عن الحالة السوريالية للفلسطينيين في الضفة الغربية: مقاومة ومواجهة زعران المستوطنين وحصار جسدي ورقمي

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

من الصعب توصيف الوضع في الضفة الغربية غير أنه سوريالي، مستوطنون يقفون أمام معبر حوارة ويغلقون مدينة نابلس ويمنعون في اليوم التالي آلافا من الموظفين الوصول إلى مراكز عملهم في رام الله، عاصمة السلطة الوطنية وبقية المدن الأخرى، ثم يحتجزون قبل ذلك العائدين من أعمالهم لساعات قبل أن يسمح لهم بالعودة إلى منازلهم متأخرين. وبين الإهانة اليومية ومحاولة واقع يمارس فيه المستوطنون قهر سكان الضفة يواصل الجيش الإسرائيلي ملاحقته للناشطين واعتقالهم أو قتلهم. وبدت مدينة نابلس، قصبتها القديمة مركزا لنشاطات الاحتلال وملاحقته المسلحين إلى جانب رفيقتها مدينة جنين التي لم يخفف الجيش الضغط عليها منذ العمليات شبه اليومية منذ بداية العام الحالي، حيث لا يكاد يخلو يوم من مداهمة، اعتقال وقتل مسلحين.

أخافوا طفلا حتى الموت

وينسحب الوضع على كل الضفة الغربية، فقبل يومين حاصر الجيش مطلوبا في بلدة دير الحطب، شمال- غرب مدينة نابلس وهددوا بجرف البيت عليه لو لم يسلم نفسه، لولا تدخل والده الذي أقنعه بتسليم نفسه. وفي بيت لحم لاحق الجيش أطفال مدرسة خرجوا للتو من فصولهم وأخافوهم ما أدى لوفاة طفل من بلدة تقوع في المحافظة، حيث ركض من الرعب الذي أدى لتوقف قلبه ووجده والده على الأرض بلا حراك. وكان الطفل أمل والديه وتنتظره أمه لتناول الغداء معها. وقال والد ريان سليمان (7 أعوام) في مقطع انتشر على منصات التواصل، إن جنديا ظل يلاحق ابنه حتى توقف قلبه عن النبض. وكالعادة أنكرت القوات الإسرائيلية أي مسؤولية في وفاة الطفل. وقال إن الجنود كانوا يطاردون أشخاصا ألقوا الحجارة عليهم ولا يوجد أي رابط بين وفاة الطفل «المأساوية» وتحركات الجيش.

عرين الأسود

ويأتي عسف الاحتلال وبطشه في ظل تحولات في طبيعة المواجهة مع المستوطنين والقوات الإسرائيلية، فقبل ستة أشهر لم يكن أحد يسمع بعرين الأسود، وهي مجموعة اتخذت من المدينة القديمة في نابلس مقرا لها، وتتكون من شباب في مقتبل الحياة يرتدون زيا موحدا ويغطون فوهات بنادقهم بقماش أحمر، ويعد هذا التنظيم خارج إطار التنظيمات المعروفة، وما يجمعهم هو رفضهم للاحتلال ومداهماته المستمرة، وعدم التأطير السياسي. وتم الكشف عن أول خلية لعرين الأسود في شباط/فبراير عندما اغتالت إسرائيل ثلاثة مقاومين وهم: محمد الدخيل وادهم مبروكة وأشرف مبسلط. وعملية الاغتيال تم فيها إطلاق النار الكثيف على السيارة التي كانوا يستقلونها. ويبدو أن المستهدف الرئيسي لم يكن من بين من تمت تصفيتهم، وهو إبراهيم النابلسي البالغ من العمر 19 عاما، ودخل الشاب في وعي الناس حتى تم اغتياله في التاسع من آب/أغسطس الماضي. وشكل استشهاد النابلسي بداية جديدة في «عرين الأسود» وما بين 8 شباط/فبراير و 9 آب/أغسطس وجه الاحتلال ضربات للتنظيم الجديد. واستهدف محمد العزيزي وعبد الرحمن صبح في 24 تموز/يوليو بعدما حاصرهما بمنزل بالبلدة القديمة في نابلس وقصفه بالصواريخ.  ورغم الضربات الموجعة إلا أنها زادت من شعبية العرين، وخاصة بين أطفال انتفاضة الأقصى عام 2000 وعاشوا في صغرهم اجتياح إسرائيل لمدن الضفة الغربية والقتل المستهدف. وتشير المعلومات أن ظهور عرين الأسود كان في منتصف العام الماضي متزامنا مع «كتيبة جنين» واغتيال القوات الإسرائيلية لزعيمها جميل العموري في 10 حزيران/يونيو 2021. وعرفت تلك المجموعة بـ«كتيبة نابلس» تقليدا لاسم «كتيبة جنين». ولا يوجد ما يشي عن هوية العرين السياسية أو اللون السياسي لأفرادها سوى تأكيدهم في بياناتهم ووصاياهم أنهم يقاتلون على قلب رجل واحد وتحت راية «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». وكشف لاحقا أن عددا من أفراد التنظيم من المحسوبين على تيارات فلسطينية حتى تلك التي تتعرض لقمع من السلطة الوطنية، مثل حركة حماس، فأحد قادة عرين الأسود هو مصعب اشتية محسوب على كتائب عز الدين القسام. وكذلك المطارد محمد طبنج، الأسير المحرر والمحسوب على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكلهم يجمعهم عرين الأسود. وعندما اعتقلت الأجهزة الأمنية اشتية في نهاية الشهر الماضي بنابلس أثار موجة من الغضب وأعمال الشغب التي عمت مدينة نابلس وسط دعوات للعصيان وعمليات اعتداء على الممتلكات وحرق إطارات السيارات، وأسفرت الأعمال عن مقتل شخص وإصابة العشرات، وتم التوصل لاتفاق بين الفصائل وأعيان المدينة القديمة لوقف كل الأعمال. ونقلت السلطة اشتية إلى سجن أريحا، وأمرت محكمة بالإفراج عنه لكنه لا يزال متحفظا عليه. وتشير الشائعات أن دور اشتية لم يكن قتاليا بقدر ما هو توفير المال وشراء الأسلحة للمقاتلين. لكن مصعب اعتُقِل قبل نحو أسبوعين، من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية في نابلس ونقل إلى سجن أريحا، ما أثار موجة غضب عارمة، تطورت إلى اشتباكات مسلحة مع تلك الأجهزة، نتج عنها مقتل شخص وإصابة العشرات. وتتركز عمليات المسلحين على انتهاز الفرصة والمبادرة، فبدلا من انتظار اقتحامات الجيش للبلدة القديمة أو دخول المستوطنين قبر يوسف لأداء الصلوات، استهدفت عناصر العرين المواقع العسكرية والحواجز والمستوطنات المقامة في محيط المدينة.

الشاذات

ويعلق تنظيم عرين الأسود على المواقف والشؤون السياسية المحلية، ومنها مطالبته باستقالة محافظ مدينة نابلس اللواء إبراهيم رمضان بعد تصريحات مثيرة للغضب حول أمهات الشهداء اللاتي وصفهن بالشاذات لأنهن يرسلن أبناءهن للموت كي تصبح الأم مناضلة. وفي بيان وضح فيه «عرين الأسود» موقفه: «لقد سمعنا جميعاً ما ورد من إساءة لأمهات شهداء فلسطين والتي جاءت على لسان محافظ نابلس، إننا في عرين الأسود ومن خلفنا الشعب الفلسطيني الحر نقول لك بأن اُمهات الشهداء نبراس الرؤوس درر التاج لولاهن لما كان لنا عِلم ولا كان لنا إسم هؤلاء مناجم الذهب، الضوء الذي نرى فيه نهاية النفق». ووجهت المجموعة رسالة إلى أمهات الشهداء قالت فيها «نقبل أيديكن وأقدامكن ورؤوسكن ونقبل الأرض التي تطأها أقدامكن نقول لأمهات الشهداء أنتن القادة ونحن الجنود أنتن من تأمرن ونحن من ننفذ نحن بإذن الله سيفكن المسلول على الأعادي نحن بإذن قنابل موقوته تنفجر بأمر منكن، يا أمهات الشهداء الأمر أمركن والقول قولكن متى اردتن تبدأ الحرب أنتن البداية وأنتن النهاية». ودعت محافظ نابلس إلى الاستقالة قائلة «استقل واحفظ ماء وجهك وما قدمته من سنوات في سجون الاحتلال فكل شيء في هذا البلد مؤقت إلا نحن والشهداء والأسرى وأمهات الشهداء دائمون والباقي وهم وسراب». وكانت المطالب عامة بسبب ما رآه المواطنون إهانة لذكرة الشهداء.

حل دولتين

وتعكس تصريحات المسؤول الفجوة ما بين النظام الرسمي وخيبة أمل الناس من المسؤولين واستمرار معاناتهم اليومية وتغول المستوطنين الذين لا تنفصم نشاطاتهم عن دعوات الساسة من اليمين المتطرف لهم لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، وليس أدل على هذا من اقتحاماتهم للمسجد الأقصى بتشجيع من المتطرف بن غفير. ورغم ما ورد من تصريحات لرئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال يائير لابيد في خطابه بالجمعية العامة للأمم المتحدة أنه مع حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، رغم معرفته عدم إمكانية تحقيق هذا في ظل نظام التمييز العنصري الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية. وفسرت تصريحاته المتساوقة مع الموقف الأمريكي المتمسك بحل الدولتين رغم تجنب إدارة بايدن إلغاء أي من القرارات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب السابقة، من الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل والسيادة على الجولان وشرعية الاستيطان. ويعتقد المراقبون أن تصريحات لابيد هي محاولة منه لحماية السلطة ومنع انهيارها، ويعرف أن نسبة 49 في المئة من الإسرائيليين ترفض حل الدولتين مقابل 28 في المئة. وما يهم الولايات المتحدة ولابيد هو التطبيع وتوسيعه مع الدول العربية أكثر من الاستجابة للمطالب الشرعية الفلسطينية وسلام اقتصادي يمنح الفلسطينيين في الضفة وغزة تصاريح عمل في داخل إسرائيل لمنع الانفجار وسط معضلات كبيرة تواجه السلطة الفلسطينية وتكهنات مستمرة حول من سيخلف الزعيم الثمانيني محمود عباس. وعلى العكس تواصل أمريكا حماية إسرائيل ومساعدتها على الإفلات من العقاب كما شاهدنا في قضية مقتل الصحافية شيرين أبو عاقلة في أيار/مايو وهي تغطي مداهمة إسرائيلية لمخيم جنين. في ذلك الوقت قبلت الإدارة الأمريكية الرواية الإسرائيلية، ورفضت حتى الآن إجراء تحقيق بمقتل صحافية ومواطنة أمريكية.

ضد المقاطعة

وفي تطور جديد أعلنت وزارة التجارة الأمريكية عن خطط لتنفيذ قوانين مضادة لمقاطعة إسرائيل، ومعاقبة الشركات الأمريكية التي تسهم في المقاطعة. وستزيد الإجراءات التي أعلن عنها يوم الخميس من الغرامات على الشركات الأمريكية وكذا الشركات الأجنبية التابعة لها. وتقوم السياسة الجديدة على قانون مرر عام 1979ونص على أن الشركات الأمريكية والأفراد سيواجهون عقوبات جنائية ومدنية لمشاركتهم بالمقاطعة العربية وموقف الجامعة العربية الطويل منها. وأخبر ماثيو اكيلورد الذي يشرف على تطبيق قوانين مضادة للمقاطعة في وزارة الخارجية، وفي بيان عن السياسة الجديدة بمناسبة نظمتها اللجنة اليهودية الأمريكية في واشنطن. وقال حسب «جويش إنسايدر»: «أريد التأكيد على أن وزارة التجارة تفعل ما بوسعها لكي يكون لدينا فرض قوي لبرنامج مضاد للمقاطعة». وجاء التغير في السياسة بعد تطبيع أربع دول عربية مع إسرائيل قبل عامين. وفي مناسبة الخميس قال أكسيلرود إن السياسة الجديدة تساعد على بناء ضغط على الدول التي لم تطبع علاقاتها مع إسرائيل بمن فيها سوريا والعراق والتي قال إنهما تسيران في الاتجاه الخطأ. وقال إن «مكتب الإمتثال ضد المقاطعة لديه أدوات معززة تساعد على ردع قواعدنا المضادة للمقاطعة وعندما لا ينجح الردع فلديها الآن أدوات لمقاطعة المنتهكين».

احتلال رقمي

ووسط التحيز الأمريكي المستمر والوضع السوريالي الفلسطيني هناك محاولة لمحاصرة القضية الفلسطينية، حيث تشارك شركات التكنولوجيا العالمية بالعملية، فعندما قررت «بوكينغ دوت كوم» تصنيف المستوطنات بأنها الضفة الغربية المحتلة في الشهر الماضي، لم ينته الشهر إلا وغيرت الشركة الهولندية موقفها بسبب الضغط الإسرائيلي واستعاضت عن التوصيف الأول بآخر وهو «مناطق متأثرة بالنزاع». وهو ما يقود إلى الحديث عن الاحتلال الرقمي الإسرائيلي للفضاء الفلسطيني إضافة لاحتلال الأرض والإنسان. وأشار مقال في مجلة فورين بوليسي نشر هذا الأسبوع لأهمية المصادر المفتوحة للمعلومات من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية وتظليل انتهاكات حقوق الإنسان. وهذه المصادر تظل سلاحا ذو حدين، فهي من جهة مصادر قليلة الكلفة للفلسطينيين، ومن جهة أخرى تظل خاضعة للاحتلال الرقمي الإسرائيلي وتسيطر عليها رموز ومحتوى إسرائيلي غير محايد. ومن الناحية النظرية فالفلسطينيون الذي يعتبرون الأكثر اتصالا وترابطا في الفضاء الرقمي من أي منطقة في الشرق الأوسط لديهم القدرة على الاستفادة من المصادر المفتوحة، إلا أن سيطرة إسرائيل شبه الكاملة على العمود الفقري المادي للبنية التحتية الرقمية الفلسطينية، والتي تتضمن قيودا روتينية على الوصول إلى الإنترنت عبر الضفة الغربية وقطاع غزة، غالبا ما يجد الفلسطينيون أنفسهم في عزلة. وسيطرت إسرائيل بشكل كامل على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية في عام 1967. ومنذ ذلك الحين، منعت السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين من إنشاء شبكات مستقلة عن طريق تقييد الوصول إلى تقنيات التردد الجديدة، ورفض طلبات الاستيراد لمعدات اتصالات جديدة، ومراقبة النشاط عبر الإنترنت عن كثب. وعندما يتصل الفلسطينيون بالإنترنت، تكون الاتصالات بطيئة بشكل مؤلم – تعمل شبكات الاتصالات الفلسطينية في الضفة الغربية على شبكة الجيل الثالث منذ عام 2018 بينما لا تزال غزة تعتمد على شبكة الجيل الثاني أقل موثوقية. ونظرا لأن المصادر المفتوحة تعتمد على الوصول إلى الإنترنت والتدفق الحر للمعلومات، فقد منع هذا الاحتلال الرقمي الفلسطينيين من المشاركة الكاملة في هذا المجال – وبالتالي جعلهم غير قادرين على كشف المعلومات المضللة أو الطعن في التقارير المتحيزة. وكما تتم مراقبة الفلسطينيين عن كثب من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية، تستهدف السلطات الإسرائيلية بانتظام المحللين الفلسطينيين الذين يعتمدون على مصادر مفتوحة لتبادل المعلومات التي قد تورط القوات الإسرائيلية في جرائم حرب أو انتهاكات لحقوق الإنسان. في العام الماضي وحده، اعتقلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 390 فلسطينيا بتهمة «التحريض على العنف» على وسائل الاجتماعي. وتتعرض مبادرات المصادر المفتوحة التي يقودها الفلسطينيون للتهديد بسبب الحملة الإسرائيلية المكثفة على المجتمع المدني الفلسطيني ومنظمات حقوق الإنسان. ورغم ذلك يحاول الفلسطينيون في الضفة وضمن المتاح بناء حسابات على العالم الرقمي ومتابعة ما يجري حولهم وهم يتبادلون المعلومات حول الأوضاع اليومية على الطرق وتحركات المستوطنين وشائعات حول تغيرات في بنية السياسة ومعيشتهم وإن كانت الرواتب قد نزلت وما هي النسبة التي وصلت لحساباتهم البنكية، ويتناولون لعنات النظام الليبرالي الذي جلبه لهم أوسلو.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية