“مأساة السيد سامي سعادة الشخصية”.. نكبة فلسطيني من حيفا بقلم مؤرخ إسرائيلي

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: أصدر المؤرخ الإسرائيلي والباحث في التاريخ السياسي والأيديولوجي للقرنين التاسع عشر والعشرين، آدم راز، مؤخراً، كتابه “مأساة السيد سامي سعادة الشخصية” (2022) عن دار النشر “كرمل”، ويحمل في طياته مأساة عائلة فلسطينية من حيفا والنكبة التي عايشتها، وعلى رأسها نكبة سامي سعادة، حيث يقوم الكاتب بالتعبير عن هذه المأساة عبر نص مسرحي وفصلين تاريخيين. ونشر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائييلة “مدار” مراجعة لهذا الكتاب العبري، وتتناول فيه المعتركات المسرحية مأساة الفلسطيني ابن حيفا سعادة المستقاة من الوثائق الأرشيفية.

جاء في مراجعة “مدار” أن راز يخط عبر كتابه مأساة السيد سامي سعادة، وهو من سكان حيفا، عمل في شركة النفط العراقية. بقي في المدينة بعد احتلال حيفا في نيسان 1948 وانتظر، عبثاً، عودة أفراد عائلته الذين سافروا إلى لبنان قبل احتلال المدينة. يشار إلى أنه من بين سكان حيفا الفلسطينيين، الذين فاق عددهم 70 ألف نسمة، بقي نحو 3 آلاف شخص بعد النكبة، وقد تم حصرهم في منطقة سكنية محددة (غيتو) وفقاً لتعليمات بن غوريون. تم نقل سامي سعادة من منزله إلى شقة في شارع عباس، الشارع الوحيد الذي يقع خارج الحي العربي (وادي النسناس ووادي الصليب)، الذي تم حصر سكان حيفا الفلسطينيين فيه. وبينما مرّت الشهور وهو ينتظر عودة أفراد عائلته، تزايدت أعمال النهب والسرقة في المدينة ضد الممتلكات التي خلفها سكان حيفا الفلسطينيون، وتم اقتحام شقة سعادة المكونة من أربع غرف من قبل الجنود اليهود وعائلاتهم، وأخيراً ألقوا به في الشارع حيث لا مسكن يؤويه.

يرى “مدار” أن أهمية هذا الكتاب العبري تنبع من أهمية الرسالة التي يحاول كاتبه إيصالها لجمهوره من الإسرائيليين اليهود. بطريقة غير اعتيادية اختار المؤرخ راز أن يعرض المأساة الشخصية لسامي سعادة عبر عرض مسرحي يستند فيه على الوثائق التي حصل عليها من أرشيفات مختلفة. يسعى راز من خلال هذا الكتاب إلى إثارة حفيظة الجمهور الإسرائيلي، ويدعوهم للنظر إلى معاناة الأفراد كأفراد لا كجماعة، حيث يسعى إلى هزّ “السكوت” الذي يعتري الأرشيفات الإسرائيلية حول مأساة الفلسطينيين كذوات سُلبت ونهبت. بالإضافة إلى ذلك، يدعو الكاتب جمهوره للمساءلة الأخلاقية للسلطات الحاكمة في إسرائيل، معتبراً أنّ ما حل في حيفا كان امتحاناً أخلاقياً لقيادات الدولة اليهودية الفتية، وكيفية تعاملها مع أهالي حيفا العرب. ويستذكر أنّ الكاتب يسلط الضوء على المواقف المتعددة في الحيز الإسرائيلي، ويُسمع الموقف المضاد للموقف المُنكر للنكبة، حيث الإنكار هو الموقف الرائج والمركزي في الحيز العام الإسرائيلي. ويبرز الموقف المضاد عبر صوتين، صوت “حاييم” وهو صديق سعادة، وصوت المسؤولين ذوي التوجهات اليسارية والصحف اليسارية، من أجل أن يبرز الخطاب الذي نادى باحترام حقوق الأقلية الباقية من الفلسطينيين في حيفا.

أهمية الكتاب

يتابع “مدار” في التوقف عند قيمة الكتاب الجديد: “تكمن أهمية الكتاب مرة أخرى في التقاطع المعرفي الذي يتبناه، بين ما هو شخصيّ، وما هو سياسيّ، أو ما هو سياقيّ بالأحرى، بل ربما قد تكون القصص الشخصية أكثر قدرة على استعراض المعاناة، كما يصفها الكاتب في المقدمة. ربما لأن تاريخاً كاملاً من الحقائق الصادمة لنكبة الفلسطينيين يطبع هذه الحقائق، بل ويجعلها عصية على التضامن، بالتحديد عندما تتحول إلى أرقامٍ ووثائق. إلا أنّ القصة الشخصية، خصوصاً لجمهور الكاتب المحدد، قد تكون أكثر قدرة وأجدى في عرض المأساة الفلسطينية، في أفضل مخابئها، أي في قصص الناس العادية، وفي قصص تهجيرهم”.

ويرى أن هذا العرض يأخذ متلقيه للمعاناة والمأساة التي واجهها سامي سعادة ليعرض لهم نكبته ونكبة عائلته الشخصية، ويبين لجمهور المتابعين محاولات سعادة الدؤوبة في التواصل مع السلطات الحاكمة الجديدة للبلاد، وخاصة محاولاته أنّ يشكو ما آلت إليه أموره من سوء لبن غوريون، وعلى الرغم من استمرار محاولاته لم يتلق أي رد في ما يخص شأنه، ولم يسعفه اسم عائلته الذي يناقض معنى المأساة في تجنبه للكارثة التي ستحصل. يذكر أنه في نهاية المطاف كان مصير سامي سعادة كمصير مئات الآلاف من شعبه، مغادرة مدينته التي نشأ فيها، حيفا، ورحل يبحث عن موطئ قدم في بلد لا يحكمه اليهود.

فصول النهب

يتكون الكتاب من مقدمة، توطئة وأربعة معتركات مسرحية تحوي في داخلها مشاهد مختلفة. بالإضافة إلى فصلين تاريخيين، الأول يسلط الضوء على النهب الذي ألمّ بالممتلكات التي خلّفها العرب في حيفا، والسياسات التي اتُّبعت من قِبل سلطات الدولة اليهودية في هذا الصدد. فيما يركز الثاني على محتوى الوثائق الأرشيفية لرسائل السيد سعادة. يبيّن الكاتب في المقدمة سبب اختياره أن يقدم ما حصل عليه من وثائق أرشيفية من خلال عرض مسرحي رغم كونه مؤرخاً، وعبّر عن صعوبة تتبع تفاصيل حياة سامي سعادة، خاصة أن الوثائق تعرض جانباً معيناً لا يمكن بواسطتها بناء الرواية التاريخية الكاملة أو البحث الكامل فيها. لكن لأهمية ما تقدمه الأرشيفات الموثقة عن المعاناة التي واجهها سعادة، ولما تثيره من أسئلة، قرر راز أنّ يتخذ من قبعتيْ المؤرخ والكاتب المسرحي منفذاً له من أجل أن يعرض هذه المأساة. ويرجح “مدار” أن هذا يرتبط في محاولة المؤرخ، أن يرفض النمط التقليدي الصارم من التأريخ، من خلال بث الحياة في تلك الوثائق.

وانطلقت توطئة الكتاب بمشهد مسرحي غير معلن للحضور، مشهد يهدف إلى تعزيز تقبل أفئدة الحضور لمأساة السيد سعادة الشخصية والاعتراف بها عبر تسليط الضوء على ثنائية المنهوب والناهب. يدور هذا المشهد بين حشود الجماهير المتدافعة للجلوس على كراسيهم التي قد قاموا بحجزها مسبقاً، الكرسي الذي هو ملكك بعد أنّ قمت بدفع تذكرة الدخول إلى المسرح. لكن، يبدو أن أحدا ما قد قام بنهب كرسيك، خاصتك، ولا يبارح مكانه ويرفض أن يتركه. يستعين المنهوب بالمنظمين من أجل مساعدته بأن يحل مشكلته مع السارق، مرة أخرى يتفاجأ مالك الكرسي بأن المنظمين لا يكترثون للتذكرة التي يحملها، بالتالي لا يهمهم إن حصل على ما هو ملكه أم لا. بل ويقومون بنقله إلى كرسي آخر، ولا يهم إن بقي مالك الكرسي مع رفقته (زوجته، أولاده أو غيرهم). هكذا يهيئ الكاتب مشاعر الغضب تجاه النهب عند الحضور، ويشعل أفئدتهم لما حل بمالك الكرسي من ظلم. ويتساءل “مدار”: لكن هل سيعترفون باشتعال أفئدة الفلسطينيين التي لا زالت ترافقهم منذ النكبة؟ هل سيعترفون بالنكبة الشخصية للسيد سعادة بعد مشاهدتهم لمعتركات المسرحية؟

حوارات

يدأب راز، في كتابته لمعتركاته المسرحية، أن يظهر العديد من الحوارات التي تجري بين السيد سعادة والشخصيات الأخرى التي تمثل آراء الدولة اليهودية حول نكبة الفلسطينيين عامة ونكبة السيد سعادة خاصة في حيفا. ويضيف: “حوارات مختلقة من مخيلة الكاتب، والتي يهدف بها إلى تسليط الضوء على الآراء المختلفة في الحيز الإسرائيلي تجاه ممارسات الدولة اليهودية للسيد سعادة. بداية من حوارات السيد سعادة مع صديقه حاييم، من سكان حيفا اليهود، شخصيته تمثل صوت اليهودي الذي عايش الفلسطيني في حيفا واعتبره جاراً وصديقاً”.

يبيّن الكاتب توجهات حاييم السياسية، فنرى حاييم منتمياً لليسار الصهيوني الذي لا يكلُّ من إطلاق الوعود للفلسطينيين بعدم المساس بهم أو بممتلكاتهم. بل وبمطالبتهم بالبقاء في حيفا وعدم مغادرتها. في المقابل، الادعاء بأن سلطات الانتداب البريطاني واللجنة العربية هي التي طالبت أهالي المدن بمغادرة مدنهم حيث يقول حاييم: “أنت تعلم أن اللجنة العربية أمرت العرب بمغادرة المدن، حتى في “أوكونوميست” كتبوا عنها. لا يوجد يهودي لم يقشعر بدنه من القوافل العربية التي تغادر المدينة”.

 ثم يذهب بنا الكاتب إلى رؤية الدولة عبر الحوار الذي يجري بين الوصي والسيد سعادة، فالوصي، والذي يتجنب أي محادثة خارجية عن سياق أوامر الدولة، لا يرى بالسيد سعادة غير أنه مجرد رقم، حيث يخاطب السيد سعادة قائلاً له: “اسمك لا يهمني، فقط رقمك كذلك”. هنا يمثل المشهد وصفاً عالي الدقة لما رفضه الكاتب، ولما حاول أن يظهره، الأرقام والوثائق الصارمة والميتة، في مقابل القصص الشخصية، التي تجعل الوثائق حية وربما فاعلة.

القتل بدعوى الدفاع عن النفس

 لاحقا، ينتقل الكاتب في مسرحيته إلى الحوارات التي جمعت الجنود الملطخة أيديهم بالدماء: “قاتلنا وسفكنا الدماء، لقد قمنا بحماية البلاد، ولدينا أحقية أخلاقية لامتلاك الشقة”، مع السيد سعادة الذي يرى نفسه أنه لم يكن طرفاً في ما يحصل: “وأعلنتم بأعلى صوتكم أنكم انتصرتم، لكني لست عدوكم”. لا يكتفي الكاتب بهذه الحوارات بل نراه يتوجه للجمهور بصوت السيد سعادة في العديد من المرات. يخاطبهم ويسائلهم، هل ما زالوا لا يعترفون بنكبته وبالظلم الذي وقع فيه، رغم إحاطتهم بما يمر من معاناة؟ وأخيراً، الحوار الجدير بالذكر والذي لم يحصل هو حواره مع بن غوريون، لم ينفك السيد سعادة عن مراسلة بن غوريون، لكنه لم يجد رداً، قائد دولة اليهود لا يوجد لديه وقت لسماع صوت المنكوبين أو لمعاينة شكواهم.

نكبة السيّد سعادة من الأرشيف

يروي سعادة ما ألمّ به في رسالة قد أرسلها إلى بن غوريون في أوائل شهر تموز 1949 يقول فيها:

“في الحادي عشر من تموز 1948، حضرت السلطات العسكرية، وقد قاموا بنقلي إلى شقة في الطابق العلوي من شارع عباس 29. يتوجب عليّ أن أصعد 84 درجة من أجل أن أصل إلى الشقة. انصعت للأمر العسكري بإرادة بالغة رغم كل الصعوبات التي يسببها هذا النقل لي ولأفراد أسرتي. أملك في حوزتي ترخيصاً رسمياً من الجيش، والذي يعطيني الحق في الشقة المعنية المكونة من 4 غرف، مطبخ وحمام”.

ويكمل سعادة لبن غوريون، في رسالته، بعد نقله إلى الشقة في شارع عباس 29 بأنه: “قد وضعت أمتعتي وهيأت الشقة لاستقبال أسرتي المكونة من زوجتي، أولادي الأربعة وأمي المتواجدين حاليا في بيروت”.

 في رسالة أخرى يسرد ويشكو سعادة لبن غوريون مأساته:

“في 18 كانون ثاني 1949، عدت إلى البيت في الساعة 22:00 ليلاً، بعد أن قضيت الوقت في حفل عند معارف لي. في البيت وجدت عائلة غريبة مكونة من رجل اسمه “مامان”، وزوجته ونسيبه. اقتحموا البيت بعد أن استعملوا وسائل خاصة وقاموا باحتلال غرفة لهم بعد أن أفرغوها من محتوياتي. فوراً بدأ بيننا جدال استمر حتى ساعات ما بعد منتصف الليل. تمخض النقاش عن تفاهم تام بأنهم سوف يغادرون البيت في الصباح الباكر، لذلك لم أطلب مساعدة الشرطة. لكن هذا التفاهم لم يكن سوى مجرد كلام حيث تُبيّن لنا كتابات السيد سعادة ما حصل لاحقاً.

قِسم أملاك الغائبين يؤكد ويتعهد (…) بأن أحصل على عقد إيجار على الشقة كاملة. ويتعهد بأن السيد مامان سيغادر المنزل فقط عند عودة أسرتي إلى حيفا، حتى تلك اللحظة سوف يسكن هو وعائلته في غرفة واحدة فقط، ويتواجد عندي بصفته زائراً. رغم تعهد قسم أملاك الغائبين، إلا أن السيد مامان لم يلتزم بالاتفاق، بل وجلب أهله ليسكنوا معه. كتب السيد سعادة: “بعد أشهر من احتلال السيد مامان إحدى غرف شقتي، قدم إلى حيفا أبوه وأمه وسكنا معه في الغرفة نفسها. بعد فترة قصيرة من قدوم الأب إلى الشقة بدأت العلاقة بيننا تأخذ منحى خطيراً بسبب مكائد الأب ضدي. في الوقت الذي تأملت فيه أن يحافظ السيد مامان على الاتفاق، تعقدت الأمور وقام الأب بمضايقتي في كل فرصة سانحة، وطلب أن يتوسّع في البيت على حسابي.

تتمة المأساة

لم تتوقف مأساة السيد سعادة عند هذا الحد، اقتحام شقته لم يتوقف على عائلة مامان. ثمة اقتحام آخر يصفه سعادة في كتاباته: “في صباح السابع من نيسان 1949 اقتحمت سريّة عسكرية بيوت العرب في شارع عباس، وبعد احتلالها قاموا بطرد المقيمين من بيوتهم إلى الشارع. وهكذا تهيأ الجو للسيد مامان ووالده ليمارسا أفعالهما ضدي بمساعدة الجيش، والشرطة العسكرية والشرطة المدنية، وقاما بدعوة ضابط برتبة نقيب اسمه مئير تشيجك ليقتحم بيتي وينهال عليّ بالضرب ويطردني من بيتي”.

لم يتوقف سعادة عن إرسال ما يمكنه من رسائل لمتخذي قرار مختلفين من أجل أن يحصل على ما يملك. في وثيقة أخرى كتب: “المذكور سابقاً لا سقف يؤويه. توجهاته العديدة إلى المحاكم ولأقسام الحكومة المختلفة لم تقابل سوى بالوعود أو التأجيل. (…) هذا الشخص يستصرخ السلطات ويستنجدهم لمساعدته، ولأن يقفوا بجانبه ضد المقتحمين، مخالفي القانون، من أجل أن يعيدوا له بيته وحقوقه الكاملة”.

واستمر سعادة بإرسال الرسائل إلى بن غوريون، وهذه المرة بعد أن حصل له ما حصل في شقته في شارع عباس 29، وبعد توجهاته المتكررة إلى المحاكم والجهات المختصة. ففي مكتوب آخر أرسله إلى بن غوريون قال فيه: “أستحلفكم بالله أن تقولوا لي إلى متى، بحق خالق الكون، سيستمر هذا الظلم. كل الأوراق التي بحوزتي تثبت حقي. يعلم الله والناس حجم الظلم الذي ارتكب بحقي. أتوجه كمواطن للدولة للسلطات بصوت صارخ: أنجدوني! لم أعتدِ على إنسان أو أخرق القانون ومع ذلك تم الاعتداء عليّ، وعلى بيتي وممتلكاتي التي أكلها العث واستحقرتها القوانين. سرعان ما طردوني إلى الشارع وما زالوا يتجاهلون القوانين وتعليمات الحكومة ويسببون لي أضراراً مالية كبيرة، في الوقت الذي أحتاج فيه إلى المال بشدة”.

من غير المعروف ما حل بقضية سعادة في نهاية المطاف. هل كسب المحكمة؟ هل عاد والتقى بأفراد عائلته في لبنان؟ هذه أسئلة لم تجد لها أجوبة في الوثائق الموجودة. وما نعرفه أن السيد سعادة غادر البلاد إلى لبنان، ومن ثم أرسلته شركة النفط العراقية إلى فرع الشركة في الأردن. ويذكر الكاتب أنه وفقاً لابن السيد سعادة، رائد، في العام 1956 توقف السيد سعادة عن العمل لدى شركة النفط. وفي العام 1960 تزوج مرة أخرى وانتقل للعيش في القدس.

إشارات وتأملات

 ويرى “مدار” أن هذا الكتاب يساهم في تسليط الضوء على الموقف الهامشي في الحيز الإسرائيلي، والذي لا ينكر النكبة الفلسطينية عبر الادعاء بأن النكبة الشخصية، نكبة السيد سعادة في الكتاب، هي ذات وقع أكبر على النفوس، وأن فض الغبار عن القصص الشخصية للفلسطينيين المنكوبين سيساعد على إعادة هيكلة المفاهيم والمدارك الخاصة بالنكبة الفلسطينية في الوعي الجماعي الإسرائيلي.

ويقول إن الاعتراف بنكبة الفلسطينيين يناقض الادعاء السائد في الحيز العام الإسرائيلي، حيث يرى أن الذاكرة الفلسطينية تسعى إلى نزع الشرعية عن دولة اليهود عن طريق تهويل مأساة الفلسطيني، بل وتسعى إسرائيل إلى إبادة ذاكرة الفلسطينيين.

 ويضيف: “مع ذلك، يعود راز في هذا الكتاب إلى ماض لا يزال يرافق الفلسطيني، إذ تعتبر النكبة ذات أهمية مركزية في الذاكرة الفلسطينية. والاعتراف بهذه النكبة هي نقطة انطلاق إيجابية من أجل الوصول إلى طاولة الاتفاقيات وبناء علاقة ربما سليمة وسلمية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي”.

وبرأي “مدار”، يثير طرح راز لمسألة الاعتراف بنكبة سعادة العديد من التساؤلات حول نظرته إلى الواقع المُعاش، وحول رؤيته لمستقبل الشعبين، الفلسطيني واليهودي. لكنه في كتابه هذا لا يقدم لجمهوره الإسرائيلي سوى الدعوة للاعتراف بنكبة السيد سعادة، ودعوة لمساءلة أخلاقية المشروع القومي اليهودي، دون معرفة إلى ما ستؤول إليه الأمور بعد هذا الاعتراف. هل يكتفي الإسرائيلي بالاعتراف ويستمر في حياته كالمعتاد؟ هل هو خطاب تذنيب أم تحمل مسؤولية عمّا حل بالفلسطيني؟

بالإضافة إلى ذلك، لم يستطع الكاتب أن يتخيل نهاية سعيدة للسيد سعادة، رغم اختياره أن يلبس قبعة كاتب المسرحية الكاتب للتاريخ. حتى في مسرحيته لم يقم بتغيير الواقع ليكون سعيداً للسيد سعادة، لم يعط المجال لجمهوره بأن يرى نهاية أخرى للفلسطيني، وكأن نكبته حتمية. هل هو لا وعي متجذر لدى الكاتب، أم أن رسالة المأساة والاعتراف لن تصل إلى جمهوره إذا كتب نهاية مختلقة تكون معاكسة للنكبة، أم أن كونه مؤرخاً جعله يتمسك بالمأساة كخاتمة؟

ويخلص “مدار” للقول: “في النهاية، نكبة الفلسطيني لا تزال مستمرة، ويُخلق السيد سعادة في كل يوم بسبب الممارسات الإسرائيلية. والسيد سعادة يكاد يكون موجوداً في كل منزل فلسطيني، فهل بمقدور الإسرائيلي أن يعترف بنكبة مستمرة؟ بنكبة تخلق كل يوم؟ هل يستطيع أن يطالب بإيقافها؟ لا تزال المعتركات المسرحية التي تعرض نكبة السيد سعادة الشخصية حبراً على ورق، وأتساءل كيف سيكون وقع عرضها على الجمهور الإسرائيلي، الذي يعلم أن دولته تخلق كل يوم سيد سعادة جديداً؟

على أهمية هذا التقاطع بين الشخصي والعام، وبين الوثيقة الميتة والقصة الشخصية التي تحاول إحياء الوثيقة، قد يأخذ فعل التضامن معنى مختلفاً، إذ قد يفصل الجمهور بين التضامن مع قضية عادلة، على غرار النكبة، وبين التضامن مع الشخصية الرئيسة، أو التضامن مع القصة نفسها، من خلال نزعها عن سياقها، أو ربما الاعتراف بخطأ ما، لا ببنية كاملة تأسست على هذه النكبات المستمرة حتى هذه اللحظة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية