بيروت ـ «القدس العربي»: في سياقه التجريبي، البحثي القائم على أنّ العود ليس مُجرّد آلة موسيقية، بل هو اقتراحٌ معرفي، يمكن قراءة الحفل الذي احتضنه «مسرح المدينة» بعنوان «طرب سفر» لعازف العود اللُبناني «شربل روحانا- 1965» يومي 27-28 شباط/ فبراير، إذ بدا وكأننا أمام تمرين عال المستوى لمُحترفين حقيقيين، يسعون عبر العزف واللعب في مدى الإمكانيات الواسعة التي تطلقها الآلات الوتريّة إلى تجاوز «حدود الصندوق» كما يُقال، إلى كسر التفكير ضمن الإطار والوصول إلى جديد، إلى القفز في المجهول وكشف الستار عن المُختبئ الذي ينتظر من يقدّمه.
فشربل روحانا، على الرغم من اكتسابه جمهوراً أوسع ومتعدّد الشرائح أكثر في أعمال تضمّنت الغناء إلى جانب العزف مثل «خطيرة- 2006»، و»تشويش 2014»، إلاّ أنّ الأستاذ في «معهد العلوم الموسيقيّة» في جامعة «الروح القدس» موسيقيّ قبل أيّ شيء آخر، وصاحب مشروع فني اشتغل عليه منذ بداياته، ولم يزل يعمل على تطويره عبر مختلف تجاربه كـ»ذكرى»، «سلامات»، «مزاج علني» و»دوزان»، حتى أنّ المنهج الخاص بآلة العود الذي كتبّه ويشتغل روحانا عليه، أصبح مُعتمداً للتدريس في لبنان.
في تقديمه للحفل قال «روحانا»: «لم نتحدّث كثيراً يوم البارحة، فضّلنا التركيز ووضع كامل جهدنا في هذا المشروع الدقيق». الدقة في حفل «طرب سفر» لا تتنافى والتجريب، بل تتكامل معه بحرفيّة تعكس كل خبرة روحانا الموسيقيّة، وتتجاوز بثقة مطب الفوضى الذي يقع فيه كثير من المجرّبين في حقل الموسيقى أو سواه. يبدأ الحفل مع عزف الإيراني آزاد ميرزابور مُنفرداً على آلة «التار» الغريبة قليلاً عن ثقافتنا الموسيقيّة الشرقية، ثمّ يدخل روحانا مع عازف «البُزق» إيلي خوري ويقدمان مقطوعتين، ثمّ يخرج روحانا ويدع خوري يُحلّق عالياً مع آلته بنشوة موسيقية حقيقة امتدت إلى جمهور الصالة.
من هنا تتأتى المغامرة لدى روحانا ربما، وصوابيتها في كونها تعتمد على قاعدة معرفيّة واسعة، حيث ينجح شربل روحانا في إعادة إحياء آلة «البُزق» في حفل «طرب سفر»، وكأنّه يمسح الغبار عن مصباح سحري، إذ من الصعب بمكان وصف البريق والتنوّع اللوني الذي انطلق من هذه الآلة، مُعيداً إلى ذاكرة السوريين بشكلٍ حزين صور «أمير البُزق» العازف السوري، ابن مدينة حمص، محمد عبد الكريم 1911-1989، الذي كرّمه في حياته ملوك دول آخرى وشيّع في جنازة متواضعة في بلده.
بعد التعريف النظّري- إن صح القول- عاد الثلاثي إلى الخشبة، وعزفوا مجموعة من المقطوعات، منها «بيت الدين» التي كتبها العازف الإيراني وأهداها إلى «روحانا»، ومنها «وعد» التي أهداها روحانا إلى ضيفه وتبقى هي الأبرز موسيقياً، ففي حين بدت «بيت الدين» وكأنّها موسيقى تحاول خلق ارتباط بهويّتها المكانيّة موسيقياً، فدخلت مقاطع شرقية مع روح غربية في بعض الأجزاء، بدت «وعد» وكأنّها تماسك ككيانٍ موسيقي، لا تردّد أمام الخيار الموسيقي، ثقة عالية تنعكس من بُنيّة المعزوفة، التي تخلق موتيفاً دقيقاً، حساساً بين الآلات الوتريّة الثلاث. بدت «وعد» وكأنها المرحلة الأكثر نضجاً، خاصة في تجاورها مع معزوفة «أيوا» التي أشار روحانا إلى أنّه كتبها في التسعينيات ووزّعها الثلاثي، وفيها الكثير من روح عمله الأكثر جماهيرية ربما «مزاج علني 2000».
في مقابل حرفيّة روحانا التقنيّة العالية، وأمام موسيقى آزادي، التي كانت تخاطب العالم، بدت موسيقى خوري أكثر أنانيّة- إن صحّ القول- أكثر مزاجيّة وشخصانية والتصاقاً به، لكنها- لمن يتقبل كينونتها هذه إن صحّت- استثنائية، يعوّض الشغف الكبير الذي يعزف به خوري مع آلته، خاصة في المقطوعة الأخيرة التي كتبها هو عن كل الحرفيّة التي يظهر ضعفه فيها في بعض اللحظات. فخوري يتوّحد مع آلته فيبدوان واحداً لا اثنين، ويبقى روحانا مراقباً حذراً لأدق حركة موسيقية وتشكيل، لا يسترخي روحانا كما يفعل ضيفه الإيراني، بل يرتكن إلى مهنيته العالية ويغرق في حرفيته، وحده آزادي بدا سعيداً بدون أيّ هموم موسيقية كبيرة تشغله.
نجح روحانا في اجتذاب الجمهور متنوّع الأعمار والجنسيّات إلى مقاعد صالة «مسرح المدينة» في بيروت لسماع الموسيقى وحدها، ونجح في كسر رتابة عناوين الأخبار، وأعاد دوزنة انقساماتها في تعاونه الفني هذا الذي يقول عنه: «التقيت عازف التار الإيراني آزاد ميرزابور قبل عامين، ضمن فعاليات «مهرجان بيت الدين»، وكانت رغبتنا مشتركة في عمل فني معاً. وقد تمّ ذلك بالفعل حيث قدّمنا معاً، مع عازف البزق والعود اللبناني إيلي خوري، حفلة موسيقية آلاتية على مسرح Les Abesses في باريس. ولاقت صدى طيباً، بامتزاج الموسيقى الفارسية بالعربية، واليوم نقدمه على المسرح العربي».
يارا بدر