منذ الألفية الثالثة، بدأ التغير التكنولوجي يفوق التكيّف الاجتماعي، حتى تحول التغير إلى مصدر تهديد لبنيات المجتمع التحتانية، وتفكيك منظومته الأسرية، لتنشئة عالم متخيلّ بلا جندر.
إذن السايبورغ يطرح إشكالية مستقبلية تنطوي على مشكلات متعدّدة:
إن كان السايبورغ مخلوق لعالم ما بعد الجنوسة، فكيف يمكن أن نعيش دون جنوسة؟ وإن كان السايبورغ يسعى إلى تفكيك الذات، ومن ثم إعادة تركيبها من جديد، لإنتاج هوية هجينة بين الكائن والآلة، فما نوع «متعة التفاعل» بينهما؟ وإن كان السايبورغ أعلى ما وصلت إليه «الرأسمالية الأبوية «من سايبر ما بعد جنسي في الحوكمة والتحكم في مرافق الحياة ومؤسساتها الاجتماعية، فهل هو «نظرية كارثية»؟
قبل الإجابة، فقد تنبّه فرانسيس فوكوياما إلى «أن التصدّع العظيم كانت له مسبّبات أخرى أكثر فاعلية مثل التحوّل من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد ما بعد الصناعي» (التصدع العظيم/ فرانسيس فوكا ياما/ ترجمة عزة حسين كبة) وبذا فإن التحوّل التكنولوجي الذي يجلب معه «الهدم الخلاق» حسب تعيير الاقتصادي جوزيف شومبيتر – Joseph sehunmprter – «لا يمكن إلاّ أن يسبّب تصدّعا مماثلا في عالم العلاقات الاجتماعي» (التصدع العظيم / فرانسيس فوكوياما ).
لقد انهارت الحدود بين الثقافة والطبيعة بعد دمج الإنسان بالآلة، ما أدى إلى إنتاج عالم يتخطى حدود الفروقات الجندرية بذريعة تعديل الجسد البشري، اصطلحت عليه عالمة البيولوجيا والنسوية الأمريكية دونا هاراوي بـ «السايبرغ ـ cyborg» ليمثل مرحلة جديدة «ما بعد الإنسان» posthuman وهو مصطلح اخترعه ما نفرد كلاينس وناثان كلين خلال ستينيات القرن العشرين، ويعنيان به «الإنسان المحسّن والمطوّر – الذي يمكنه العيش في بيئة أبعد من حدود الأرض». وفي عام 1989 اصطلحت دونا هاراوي على تسمية شخصية الإنسان في الألفية الثالثة بـ»السايبورغ» وبهذا الإعلان دخل المصطلح التداول العلمي في ثقافة ما بعد الحداثة.
من هنا أخذ مفهوم الإنسان يتطور بفعل التطوّر الجيني التلقائي من خلال «تقويض الميثولوجيا بتكنولوجيا المعلوماتية» والانفتاح على تحولات مستقبلية خارج الحدود البشرية، تطيح بتصنيفات الطبقة والعرق والنوع الاجتماعي، لإلغاء الحدود بين الطبيعي والصناعي، خاصة بين الآلي والإنساني عبر صيرورة مستمرة من التغيّر الذي يجلب التطور ما بعد البشري.
ويقوم هذا التحوّل التكنولوجي على تنشئة أجساد افتراضية (نشوءات لاجنسية أو متعّددة الجنس) والتوّجه نحو مرحلة جديدة من التحوّل «ما بعد الجندر postgenderism، تقوم بالقضاء الطوعي على الجندر في الجنس» وتؤكد على «أن ممارسة الجنس لأغراض التناسل سيصبح من مخلّفات الزمن» ( https//gender.yya.xyz,wik ).
ووفق هذا المبدأ، لن يكون ثمة جندر محدّد في مجتمع السايبورغ، وإنما بكائنات ما بعد الجندرية معدّلة تكنولوجيا، تتجاوز التكاثر الجنسي، ولا تحكم بالنواة الأسرية، لتمثل أعلى أشكال الرغبة والمتعة والسلطة في محاكاة ذاتها التكنولوجية. لهذا نحن ازاء تحوّل تكنولوجي يفوق التصّور البشري، هذا التحول يقوم بتعويض اللذة الجسدية والنشوة الجنسية لـ»الجسد ما بعد الحداثي «بالعضو الجنسي الاصطناعي» الذي يصطلح عليه بـ «الديدلو» (الجنس والنص والجسد في خطاب السايبر/ هانو اركانين / ترجمة هناء خليف غني) ما يمنح «الفرصة لتقويض دينياميات الجنس المتخالف» ويسمح بظهور «هوية ما بعد جندرية ـ سايبورغية» (الجنس والدين والجسد في خطاب السايبر/ هانو أركانين).
لكن هل ما فُقِد عاطفيا ً يمكن تعويضه اصطناعيا ؟
إن السايبورغ مخلوق لعالم ما بعد الجنوسة، ناتج عن تفكّك الكيان البشري وتجميعه في كائن هجين فائق التكنولوجيا، له رغبة ومتعة في محاكاة ذاته بذكاء اصطناعي، يتجاوز الاتصال والإفراز الهارموني، ويتحرّر كليا من تزاوج الذكورة والأنوثة، أي انه كائن تكنولوجي فائق، عابر للزمان والمكان والفضاء اللانهائي.
إن العضو الجنسي الاصطناعي لا يقوّض عقدة الإخصاء الأنثوي (أي فقد القضيب الذي يدل على جنس المرأة المخصي) بل يفتح المجال أمام إمكانية أن «ما يصبح مخصّيا، ربما هو الجسد الذكوري» (الجنس والنص والجسد في خطاب السايبر/ هانو أركانين). وإن كان الجنس الإلكتروني يمثل ذروة هذه « القفزة التكنوثورية» في النسائية البشرية، فما تعليل السبب الذي يجعل أعضاء «الموجة الثالثة» من النسويات ينزعن نحو الجنس الإلكتروني المحاكي للبنى السايبورغية ما بعد الجندرية الشائعة في الفضاء الإلكتروني؟ آثرنا أن نطرح هذا السؤال بأفق مفتوح دون جواب.
إن السايبورغ مخلوق لعالم ما بعد الجنوسة، ناتج عن تفكّك الكيان البشري وتجميعه في كائن هجين فائق التكنولوجيا، له رغبة ومتعة في محاكاة ذاته بذكاء اصطناعي، يتجاوز الاتصال والإفراز الهارموني، ويتحرّر كليا من تزاوج الذكورة والأنوثة، أي انه كائن تكنولوجي فائق، عابر للزمان والمكان والفضاء اللانهائي. وإن كان السايبورغ، حسب وصف دونا هاراوي «حتمية تكنولوجية» (بيان سيبورغ / دونا هاراوي/ العلوم، والتكنولوجيا، والاشتراكية النسوية في أواخر القرن العشرين/ ترجمة أماني أبو رحمة) فهل نحن في مرحلة تحوّل سيبرنطيقي؟
يمكن القول، إن السايبورغ سيؤدي إلى إلغاء تصنيف الذكر والأنثى، ويفتح الأفق على ما وراء الطبقة والنوع والعرق، خاصة بعد أن تحوّلت الليبيدو من عالم الجسد إلى عالم التكنولوجيا، اصطلحت عليه التكنو ـ نسوية زو سوفولس بـ»الإيروسية التكنولوجية» (الجنس والنص والجسد في خطاب السايبر/ هانو أركانين / ترجمة هناء خليف غني). لكن هل مات الجنس الحقيقي؟ وما نوع الجنس القادم؟ أهو «جنس مهجّن»؟ وإزاء الجنس الافتراضي: أهو أنموذج للمتعة العابرة للجسد؟ أم هو جنس مستقل بلا اتصال أو بلا ممارسة؟ وإن كنّا إزاء جنس تكنولوجي فائق، ما الذي سيحل بالجنس الطبيعي؟
يمكن أن نعد «بيان سيبورغ ـ cyborg» المدخل الطبيعي لهذه التساؤلات وغيرها؟ إن السيبورغ كائن سيبرانتيكي «معرفي» هجين من الآلة وكائن حي، مخلوق من واقع اجتماعي، ومخلوق من الخيال» (بيان سيبورغ: دونا هاراوي/ العلوم والتكنولوجيا والاشتراكية النسوية في أواخر القرن العشرين/ أماني أبو رحمة). لكن كيف ينبغي القبول بالمثالية التي تعني تخيّل العالم دون جنوسة؟
قبل الإجابة، أن عالم ما بعد الجنوسة قائم على كيفية تقويض البناء الاجتماعي من العلاقات الأسرية، وإلاّ فما تعليل «الرأسمالية الأبوية» التي تسعى إلى تحقيق أعلى درجات المتعة والسلطة وفق سيناريو السايبر سكس»؟ إذن هل نحن نمر في مرحلة انتقالية من مجتمع عضوي صناعي إلى مجتمع ما بعد صناعي، يستدعي فيه تفكيك الكائن وإعادة تركيبه من جديد، لغرض تخليق نوع اجتماعي بلا جندر ولا جنس أولا، ويستدعي فيه تحويل العمل إلى ريبوتات، والجنس إلى تكنولوجيا إنجابية، والعقل إلى ذكاء اصطناعي ثانيا؟
إذن ثمة تعارض جذري بين الصانع والمصنوع، لكن «ليس من الواضح من يصنع ومَن هو المصنوع في العلاقة بين الإنسان والآلة، وليس من الواضح ما هو العقل وما هو الجسد في الآلات التي تحوّل إلى ممارسات ترميز» (النظرية النسوية: مقتطفات مختارة / ويندي كيد. كولمار – فرانسيس بارنكوفيسكي/ ترجمة عماد إبراهيم).
اذن قد يقودنا التحوّل التكنولوجي إلى عالم بلا جنوسة، لكن هل يمكن أن نعيش بلا جنوسة؟
ناقد وروائي من العراق