الوصاية الأخلاقية… ذريعة المهرجان الكاثوليكي للسينما لتوفير الجوائز

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: ربما كانت هناك ضرورة لتسليط الضوء على فعالياته في دورته الثالثة والستين، أكثر من السنوات الماضية، لعدة أسباب أهمها أنه المهرجان السينمائي الأقدم على الإطلاق، والأقل حظا من الناحية الإعلامية والدعائية، فضلا عن أن موجات التوتر والقلق ومحاولات الوقيعة والفتنة تحتم أن يكون الاحتفال به مناسبة فنية ثقافية مهمة تثبت عكس الادعاءات وتوئد الفتنة في مهدها.
المهرجان الكاثوليكي للسينما لم يكن طوال سنواته ودوراته الماضية حدثا طائفيا يختص بشريحته دون الأخرى أو ترجمة التميز من أي نوع، ولكنه يأتي دائما في إطار الاحتفاء بالسينما المصرية ونجومها كقيمة كبرى لها صلة وثيقة بالتثقيف ودعم الصناعة السينمائية والتقاء التيارات الإبداعية المختلفة، وحسبما تقتضي التقاليد المعتادة للمهرجان الأعرق تم اختيار بعض الشخصيات لتكريمها لتكون عنوانا لنشاط بارز يتكرر مرة كل عام، وفي السياق ذاته تعرض الأفلام المتميزة التي يتم الاستقرار عليها من لجنة المشاهدة ويراعي فيها الجودة الفنية وارتفاع مستوى اللغة والتناول.
شيء واحد اختلف هذا العام هو الشعار المرفوع في الدورة 63 ويتضمن تشجيع السينما الأخلاقية طبقا لتوصيف وتصنيف إدارة المهرجان، وبالطبع يقودنا ذلك إلى قراءة الأفلام قراءة خاصة، قد لا تكون لها علاقة بالمعايير الإبداعية، لاسيما أن اقتران الإبداع بالمقاييس الأخلاقية يضع السينما في حرج لأن هذا الحكم نسبي بالضرورة، فما أراه أنا مطابقا للمواصفات والمعايير الأخلاقية، ربما يختلف عليه البعض ولا يراه كذلك، وبالتالي نكون قد فتحنا أبواب الاختلاف والجدل على مصاريعها، من دون جدوى، اللهم غير إفناء الوقت في مناقشة أبجديات وبديهيات من المفترض أن السينما تجاوزتها بمراحل، ولو أننا فعلنا هذا المبدأ حسب الرؤية الجديدة سنكون قد حكمنا بالفساد على نصف تراث السينما المصرية على الأقل، وإذا طبقنا القاعدة على أفلام المهرجانات فقط فسوف يستلزم ذلك إعادة النظر في معظم الجوائز والمطالبة بسحبها من أصحابها، لأنهم حصلوا عليها من دون استحقاق، حيث لم يطبق عليها المعيار الأخلاقي.
الغريب أن يرفع الشعار في الوقت نفسه الذي يتم فيه تعديل قانون الرقابة على المصنفات الفنية بإلغاء النص الخاص بحذف المشاهد محل الخلاف، وعرض الفيلم كاملا للكبار فقط، إذا كان غير ملائم لمن هم دون الثامنة عشر عاما من الجمهور. هذا التناقض بين محاولات اكتساب مساحة إضافية من حرية التعبير وفرض سياج مقيد لهذه الحرية، يعد الازدواج نفسه، ولا أعتقد أن ذلك في صالح السينما أو المجتمع، ليس دفاعا عن الإباحية وترك الحبل على الغارب، ولكن حفاظا على طبيعة المهرجانات وحريتها في اختيار الأفلام الأهم بغض انظر عن كونها مطابقة للمواصفات الأخلاقية من عدمه.
بعيدا عن هذا الشق يبقى المهرجان الكاثوليكي المصري في حضوره وقوته كمهرجان رائد يضارع في تاريخه وعمره الزمني مهرجان «كان»، ولا شك أن لتكريمه وقعا إيجابيا على النجوم المختارين لهذه الدورة، يحيى الفخراني ونبيلة عبيد وسعيد شيمي ومحمد وفيق وبقية الرموز الفنية المهمة، وإن كنا نأخذ عليه الخلط بين السينمائي والدرامي التلفزيوني وفقدانه لخصوصيته، لاسيما أن هناك مهرجانات ومناسبات لها الحق في تكريم نجوم التلفزيون ولكن لا بأس طالما اختلط الحابل بالنابل وانفتحت كل النوافذ على بعضها فكله عند المصريون فن.
الأجمل في تقديري أن الدورة تهدى إلى سيدة الشاشة فاتن حمامة وتحمل اسمها بوصفها صاحبة السبق في الحصول على جائزة من المهرجان المذكور في دوراته الأولى عن فيلمها «الأستاذة فاطمة» مطلع الخمسينيات، فضلا عن المبادرة الإنسانية المقدرة وهي تكريم أسماء النجوم الذين رحلوا خلال عام 2014 ومن بينهم معالي زايد وصباح ونادر جلال وخالد صالح وغيرهم.
نعود للأفلام المختارة للعرض والمنافسة على الجوائز وهي أربعة أفلام فقط توافرت فيها شروط التميز والقبول من وجهة نظر لجنة المشاهدة وهي، «الخروج للنهار» إخراج هالة لطفي، و»صنع في مصر» إخراج عمرو سلامة، و»لا مؤاخذة» للمخرج نفسه، و»ديكور» للمخرج أحمد عبد الله، و»فتاة المصنع» لمحمد خان، الذي يكرم أيضا كواحد من صناع السينما الكبار. وتمثل هذه الأفلام لا شك ذوقا متقدما لمن اختاروها فهي إبداع متقن وأوعية لأفكار متطورة تجدر بالفعل بأن تتصدر المشهد السينمائي في مهرجان مهم يرأسه الأب بطرس دانيال، ويترأس لجنة تحكيمه المخرج عمر عبد العزيز، وعضوية شيرين ورانيا فريد شوقي وباسم سمرة وبشير الديك وطارق التلمساني وطارق الشناوي وآمال عثمان. إنه تشكيل متناغم بين النقد والإخراج والتصوير والتمثيل والكتابة الصحافية. إنه الهارموني الذي نتمنى أن يعزف ما يليق بالحدث ويعبر عنه.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية