جوافة قلقيلية.. الفاكهة الفلسطينية المدللة- (صور)

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

قلقيلية- “القدس العربي”: غطت الأحداث السياسية في مدينة جنين الأسبوع الماضي على انطلاق فعاليات مهرجان الجوافة الخامس في مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية والملاصقة لجدار الفصل العنصري.

ورغم الأحداث التي جعلت المهرجان (28-30 سبتمبر) يعلن عن فعالياته من دون حفل افتتاح، إلا أن الحضور كان كبيرا ولافتا، في ظل أن المواطنين اعتادوا زيارة المدينة الأكثر شهرة وارتباطا بالفاكهة الخريفية، من أجل شراء جوافتهم الخاصة من مزارعها مباشرة.

والجوافة، هي الفاكهة الأكثر حضورا على موائد الفلسطينيين في فصل الخريف حيث يصفها الباحث البيئي الفلسطيني خالد أبو علي بأنها “كنافة طبيعية”، فيما يطلق عليها المزارعون لقب “الفاكهة المدللة” لفرط ما تحتاج من عناية واهتمام، وتحديدا في فترة نضوجها وقطفها وتعبئتها ونقلها للمستهلكين.

وبحسب الجهات الرسمية فإن الجوافة من الأشجار شبه الاستوائية، وهي بحاجة إلى تربة عميقة وخصبة وجيدة الصرف، وكميات كبيرة من المياه، خصوصا في فترة الصيف.

وبلونها الأصفر الموشح بقليل من الخضرة، زيّنت الثمار أقسام معارض “مهرجان الجوافة الخامس” في مدينة قلقيلية التي انطلقت من أرض حديقة الحيوانات هناك. وإلى جانبها ضم المعرض احتفالا كرنفاليا بالجوافة حيث رفع شعار: “الجو.. بدو جوافة”.

وحفل المهرجان الذي قامت عليه الغرفة التجارية والصناعية في محافظة قلقيلية، بعشرات الأنشطة والفعاليات طوال أيامه الثلاثة، إلى جانب عرضه مجموعة من الخضار والفواكه التي تشتهر بها المدينة.

وتعتبر أمريكا الاستوائية الموطن الأصلي للجوافة، ومنها انتقلت إلى المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية الأخرى، حيث أصبحت تنتشر في السودان ومصر والعراق وفلسطين، وتنتشر في مجموعة من المدن أبرزها قلقيلية بالضفة الغربية إلى جانب مدينة أريحا وقطاع غزة أيضا.

ثلاثة عوامل

وبحسب المزارع حسن شقير، فإن هناك ثلاثة عوامل دفعت إلى أن تكون مدينة قلقيلية المدينة الفلسطينية الأبرز في زراعة الجوافة، وهي أنها تتمتع بأرض عذبة، إلى جانب مياه جوفية عذبة أيضا، وجو شبه استوائي معتدل.

ويضيف: “كل هذه العوامل تنعكس على الثمرة التي تخرج من المزارع في المدينة جميلة وذات طعم مميز، وهو ما يجعل من طعمها مختلف عما تنتجه مدن أريحا وغزة”.

ويرى الباحث البيئي أبو علي، أن شجرة الجوافة “المدللة” تحتاج عناية خاصة، يلزمها السماد وكميات كبيرة من المياه العذبة وبيئة رطبة نسبيا مع حرارة عالية، وبيئة مدينة قلقيلية ذات جودة كبيرة حيث تتوفر فيها كميات كبيرة من المياه حيث يوجد بها أكثر من 72 بئرا جوفيا.

تطورات الفاكهة

يضيف المزارع شقير في حديث صحافي، أنه كغيره من أبناء جيله تشكّل وعيه في فترة السبعينات على أن أراضي المدينة خلقت للجوافة والحمضيات.

ويسرد تاريخ علاقة المواطنين بالأرض وشجرة الجوافة قائلا: “مع احتلال عام 48 صادر الاحتلال الكثير من أراضي المدينة (جانب كبير من أراضي المدينة يقع الآن داخل جدار الفصل العنصري)، أما في عام 1967 (احتلال الضفة الغربية) قام المزارعون في المحافظة باستصلاح الأراضي في الجبال، وحفروا الآبار الارتوازية لسقاية مزروعاتهم”.

وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالجوافة في فلسطين حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (النتائج الأولية للتعداد الزراعي 2021) نحو 4029 دونما، تمثل ما نسبته 0.6% من أشجار البستنة، منها 2953 دونما في الضفة الغربية و1076 دونما في قطاع غزة؛ وتحتل محافظة قلقيلية المرتبة الأولى (بواقع 2507 دونمات).

ويؤكد مزارعون على أن الرقم أكبر بكثير مما أعلنته الجهات الرسمية، في ظل زراعة مزيد من الأراضي بشجرة الجوافة بشكل مستمر، حيث يقدرون الأراضي المزروعة بالجوافة بـ3500 دونم بما يقرب من 200 ألف شجرة.

ويعتبر موسم الجوافة قصيرا نسبيا، حيث لا يتجاوز الشهور الثلاثة. فهو يبدأ في شهر سبتمبر ولغاية نوفمبر كأقصى حد، لكنه في المقابل موسم متغير ومتقلب ومتأثر بالتقلبات الجوية.

وتؤثر تقلبات الطقس في كل عام على الموسم، كما أن الموسم يتأخر 10 أيام كل عام. وبحسب ما يشرح المزارع شقير، فإن الجوافة هي بالأساس موسم شتوي، أما اليوم فنراها في جزء من الصيف ومطلع الخريف، لكنها بعد 20 سنة ستعود الفاكهة إلى فصل الشتاء.

ويتابع شقير أن الحرارة العالية وتقلبات الطقس لا تخدم الشجرة، وهي من العوامل التي تؤخر عملية الإنضاج التي تبدأ على مهل شديد حيث يقطف المزارع من كامل مزرعته صندوق واحد في بداية الموسم وهو أمر يتطور إلى عشرات الصناديق.

ويرى أن هناك لبساً لدى المستهلكين عندما يستمعوا بأن صندوق الجوافة بيع بمبلغ كبير، لكن الحقيقة أن هذا الأمر لا يجعل من المزارع غنيا إطلاقا لكون ارتفاع السعر يرتبط بالإنتاج القليل.

ويشدد أنها في بداية الموسم تكون الثمرة غالية جدا، فمن بيارة (مزرعة) مساحتها عشرة دونمات يمكن للمزارع أن يقطف صندوقا واحدا، وهو ما يجعله كمن يبحث عن الذهب، وهو أمر لا يستمر طويلا حيث يتضاعف الإنتاج وتنخفض الأسواق.

ويتابع: “التحدي أن يستمر السعر مرتفعا مع غزارة الإنتاج في ظل أن كيلو الجوافة تكلف المزارع ما مقداره 2 شيقل، وكي يربح المزارع يجب أن يبيع الكيلو 4 شيقل كحد أدنى”.

ويلمع نجم الفاكهة مع بداية الموسم في شهر سبتمبر حيث يصل سعر الصندوق الواحد ما يقرب من 450 شيقلا (ما يقرب من 150 دولارا) لكن مع نضوج الثمر يصبح متوسط سعر الصندوق الواحد (70- 100 شيقل).

ثلاثة أنواع

وينتج دونم الجوافة في فلسطين ما معدله 3 إلى 4 طن سنويا، وبحسب المهندس أحمد عيد، مدير مديرية الزراعة في قلقيلية، فإن الموسم هذا العام أكثر من جيد حيث يبلغ معدل الحمل ما بين 60- 70% من المعدل الممتاز.

ويضيف في تصريحات صحافية أن أبرز الأصناف الدارجة في فلسطين هي المصرية التي يوجد منها ثلاثة أشكال للثمرة: الشكل الآجاصي، والشكل الدائري، والشكل الطويل. ويمتاز بصلابة الثمرة.

أما صنف “الغبرة” فيمتاز بثمار ملساء غير صلبة، دائرية إلى طولية، ولا يوجد لها عنق، وهو صنف عملت الوزارة على إيقاف زراعته لكونه غير مشجع تسويقيا، أما الصنف الثالث فهو الشواطي ذو الثمار الهرمية المجعدة، وكبيرة الحجم التي تمتاز بحلاوتها.

ويرى عيد أن أبرز طريقة لإنجاح الموسم بالنسبة للمزارعين هي تقليل سلسلة التسويق عبر المهرجانات السنوية، التي تعكس نمط التسويق السائد المتمثل في شراء المنتج من المزارعين بأسعار منخفضة وبيعها للمستهلكين بأسعار مرتفعة.

وتواجه زراعة الجوافة مجموعة من المشاكل والمعيقات أبرزها ملوحة المياه ومشكلات في التربة، لا سيما في قطاع غزة، والآفات والأمراض التي تصيبها، وسرعة تلف المحصول، وارتفاع مستلزمات الإنتاج، عدم كفاية الماء بسبب تحكم الاحتلال بمصادر المياه. الاستيطان ومصادرة الأراضي والاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي لإقامة المستوطنات والمناطق العسكرية، وصعوبات في التسويق بفعل حواجز الاحتلال وسيطرته على المعابر، وتقييد حركة وصول المزارعين لمزارعهم بسبب الجدار الفاصل لا سيما في محافظة قلقيلية؛ إذ إن فتح البوابات وإغلاقها خاضع لمزاج جنود الاحتلال، إضافة إلى صعوبة الحصول على تصاريح الدخول من هذه البوابات.

وغالبا ما يستثمر الاحتلال الإسرائيلي في كل عام موسم الجوافة في دعايته السياسية كي يُظهر أنه يقدم المساعدات للمزارعين الفلسطينيين في سبيل إنجاح الموسم. وتظهر مجموعة من الفيديوهات على صفحة منسق أعمال حكومة الاحتلال في الضفة الغربية على شبكة فيسبوك، جنرالات في الجيش الإسرائيلي أو إعلاميين إسرائيليين يتفحصون الحقول ويتحدثون مع المزارعين ويؤكدون تقديمهم المساعدة اللازمة لتصدير منتجاتهم ودعمهم.

فيما تفاعل الفلسطينيون على أحد الفيديوهات، ويظهر للمتابع فشل هذه السياسة الدعائية، حيث يقول أحد المعلقين: “سرقتم الأرض، استبحتم مقدساتنا، زورتم التاريخ، زرعتم فينا بذرة الانتقام منكم، نكرهكم.. نكرهكم، لقد سرقتم الأرض، ونهبتم خيرها وماءها أمام أصحابها وبقوة السلاح”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية