحمة لم تتعرض لها من قبل، وتحديدا موضوع زرع وتفجير أربع عبوات ناسفة على بعد أمتار من القوة الإسرائيلية المقتحمة.
يشير الضابط «د» أن كثافة إطلاق النار جعلتهم يحتاجون ثلاث ساعات للانسحاب من المخيم بعد تنفيذ عملية اغتيال المقاومين في ربع ساعة، وهو مؤشر على تعاظم قوة المقاومة في النواحي المادية والفنية من ناحية تصنيع وزراعة وتفجير العبوات الناسفة.
وحسب المحلل السياسي محمد علان دراغمة فإن ذلك مؤشر على فشل عملياتي واستخباري إسرائيلي بأن تتمكن المقاومة من تسليح نفسها وبناء قوتها في ظل سيطرة الاحتلال على المعابر وعلى كامل الضفة الغربية فعلياً.
ويضيف دراغمة أن التحليلات الإسرائيلية والتصريحات من جهات عسكرية إسرائيلية أجمعت على أن ما كان من مقاومة في مخيم جنين صباح الأربعاء غير مسبوق، وهو الأمر الذي أقلق الإدارة الأمريكية والإسرائيليين، وأشعلت الضوء الأحمر أمام المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
يفسر المحلل والمختص في الشأن الإسرائيلي دراغمة مسألة مصادقة رئيس أركان الاحتلال غوخافي على تنفيذ عمليات اغتيال من الجو في الضفة الغربية محاولة إسرائيلية لاستعادة ما يسمونه نظرية الردع الإسرائيلية في ظل تزايد عمليات إطلاق النار، وارتفاع عدد التحذيرات من عمليات جديدة حسب ادعاء جهاز الشاباك.
ويضيف: «المستويات السياسية والعسكرية في دولة الاحتلال الإسرائيلي تدفع الأمور في الضفة الغربية باتجاه الهاوية عبر الاقتحامات وعمليات الاعتقال والقتل في المدن والمخيمات في الضفة الغربية».
ويرى دراغمة أن الممارسات الاحتلالية تقابلها محاولات التنصل من مسؤوليتها عن التصعيد والتوتر من خلال محاولة اتهام الفصائل الفلسطينية بالسعي للتصعيد بناءً على تعليمات من غزة وإيران، واتهام السلطة الفلسطينية أحياناً بالتحريض، وأحياناً بالضعف وفقدان السيطرة خاصة في جنين ونابلس.
وكان الصحافي الإسرائيلي المختص بالشأن الفلسطيني آفي يسخاروف، قد كتب واصفا العمليات الإسرائيلية بإنها «مصيدة للمنظومة الأمنية: محاربة الإرهاب قد تؤدي لتوسعته لدائرة أخرى».
ويضيف يسخاروف: «أن العمليات كتلك التي كانت في مخيم جنين هي حيوية لأمن إسرائيل» حسب تعبير الصحافي الإسرائيلي، «لكنهم في المنظومة الأمنية مدركون للمشكلة التي يخلقونها، مع تزايد عدد القتلى بين الفلسطينيين تزداد الدافعية لدى الشبان، حتى بين الذين لا يتبعون للتنظيمات التقليدية المعروفة، سينضمون لدائرة المقاومة ضد إسرائيل».
أما المحلل السياسي عصمت منصور فيرى أن المعادلة الجديدة التي تريد إسرائيل فرضها على السلطة تقوم على قاعدة: «اقتلوا واعتقلوا أو نفعل نحن، أو نحن هنا وأنتم هناك».
ويرى منصور أن هذه المعادلة ليست ساذجة أو خيالية، وهي أقرب إلى الابتزاز والضغط منه إلى تقاسم الأدوار، وذلك لتحويل السلطة إلى وكيل أمني للاحتلال بشكل رسمي ولا عودة عنه، وقطع صلتها مع شعبها وسياقه النضالي.
ويشدد على أن الذين يتمردون على هذه المعادلة من أبناء السلطة وأجهزتها ويخوضون المواجهة مع المحتل أولى أن يستثمر بهم، وان تحتمي السلطة خلفهم وبهم بدل أن توضع في زاوية الابتزاز التي يريدها الاحتلال.

صورة المتعاون القاصر

يقرأ الباحث عبد الجواد عمر ما تعيشه الضفة اليوم في علاقتها مع الاحتلال من مدخل أن إسرائيل تواجه أزمة دائمة، ويرى أن الهوس بالمخاطر ومكامن الضعف تعتبر نظرة أيديولوجية دائمًا ما ترى الخطر حتى مع من يتعاون معها، فحتى المتعاون هو «عدو مُتخفٍ بثوب صديق». لا توجد صداقة في المعجم الصهيوني، خاصة مع المحيط العربي، فقط يوجد عداء.
ويرى الباحث عمر في مقال حمل عنوان «إسرائيل والأزمة الدائمة» الخطابات الإسرائيلية المتزايدة حول خطر التخبطات السياسية الداخلية يترافق مع خطاب متزايد حول قصور السلطة الفلسطينية عن القيام بدور الجيش المتعاون.
ويضيف: «فكرة «نبذ» أداء السلطة بين قادة العدو وفي الإعلام الصهيوني، وإظهار عدم قدرة الأخيرة على مواجهة ظواهر المقاومة الناشئة في شمال الضفة الغربية، يعمل على إعداد المجتمع الصهيوني لفكرة مفادها أن الجيش الإسرائيلي واستخبارته فقط يمكنهم تحييد هذا الخطر المتعاظم في شمال الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه تغذية نظرة «استحقار» للسلطة كمتعاون قاصر، وفاسد، يمثل أسوأ نزعات الفلسطيني والعربي في المخيال الصهيوني.
ومع ذلك يرى أن موجة الانتقادات للسلطة والضغوطات عليها للعب دور أكثر حيوية في محاربة بؤر المقاومة المتشكلة شمال الضفة الغربية، في ظل تخوف من توسع دائرة الاشتباك في الضفة بحيث تخرج الأمور عن السيطرة، يسعى لإحالة هذه الظاهرة المقاومة لقصور فلسطيني فقط، وليس لقصور السياسات الأمنية-العسكرية التي أنتجها الاحتلال.
ويرى أن الأرقام تشير إلى ان ما حصل بعد العمليات العسكرية كان معاكسًا تمامًا لتوقعات الاحتلال الأولية. «لقد بدأت المقاومة بالتوسع الدائري، وبدا وكأن كل عملية اغتيال تؤدي إلى توسع شبكات المقاومة، ومعها إرادة المقاومة في مناطق أوسع من شمال الضفة الغربية».
وحسب عمر فإن الاحتلال بدأ بتصدير هذا «الفشل النسبي» بإلقائه على كاهل المتعاون القاصر.
ويشدد: «تريد إسرائيل تدخل السلطة، بل تسعى لذلك، لأن مواجهة داخلية مباشرة كهذه سترهق المجتمع الفلسطيني، وتحميها من نيران المقاومة وإمكانياتها المتعاظمة. بل بدأت بعض أوراق مراكز الأبحاث الصهيونية تتحدث عن تسليم شمال الضفة الغربية بالكامل للسلطة الفلسطينية، أي توقف عمليات الجيش الإسرائيلي في تلك المناطق، مقابل استلام السلطة؛ أي تصدير الأزمة كحل للأزمة، بحيث تتحول إلى أزمة داخلية فلسطينية».
ويختم قائلا: «قبل ست سنوات، حاول البعض من داخل الأجهزة الأمنية الاسرائيلية الحديث عن اقتلاع جذور المقاومة في الضفة الغربية والقدس، بينما نجدها اليوم تكافح من أجل تكسير أمواج المقاومة. وبدلًا من ذلك، يبدو أن تلك الأمواج تكبر وتتعاظم فاتحةً على العدو خيارات صعبة، وواضعةً إياه في موقع يحتاج فيه إلى لوم الآخرين على فشله النسبي، واستحضار آليات جديدة في معركته التي يخوضها في الضفة الغربية».

مزيد من التهديد والضغط

وبعد أحداث الأربعاء الماضي في جنين كشف التلفزيون الإسرائيلي الرسمي «قناة كان» أن جيش الاحتلال أبلغ الأجهزة الأمنية الفلسطينيّة بضرورة العمل في مدينة نابلس لتفكيك أي تهديدات، بما يسهم في «تفادي عملية عسكرية واسعة النطاق».
وحسب التلفزيون فإن جيش الاحتلال أبلغ السلطة الفلسطينية أنه في حال رغبت بعدم تكرار ما جرى في مخيم جنين، فإن عليها العمل ضدّ المسلحين، واعتقالهم.
ما يعزز المزيد من الضغط على السلطة هو إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تخشى من أن يؤدي تنفيذ اجتياح واسع لشمال الضفة الغربية إلى توسع دائرة التصعيد والمواجهة ودخول مناطق أخرى إليها.
وحسب الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عاموس يدلين، أنه في حال لم تبدأ السلطة الفلسطينية إجراءاتها لتحسين الوضع الأمني في الضفة، فإنه من الممكن أن يكون هناك حاجةٌ لشن اجتياح واسع لشمال الضفة، من أجل منع إنشاء بنية تحتية مسلحة في المنطقة.
لكن هذا الخيار الاحتلالي لا يعتبر مجانيا، حيث يبين يدلين أن المؤسسة الأمنية تخشى من أن يؤدي مثل هذا الاجتياح لارتقاء عدد كبير من الشهداء، وأن يتبع ذلك دخول مناطق أخرى إلى دائرة التصعيد والمواجهة، لتصبح متشابكة عسكريًا وسياسيًا.
في هذا السياق وحسب ما كشفته صحيفة «هآرتس» فإن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ سيًغادر يوم السبت إلى الولايات المتحدة، لإجراء اجتماعات مع كبار المسؤولين الأمريكيين.
وأوضحت الصحيفة أن حسين الشيخ سيلتقي وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، في زيارة مرتبطة بشكل مباشر بالتصعيد الأمني في الضفة الغربية، وللتباحث حول منع هذا التصعيد، كما سيحاول الشيخ دفع التحركات الهادفة لتقوية السلطة الفلسطينية قدمًا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية