القلم في الفم

وجوهنا تقول عواطفنا، هذا أمر معروف؛ لكنّ الجديد هو أنّ وجوهنا يمكن أن تملي على عواطفنا ما تريد.. المسألة معقّدة لكنّنا سنفصّل الخوض فيها. الأفكار التي سنعرضها لاحقا تنتمي إلى ما يعرف بالجسدنة: أن الجسد ليس متأثرا بالذهن بل مؤثر فيه أيضا.
أوّل ما يلقاك من شخص هو وجهه، أنت تراه وتحمل في نفسك انطباعا عنه. تظل بعض الوجوه عالقة في ذاكرتك، وتنسى أخرى كأنّها لم تكن. تنعكس السعادة على بعض الوجوه، ويرسل الحزن إلى أخرى ولا تكذب الوجوه في هذا مثلما تكذب الألسن. صفحة الوجه عبارة قديمة راجت واستقرّت لأنّها تلخص ما نحن فيه من أنّ الوجه صفحة مفتوحة، يمكن أن تقرأ فيها انعكاسات بواطن أصحابها. هي عبارة فيها ثقة في لغة الجسد. نحن نتعلم لغة الوجه مع تعلمنا لغة الكلام، ونستعمل الوجه والكلام واليد وكلّ شيء عندما نتحدث في ما بيننا يوميا. كثير من العلماء استثمروا في الوجوه التي دون مساحيق، واستنبطوا أفكارا مهمة. حين ذكر عالم التاريخ الطبيعي البريطاني شارلز داروين Charles t Darwin أنّ الوجه لا ينقل العواطف للناس، بل هو يلعب دورا في التجربة العاطفية، كان يؤسّس لفرضية تغذية الوجه الراجعة التي مفادها، أنّنا نستطيع أن نبين عن عاطفتنا بأشكال مختلفة، غير أنّ أسرعها هو ما يعلق على وجوهنا، لكنّ وجوهنا لا تبين فقط، بل يمكن لها أن تؤثّر في عواطفنا، وذلك بأن نغيّر علاماتها؛ بعبارة أخرى تعابير وجهنا تؤثّر في عواطفنا. نحن لا نبتسم حين نكون فرحين، بل من الممكن أن يجعلنا الابتسام فرحين، حتى إن كنّا حزانى.
الحقيقة أنّ الفكرة تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر مع وليم جيمس William James حين بيّن أنّ الوعي بتجاربنا الجسدية هو أساس العاطفة وحين تعرف وأنت ترى وجهك في المرآة أنّ في وجهك عبوسا، وأنّ العبوس علامة من علامات الحزن، فإنك ستحزن. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر وبالاعتماد على توظيف الحيوانات لتجارب الوجه، اقترح دارون فكرة التغذية الراجعة للوجه.
ترتبط الابتسامة بالسعادة، والتجهم بالحزن، غير أنّ هاتين العاطفتين ليستا إلاّ نوعين من العواطف الأساسيّة كالاشمئزاز والغضب والخوف، وينبغي أن تربط كلّ عاطفة من هذه العواطف الأساسية بعلامة الوجه التي تولّدها. الوجه الأصفر والمأخوذ هو علامة على الخوف هذا صحيح لكنّ جعل الوجه أصفر ومأخوذا أن يقود بدوره إلى الخوف. ليس الوجه حمّال علامات، هو أيضا مولّد كبير للمشاعر.
وإذا كان لكل عاطفة درجات فإنّ التغذية الراجعة للوجه ينبغي أن تربط في السعادة مثلا بين درجات من الابتسامة، تقود إلى تقوية أو تضعيف نسق السعادة وكذلك الشأن في الغضب. فعلى سبيل المثال، إن أردت أن تغضب قليلاً فيمكنك التعبير عن هذه المشاعر بحاجبين مجعدين، ومسحة خفيفة من العبوس. لكنّ العواطف معقّدة تعقيدا كبيرا، فمن الممكن أن نغضب لأنّ أحدهم خذلنا، أو رمانا بما ليس فينا، كلّ تعبيرة وجه عن حالة من حالتي الغضب، ينبغي أن تحمل مسحات مختلفة.
لو ترجمنا أثر الوجه في العاطفة فسيولوجيا لربطناه مثلا بعضلات الوجه وتأثيرها في معالجتنا لعواطفنا. استخدم الباحثون ما يسمّى «القلم في الفم» Pen-in -mouth وتتمثل في أن يسمك المرء بفمه قلما يؤدي إلى أن تكون عضلات الوجه على هيئة تشبه ضحك المرء أو تشبه عبوسه. وينظر في تأثير هذه العملية على من يضعون الأقلام في أفواههم، إن كان يقودهم ذلك إلى تغيير عواطفهم. كان الهدف من هذا ربط التأثير العاطفي بالهيئة الجسدية والتثبت من جوهر فكرة الجسدنة، وهو أنّ للجسد بتفاصيله (منها الوجه) دورا في العمليات العاطفية والعرفانية عموما.

أسير في الشارع فلا أرى أثرا لهذه الوجوه. أغلب الوجوه التي أراها هذه الأيام باهتة باردة لا عاطفة تعكسها. هل يعقل أن تكون الوجوه خرساء صمّاء لا تقول ولا تسمع؟ ما الذي جعل هذه الوجوه بلا أثر بلا صوت بلا تأثير؟ لا شكّ في أنّ فاجعة سابقة نزلت على العقول وسلبتها قدرة التأثير أو التأثير الراجع. لن يكون للقلم في الفم من قيمة.

اخترع Strack وMartin وStepper في أواخر ثمانينيات القرن الماضي نموذج القلم في الفم، للتغلب على قيود الدراسات السابقة. في هذا النموذج، يُطلب من المشاركين حمل قلم في أفواههم، إما بشفاههم أو بأسنانهم. من المفترض أن يؤدي إمساك القلم بالأسنان إلى تنشيط العضلات المشاركة في الابتسام. هل إن وضعنا قلما في فمنا يمكن أن يشعرنا بالسعادة، لأنّنا ونحن نضع القلم في الفم نساعد الوجه على أن يرسم التعبيرة نفسها التي نرسمها ونحن نبتسم. بقطع النظر عن النتائج الدقيقة وعن نجاح التجربة عند أناس وعدم نجاحها عند غيرهم، فإنّ مثل هذه الدراسات التجريبية تريد لو تقدم نتيجتين مختلفتين لهما ثنايا مختلفة. النتيجة الأولى تتمثل في التحقق من آلانيّة ردود الفعل وأنّ علامة الوجه وراءها محركات فسيولوجية هل يكفي أن نحرك تحريكا آليا بعض عضلات الوجه حتى نولّد في أنفسنا عاطفة ما؟ هل وجوهنا التي تسعدنا أو تحزننا تشبه الدمى المتحرّكة في آلانيّة حركاتها؟ النتيجة الثانية تتمثل في تعميق وعينا بأجسادنا، وأنّها ليست علامات عاكسة، بل هي أمواج يمكن أن تولّد كهرباء عاطفية تعالج ذهنيّا بأشكال معقّدة. الثنايا المختلفة تتمثل في أنّ آلانية الجسدنة، وهي فرضيّة مرفوضة، لا يمكن أن تقود إلى حوسبة ميكانيكية لعواطفنا، وتتمثل في أنّ العاطفة التي كانت كشيء ماورائي معقّد، يمكن أن تبسّط بأشكال تجريبية بسيطة حتى تتيح للإنسان أن يرى جسده دافعا روحه مثلما كان يرى روحه منعكسة على صفحة جسده.
لا شكّ في أنّ الذين استعملوا تعبير الوجه في توليد العواطف، استعملوه لا في توليدها عندهم، بل في توليدها عند الآخرين ونعني في هذا السياق المخصوص الممثلين المسرحيّين. وكان شكسبير بارعا في استعمال تقنية الوجه في التعبير عن المشاعر العاطفية المركبة والمعقّدة. ولقد صدر كتاب بالإنكليزية فيه مجموعة من الدراسات عنوانه «شكسبير وقوة الوجه» Shakespeare and the power of the face يفرع المسألة ويدققها أكثر. كم لعبنا ونحن صغار ونحن كبار بالقلم في الفم دون أن نقصد إلى أن نشعر بالسعادة أو بالشقاء. كان وضعنا القلم في الفم يسعدنا لأنّا كنّا نمارسه عملا لا واعيا، نأكل فيه القلم مثلما يأكل ذهننا الأفكار أو يصارعها ليأكل قلبها. كنّا نأكل القلم ونحن نفكّر في شيء يكتبه القلم بعد ذلك، سواء أكان حلا للغز رياضيّ، أم كتابة فيها توشيح من الروح. القلم في الفم لا يمكن أن يكون تجربة بعيدة عن كوننا العاطفي، ولا عن أنّ جسدنا يمكن أن يلهو بالأشياء وهو يعالج أشياء أخرى بعيدة عن نطاق ترسيمة عضلات تكون على هيئة ما هي أقرب إلى الضحك المسعد أو التقطيب المحزن.
أسير في الشارع فلا أرى أثرا لهذه الوجوه. أغلب الوجوه التي أراها هذه الأيام باهتة باردة لا عاطفة تعكسها. هل يعقل أن تكون الوجوه خرساء صمّاء لا تقول ولا تسمع؟ ما الذي جعل هذه الوجوه بلا أثر بلا صوت بلا تأثير؟ لا شكّ في أنّ فاجعة سابقة نزلت على العقول وسلبتها قدرة التأثير أو التأثير الراجع. لن يكون للقلم في الفم من قيمة. لن يضحك القلم ولن يبكي لأنّه فقد من زمان بما هو علامة عن وجه يضحك فيسعد دوره حين أضاعت الوجوه بسمتها. أركب القطار وأمامي تجلس شابة غلبها شعرها فتضع فيه القلم تشدّه كي لا يفرّ من قيده. القلم في الشعر فكرة أخرى قد يحدّثكم عنها شاعر، أمّا أنا فأكتفي بالقلم في الفم.

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية