الويلزية: هل أقدم لغة في بريطانيا وأوروبا مهددة بالانقراض؟

درسها الملك تشارلز الثالث في نهاية ستينيات القرن الماضي قبل استلامه لقب أمير ويلز، وينتظر أن يتعلمها أيضا الأمير وليم الذي استلم منه هذا اللقب مؤخرا إثر وفاة الملكة إليزابيث الثانية. وكانت اللغة الأم التي تحدث بها البريطانيون الأوائل. إنها اللغة الويلزية التي كان لها في يوم ما نفوذها وسيادتها وأمجادها، وها هي اليوم تُدرج في قائمة اللغات المهددة بالفناء في عالمنا. فيا ترى ما الذي يحفِّز أفراد العائلة المالكة البريطانية على تعلم لغة لا يتعدى عدد الناطقين بها 892200 نسمة حسب الإحصاء السكاني لعام 2021 وتُعدّ من أصعب اللغات في العالم؟ وما سرّ تراجعها لتتحوّل في أيامنا إلى لغة مهددة بالزوال؟

لغة البريطانيين الأصلية

تنحدر الويلزية من اللغة القلطية التي تحدَّث بها البريطانيون القدماء، وتُعدّ أقدم لغة في أوروبا. وهي اللغة الأصلية لبريطانيا، سابقة للغة الأنكلوساكسونية والرومانية معا، إذ يُرجح أن تكون قد حلَّتْ في الجزر البريطانية حوالي 600 سنة قبل الميلاد. انتشرت الويلزية في غرب بريطانيا، وعرفت تطورا كبيرا في العصور الوسطى، فصارت خلال الحقبة الممتدة بين عامي 1000 و 1536، تُعرف باسم الويلزية الوسطى. وشهدت هذه الحقبة بروز حركة أدبية رائدة باللغة الويلزية أثرت تراثنا الأدبي العالمي بمؤلفات بارزة على منوال أساطير مابينوغون الشهيرة، وهي مجموعة من المخطوطات المؤلفة من إحدى عشرة حكاية. حكايات مابينوغون مزيج من الأساطير والفولكلور والتقاليد والتاريخ، وتُعدّ نقطة انطلاق الأدب الويلزي. وقد أثْرت الويلزية لغات أخرى في العالم بمفردات مثل penguin التي تعني (بطريق) وهي كلمة من أصل ويلزي دخلت اللغة الإنكليزية في أواخر القرن السادس عشر، وشقت طريقها إلى لغات أخرى مثل الإسبانية والإيطالية والرومانية واللغات الإسكندنافية كاللغة السويدية.

اللغة سلاح سياسي ودبلوماسي

معروف عن الملك تشارلز الثالث أنه يتكلم أربع لغات بمستويات متفاوتة وهي الإنكليزية والفرنسية والألمانية والويلزية. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما سرّ اهتمامه باللغة الويلزية بالذات، بدلا على سبيل المثال من لغتي الجارتين الغيلية الاسكتلندية أو الإيرلندية، وهي كلها لغات الجزر البريطانية؟ ولِمَا يهتم بلغة صغيرة ويترك لغات ذات وزن ثقيل مثل الإسبانية التي لا يقل عدد الناطقين بها في العالم عن 500 مليون نسمة؟ غالبا ما يتعلم الإنسان اللغة للسفر والعيش في الأوطان الناطقة باللغة والعمل فيها. لكن، لا يبدو أنّ ذلك ينطبق على تشارلز الذي يقيم في إنكلترا ولا يسافر إلى ويلز إلا في مناسبات، ولا يحتاج في أسفاره في الواقع غير اللغة الإنكليزية المشتركة التي يتقنها سكان بلاد ويلز. فسبب تعلم هذه اللغة سياسي ودبلوماسي محض، وهو ما أكده تايلور مابل الكاتب المستقل المتخصص في الاتصالات، «في مسلسل (الغراب) يتم إرسال تشارلز للدراسة في ويلز كبادرة عظيمة للسلام. والهدف المنشود، من منظور العائلة المالكة والحكومة، هو سعي تشارلز لجذب سكان ويلز للانخراط في ثقافتهم ومخاطبتهم بلغتهم الويلزية. إذ أنّ بريطانيا تسعى لتجنُّب انتفاضة ويلز، خاصة أنّ الحركة القومية الويلزية تزداد بأسا».

صعود القومية الويلزية

وهكذا درس تشارلز اللغة الويلزية لمدة تسعة أسابيع في جامعة أبيريستويث عن عمر يناهز 20 عاما، قبيل توليه منصب أمير ويلز في عام 1969. ورغم حداثة سنه إلاَّ أنه لقي مشقة في تعلم هذه اللغة المعقدة، وهو ما اعترف به عندما قال، «وجدت صعوبة في إتقان اللغة في مثل هذا القدر القصير من الزمن» واليوم يدعو المدافعون عن اللغة الويلزية والسياسيون القوميون أمير ويلز الجديد إلى تعلم الويلزية، بعد أن شدد الوزير على مدى أهميتها لويلز الحديثة.
اجتهد تشارلز لتعلم الويلزية وتاريخ ويلز معا، في وقت كانت ويلز تشهد صعود القومية المناهضة للوجود الإنكليزي في هذه البلاد. كان يقود هذه الحركة الحزب القومي الويلزي «بلايد» الذي تأسس عام 1925 لأجل إحياء اللغة والثقافة الويلزية. المثير للانتباه أنّ مُدرِّس تشارلز، إدوارد تيدي ميلوارد أستاذ اللغة الويلزية في جامعة أبيريستويث نفسه من الناشطين الوطنيين المعارضين للنظام الملكي البريطاني. وها هي اليوم أصوات المواطنين والسياسيين، لاسيما الوطنيين منهم، تتعإلى منددة بتنصيب أمير إنكليزي لويلز بدلا من أمير من ويلز.

أثر الاحتلال الإنكليزي

لكي نفهم أسباب نمو المشاعر القومية الويلزية، وندرك كيف أصبح لويلز أمير من إنكلترا بدلا من ويلز، لا بد من أن نرحل إلى أواخر القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر، حينما أطلق الملك إدوارد الأول حملاته لغزو ويلز الممتدة من 1277 إلى 1283. فبعد بسط سيطرته الكاملة على ويلز وإعدام دافيد أب جروفيد، آخر أمير لويلز، منح الملك إدوارد الأول لقب (أمير ويلز) لابنه إدوارد الثاني. وبقي هذا اللقب حيا إلى يومنا هذا. ظلت ويلز خاضعة لسيطرة الإنكليز. وفي عام 1536، أدخل هنري الثامن قانون الاتحاد، حظر فيه استخدام اللغة الويلزية في الإدارة العامة والنظام القانوني. وتمَّ دمج ويلز بشكل قانوني في إنكلترا، وأصبحت الإنكليزية لغتها الرسمية الوحيدة. وقد نصت التقارير البرلمانية المعروفة باسم (الكتب الزرقاء) على ما يلي: «تعد اللغة الويلزية عائقا كبيرا لويلز، وحاجزا متعدّد الأشكال أمام التقدم الأخلاقي والازدهار التجاري للمواطنين».

تأثير الثورة الصناعية

ساهم الاحتلال الإنكليزي لويلز بشكل كبير في إضعاف اللغة الويلزية، لاسيما بعد سن قوانين جردت هذه اللغة من مقامها الرسمي، ومما ساهم في إضعافها أيضا انفجار الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر، ومنها إلى كامل أرجاء أوروبا. كان من نتائجها تدفق أعداد من المهاجرين الإنكليز، من مستثمرين وأرباب عمل وموظفين. ساهم هؤلاء جميعا في نشر الإنكليزية وترسيخها في كامل أرجاء ويلز. كان هؤلاء المستثمرون يتواصلون مع المحليين بالإنكليزية رفقة لغتهم المحلية في أوقات، وفي أوقات أخرى كانوا يتخلون عن الويلزية ويكتفون باستخدام الإنكليزية، التي كانت لغة الصناعة والتجارة والتطور بامتياز. فكان من الطبيعي أن تزداد الإنكليزية انتشارا على حساب الوِيلزية.

اللاتينية خدمت الوِيلزية

على العكس من الجارة الإنكليزية، كان التأثير اللاتيني ضعيفا، رغم الاحتلال الروماني الطويل والمقدر بـ 300 سنة. ولعلّ ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أنّ هذا الاحتلال كان بالدرجة الأولى عسكريا واقتصاديا. فقد استفاد الرومان من الثروات المعدنية التي كانت تزخر بها بلاد ويلز من زنك ونحاس وذهب. وفي المقابل لم يتدخلوا في الثقافة ولم يسعوا لاستبدال اللغة المحلية بلغتهم اللاتينية، وإن نزعت الطبقات العليا في المجتمع إلى استخدام اللاتينية.
والرومان في واقع الأمر ساهموا في خدمة اللغة الويلزية. فهم من جعلوا منها لغة مكتوبة، فالمؤكد أن النصوص الوِيلزية الأولى التي تم العثور عليها تعود كلها إلى القرن السادس للميلاد، وهي مكتوبة بالأبجدية اللاتينية. وما زالت الويلزية إلى يومنا هذا تُكتب بالأبجدية الرومانية. كما ساهمت اللاتينية في إثراء الويلزية بالمفردات والمصطلحات. فخلال الاحتلال الروماني، يُرجّح أن تكون قد دخلت هذه اللغة ما لا يقل عن ستمئة كلمة لاتينية.

خطط لإحياء الوِيلزية

لقد استطاعت اللغة الوِيلزية أن تصمد، رغم كلّ الضربات التي تلقتها في تاريخها الطويل، لاسيما من الجارة الإنكليزية. لكنها خرجت اليوم من هذه المعارك الطويلة ضعيفة منهارة القوى، تصارع للبقاء على قيد الحياة، إذ لا يتحدث بها اليوم إلا ما يناهز 20% من السكان. وقد بلغ الأمر مبلغا جعل منظمة اليونسكو تدرجها في قائمة اللغات المعرضة للانقراض. وها هي اليوم حكومة ويلز تسارع إلى اتخاذ الإجراءات لإعادة بعث هذه اللغة. ترمي خطط الحكومة إلى تشجيع تعليم الوِيلزية في المدارس مستهدفة الفئات الشابة. كما تهدف إلى استيعاب مليون متحدث باللغة، أو ما يعادل ثلث عدد السكان – الذين يقدر عددهم بـ 3.107.500 حسب آخر إحصاء سكاني أجري بتاريخ 21 مارس/آذار 2021 – بحلول عام 2050.

الإنكليزية أبقى

والسؤال الذي يحسن بنا طرحه عندئذ هو ما إذا كانت هذه الجهود ستكلل بالنجاح فتحيا هذه اللغة بعد إشرافها على الموت؟ الجواب يكون حتما بالإيجاب إذا أخذنا في الحسبان تجربة اللغة العبرية، التي استطاع الإسرائيليون إعادة بعثها بصورة مذهلة، في ما يُعدّ أحد أفضل نماذج إحياء اللغة في العالم. لكن، إعادة بعث الويلزية لا يعني بالضرورة استعادتها مركز الريادة والنفوذ في هذا البلد الصغير. فالإنكليزية، اللغة العالمية، المتفوقة في العلوم والتكنولوجيا والطب وشتى مجالات الحياة، مرشحة لأن تبقى اللغة الأكثر استخداما والأكثر جاذبية للسكان، وهو ما نلمسه في تجربة الملك تشارلز الثالث الطريفة والمعبّرة عندما كان يدرس الويلزية. فعند اقتراب موعد نهاية الدراسة، حاول تشارلز ممارسة الويلزية في عقر دارها، فخاطب امرأة في الكلية قائلا: «بوري دا» (بمعنى صباح الخير). فالتفتت إليه وردّت بالإنكليزية: «أنا لا أتكلم الويلزية!»

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية