التصعيد في الضفة هل يؤدي إلى انتفاضة فلسطينية شاملة؟

أحمد بلال
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تتصاعد وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، فيما تتزايد الهجمات الفلسطينية التي تستهدف المستوطنين وجنود الاحتلال ومواقع الجيش الإسرائيلي، وتنشغل وسائل الإعلام العبرية في الحديث عن مآلات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية واحتمالات نشوب انتفاضة فلسطينية، وهو السؤال ذاته الذي يشغل أذهان كثير من المحللين الفلسطينيين والعرب أيضاً.

وتشن قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ شهور حملات اعتقال يومية تستهدف الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية، في وقت تزايدت فيه وتيرة الاعتداءات التي تستهدف المسجد الأقصى المبارك والقدس المحتلة والتي يقوم بها مستوطنون بشكل يومي، وتشكل استفزازاً للفلسطينيين وتثير غضبهم المتزايد.
وحسب إحصائية لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» اطلعت عليها «القدس العربي» فقد نفذ الإسرائيليون خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الحالي 2022 نحو 217 اعتداء استهدف المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف، فيما سجل شهر نيسان/أبريل أكبر عدد من الاعتداءات وبواقع 38 اعتداء، فيما لا تشمل هذه الاعتداءات المدينة المقدسة وإنما تقتصر على المسجد الأقصى المبارك وحده.
وسجلت الهجمات الفلسطينية في الضفة الغربية ازدياداً ملحوظاً خلال الشهور الأخيرة، حيث أظهرت معطيات لجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» نشرتها وسائل الإعلام العبرية، أن هذه الهجمات سجلت ازدياداً ملموساً في الآونة الأخيرة ولم تنجح الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المتصاعدة في خفضها ولا منع حدوثها.
وحسب المعطيات الإسرائيلية فمنذ بداية العام 2022 وحتى آخر آب/أغسطس الماضي نفذ فلسطينيون 1526 هجوماً، أما خلال العام الماضي 2021 فقد نفذ الفلسطينيون 4386 هجوما مختلفا، حسب ما يقول جهاز «الشاباك» الإسرائيلي.
وتنوعت الهجمات الفلسطينية التي تم تنفيذها خلال العام الحالي بين إطلاق نار وزجاجات حارقة وعبوات أنبوبية ورشق حجارة وإضرام نيران وعمليات دعس وطعن أدّت في مجملها إلى مقتل 19 إسرائيليا وإصابة 62 آخرين.
وقال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني ساري عرابي إن «هناك نمطا جديدا منظما من الهجمات الفلسطينية التي تشهدها الأراضي المحتلة، وهو نمط عابر للفصائل وتشترك فيه عناصر هذه الفصائل من دون أي حساسيات حزبية، وهذا النمط هو الموجود حالياً في منطقة جنين ونابلس وربما ينتقل إلى مناطق أخرى، والفصائل تقدم الدعم لهذا العمل، وهذا يعني أن هناك تطورا في العمل المقاوم».
وأضاف عرابي في حديث خاص مع «القدس العربي» أن «حالة المقاومة ظلت تتطور عبر هبات متنوعة منذ العام 2015 حتى أخذت هذا الشكل الجديد في شمال الضفة الغربية».
لكن عرابي يستدرك بالقول: «أما انتفاضة بالمعنى الكلاسيكي فمن المبكر الحديث عنها، لأنها تحتاج إلى شروط موضوعية إذا كان الحديث عن نموذج شبيه للانتفاضة الأولى أو الثانية، حيث أن الأولى كانت هبة شعبية تقوم على الاشتباك المباشر مع الجنود الإسرائيليين، وهذا الأمر كان متاحاً لأن جنود الاحتلال وشرطته كانوا يتواجدون في أماكن الكثافة السكانية، كما أن الانتفاضة الثانية كانت تقوم على العمل المسلح وما ساعد على نجاحها هو وجود المناطق أ، كما ساعد على تلك الانتفاضة انخراط واسع من قبل السلطة الفلسطينية ووجود قرار سياسي من قبل قيادة السلطة بهذا الشأن».
ويقول عرابي إن «هذه الشروط والظروف غير موجودة حالياً، وبالتالي فإن تحول التوتر الحالي في الضفة الغربية إلى انتفاضة شاملة يحتاج إلى شروط ما زالت غير متوفرة».
وحسب عرابي فإن الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية هو «تحفز أمني إسرائيلي في مقابل حالة مقاومة، بمعنى أن التصعيد الإسرائيلي موجود دائماً، مثل الاقتحامات والتهويد في القدس والاعتقالات وتغول المستوطنين واعتداءهم على حياة الفلسطينيين، لكن الجديد الآن هو أن إسرائيل مستفزة بسبب ازدياد الهجمات التي يشنها الفلسطينيون بشكل مستمر والتحول في الوضع بالضفة الغربية».
ويؤكد عرابي أن «التحفز الأمني والاستنفار الإسرائيلي من الواضح أنه غير قادر حتى اللحظة على تفكيك حالة المقاومة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، وهو ما يعني أننا في مرحلة تشهد نوعاً من الغموض، لكن التجربة السابقة تؤكد بأن التصعيد الإسرائيلي يؤدي إلى زيادة الغضب الفلسطيني وليس التهدئة».
ويتفق المحلل السياسي، والأسير السابق في السجون الإسرائيلية، محمود المرداوي مع عرابي في أن الأراضي الفلسطينية تشهد هبة جديدة من العمليات، وقال إن «العمليات الفردية التي يطلق عليها الاحتلال اسم عمليات (الذئب المنفرد) تأتي في سياق اجتماعي عام تخرج من مساحات بعيدة عن الرادار الإسرائيلي، وهو ما يعني أن هذه العمليات ارتفعت كفاءتها».
ويشير المرداوي في حديث خاص مع «القدس العربي» إلى أن منفذي العمليات الفردية ليسوا في الوقت ذاته بعيدين عن الأحزاب والحركات والفصائل، وإنما هم بعيدون عن عمليات الرصد الإسرائيلية التي تستهدف أشخاصاً متوقعين مثل الأسرى المحررين.
لكن المرداوي يقول إن «التطورات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية يمكن أن تنتهي إلى اندلاع انتفاضة، ولكن ليس بالضرورة أن تكون الانتفاضة المقبلة متشابهة مع السابقة، حيث أن كل انتفاضة كانت لها ظروفها وشكلها ومعاييرها، وكانت تعبيراً عن المرحلة التي حدثت بها». ويؤكد الأسير السابق المرداوي أن «ما يحدث قد يكون مقدمة لهبة أو انتفاضة مقبلة».
وهو يستبعد أن ينجح الإسرائيليون في التغلب على الشارع الفلسطيني، مستذكراً بأن «الاحتلال بدأ قبل عدة شهور بعملية عسكرية أطلق عليها اسم (كاسر الأمواج) ومع ذلك فلم ينجح في منع مئات العمليات الفلسطينية».
وكان الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع للجامعة العبرية عوفير شيلح نقل عن مسؤولي الأمن في الجيش وجهاز الشاباك قولهم مؤخراً إن «الوضع في الضفة الغربية قد يتدهور في أي لحظة».
وأضاف شيلح في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية: «هذا هو نتيجة مجتمع (فلسطيني) محبط، مليء بالأسلحة النارية، ويخضع للسلطة الفلسطينية الضعيفة، لكن هذا مجرد جزء صغير من الصورة الكاملة، لأن خبراء الأمن لا يتابعون سوى الجانب العسكري للقضية».
وتابع الباحث الإسرائيلي «إذا كانت هناك قضية واحدة لا تحظى باهتمام كلا جانبي الساحة الحزبية في إسرائيل (اليمين واليسار) فهي الشعور بأن المشكلة الفلسطينية لا تهم أحدا ولا تحظى بأي اهتمام في الحملات الانتخابية».
وأضاف: «حتى مع المعلومات الاستخباراتية التي قدمها الشاباك والاقتحامات المستمرة على الضفة الغربية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي ستبقى المشكلة داخل الجيوب الفلسطينية ولن تحل أي شيء».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية