يشهد العام 2022 تصاعداً في استهداف الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين في الضفة الغربية، وارتفاعاً بأعداد الشهداء، بمعدلات هي الأعلى منذ العام 2015. ورغم الضغوط الأمريكية على إسرائيل لتخفيف ما يسمى بـ «قواعد الاشتباك» بعد استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، إلا أن حكومة وجيش الاحتلال رفضا ذلك، واعتبرا أن أي تغيير قد «يعرض حياة الجنود للخطر».
لا يمكن اعتبار السلوك الميداني للجيش الإسرائيلي عشوائيا أو طارئا، بل هو جزء من عملية ممنهجة متكاملة لاستفزاز الفلسطينيين والتضييق عليهم في إطار رؤية السياسة الصهيونية لإدارة الصراع، تتكامل فيها سياسات الحكومة المتصلة بالاستيطان والسياسات أحادية الجانب، مع انفلات المستوطنين واستباحتهم شوارع الضفة الغربية، خاصة في شمالها، ولا تبتعد عنها عملية كسر ضوابط التعامل مع الحرم القدسي الشريف، واستباحته بشكل مدروس وتراكمي، مع إهمال شبه تام لوجود السلطة الفلسطينية، وتجاوز لوجودها في مراكز المحافظات الفلسطينية على الأقل. ورغم أن ممارسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين متجذرة بعنفها وإقصائيتها، إلا أن تصاعدها مؤخراً مثير للانتباه.
تركيبة حكومية إسرائيلية هجينة
شكلت تركيبة الحكومة الإسرائيلية السادسة والثلاثون، والتي تكونت من عدة أحزاب من اليمين والوسط واليسار منتصف تموز 2021 انعكاساً لأزمة الحكم في إسرائيل، والتي أفضت بدورها لتشوه في رسم سياسات هذه الحكومة المتصلة بالملف الفلسطيني، لتضحى سياسات مبنية على التسويات. إذ رمت أحزاب الائتلاف، خاصة الكبرى منها، للحفاظ على بقاء حكومتهم، وضمان عدم الذهاب لانتخابات مبكرة أو عودة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو للحكم. ما جعل هذه التسويات تذهب لمنافسة الليكود اليميني بيمينيته.
تحول الكنيست إلى ساحة استعراض قوة متطرف بين الائتلاف الحاكم والليكود، ما أدى لخروج العديد من الأحزاب اليسارية- على هشاشتها- عن مبادئها، فعلى سبيل المثال، لم تقف ميرتس ضد قانون «يهودا والسامرة» المرتبط بفرض القانون الإسرائيلي على الضفة المحتلة، مثلها مثل القائمة العربية الموحدة. وفي ذات السياق، لم تظهر مواقف ميرتس والعربية الموحدة مع العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع، فالأولوية بقاء الائتلاف لا تثبيت المواقف.
لا يبتعد هذا الواقع عن هجرة السياسة الإسرائيلية بشكل عام من اليسار والوسط إلى اليمين، وهذا ما تعكسه استطلاعات الرأي الأخيرة التي تشير إلى وصول تحالف المتطرفين اليمينيين سموترتش وبن غفير إلى 12 مقعدا بالحد الأدنى، وهما طارئان على السياسة الإسرائيلية بالمجمل، مقابل معاناة حزب العمل اليساري العريق في تثبيت خمسة مقاعد. ووفقاً لما رصد الباحث عليان الهندي، سنكون أمام تجليات هذه التحولات في تركيبة الكنيست المقبل، فمن المتوقع أن يصل في الانتخابات حوالي 25 عسكريا سابقا، منهم أربعة جنرالات، إلى جانب 15 عضو كنيست من المستوطنين. وباستثناء 18 عضواْ من الأحزاب العربية وميرتس والعمل، من أصل 120 عضواً، فإن تركيبة الكنيست القادمة تراوح ما بين اليمين ويمين الوسط الرافضان لقبول الفلسطينيين، أو القابلان للفصل أحادي الجانب بأحسن الأحوال.
الدولة في خدمة مشروع المستوطنين
ان تمثيل المستوطنين في الكنيست، وتمثيلهم وحضورهم المتصاعد في منظومة الحكم والمؤسسة الأمنية، جاء تراكمياً، ويكفي الإشارة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت شغل منصب مدير عام مجلس المستوطنات سابقاً. وشهدت السنوات الأخيرة حضوراً أكثر بروزاً وقوة للمستوطنين كجماعة منظمة متناسقة التحركات، تنظم عملها عبر مؤسسات ومجموعات ومنظمات وجمعيات أبرزها مجلس المستوطنات ولجنة الحاخامات، ومنظمات شبيبة التلال، كما تستثمر حضورها في الأحزاب الكبرى لتوفير الغطاء اللازم لمشاريعها، فعلى سبيل المثال يشكل المستوطنون ما يصل إلى ربع منتسبي حزب الليكود بالمجمل.
قاد تحول المشروع الاستيطاني من خدمة الدولة إلى قلبها، لتسخير مؤسسات النظام السياسي لخدمة هذا المشروع، ولرؤية للأرض المحتلة والفلسطينيين من خلال عيون المستوطنين ووفق متطلباتهم. من هنا يمكن فهم تصاعد عنف المستوطنين وتكامله مع سلوك مؤسسات وجيش الاحتلال. فقيام المستوطنين بحوالي 761 اعتداءً على الفلسطينيين في العام 2020 مهد لها بكل تأكيد إحراق عائلة دوابشة عام 2015 من قبل مستوطنين من دون عقاب، ويتصل مع قطعهم لشوارع الضفة من شمالها وحتى وسطها خلال الشهر الحالي، وتوالي مظاهراتهم واعتداءاتهم على القرى والمدن الفلسطينية، ومحاولاتهم منع رفع العلم الفلسطيني في بلدة حوارة قرب نابلس وسط مواجهات عنيفة وبحماية جيش الاحتلال خلال شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو الفائتين. ما يجعل هذه الاعتداءات متكاملة مع تصاعد القتل من قبل الجيش، تقع بشكل تكاملي وتراكمي.
إدارة الاحتلال وتأجيج الميدان
في مقابلته الصحافية الأولى بعد عودته من كامب ديفيد عام 2000 قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، أنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام، تحولت مقولة باراك إلى جزء مؤسس في رؤية إسرائيل للتعامل مع الفلسطينيين، والتي أضحت أحادية تفرض من أعلى عبر الاحتلال، دون انتظار أية شراكة مع الفلسطينيين. لم تتزحزح هذه القناعة حتى مع العودة للتفاوض وما واكبها من زخم دولي بين عامي 2005 و2013. ووفقاً للرؤية الإسرائيلية فإن التعامل المباشر مع الفلسطيني هو الأنجع، من خلال فرض منظومة تسهيلات قابلة للتجميد أو الانتزاع كعقاب فردي. وهذا ما يفسر استمرار تصاريح العمل والتنقل التجاري بين الضفة والداخل حتى مع ذروة عمليات الاحتلال، وهو ما يفسر أيضاً التضخم الهائل في حجم وصلاحيات ومساحات عمل الإدارة المدنية خلال العشرية الأخيرة.
إن المقاربات الإسرائيلية الأخيرة للحل السياسي مع الفلسطينيين تتمحور حول سؤال مركزي: ما هي أنجع طرق الانفصال عن الفلسطينيين بأقل تكلفة؟ وإن كان نتنياهو قد ذهب لمقاربة السلام الاقتصادي، فإن بينبت اقترب من فكرة تقليص الصراع، وهي مقاربات فرضت نفسها حتى على مبادرات الولايات المتحدة، ولم تخرج من قالب إدارة الصراع.
إن إدارة الصراع يتطلب سلطة فلسطينية شديدة الضعف، لا تمتلك الأدوات ومجبرة على الاستجابة من أجل المحافظة على قدرتها للإيفاء بالتزاماتها، بالحد الأدنى على الأقل. ولهذا الغرض تعرضت السلطة لمتوالية تضييق اقتصادي وسياسي جعلتها تعمل على حافة الهاوية، وتنغمس في إدارة الأزمات، على حساب البحث عن إحداث تنمية وتطوير برنامجها السياسي. لكن ومع تراجع حدود قدرة السلطة الفلسطينية، وجدت حكومة بينيت، ومن بعده لابيد، نفسها أمام واقع فرضته يقوم على تأجيج الصراع التراكمي.
جز العشب وجيل جديد
تسعى إسرائيل ومنذ أفول مشروع الرباعية الدولية السياسي في العام 2013-2014 ولما تسميه «جز العشب» عبر استخدام القوة لمنع تحول أية حالة مقاومة فردية إلى حالة منظمة، تعيد الفلسطينيين لمربع انتفاضة الأقصى، لكن بالمقابل، توالت وتراكمت حالة الوعي والاشتباك الفلسطينية خلال الأعوام الأخيرة، والتي بلغت ذروتها في هبة الكرامة و«الهروب الكبير» للأسرى من معتقل جلبوع.
راكمت الفجوة بين الواقع والآمال الفلسطينية، من حالة الإحباط والاحتقان لدى جيل لم يشهد انتفاضتي الحجارة والأقصى، وجعلت من هذا الجيل يذهب لمقاومة فردية في مناطق تحولت لحواضن سمحت بتطور هذه الظاهرة، أهمها مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس. ومع تطور الظاهرة كان الاحتلال يجد نفسه أمام رمزيات متشكلة من جيل جديد لا يمتلك قيادة ولا تنظيماً، ما جعل الاشتباك يأخذ شكلاً أكثر حدة ووضوحاً.
ففي مقابل سعي إسرائيل لوأد المقاومة الفردية، بدأت ملامح التنظيم المحدود تظهر، فيما يمكن أن نسميه بـ «الفوضى المشتبكة» حالة اللاقيادة واللاتدريب المصحوبة بوضوح القرار في المقاومة والاشتباك لدى هذا الجيل. وفي خضم سعيها لعزل هذه حالات، حافظت حكومة الاحتلال على «التسهيلات» لضمان عدم التحاق مزيد من الشبان بهذا الجيل من المقاومين.
ماذا بعد؟
لا تشير المعطيات إلى تراجع متوقع في الاستهداف الإسرائيلي للفلسطينيين، ولا تشير المعطيات أيضاً إلى قدرة الاحتلال على إنهاء «الفوضى المشتبكة» التي قد تنتقل من مكان إلى آخر ككرة الثلج. تدرك إسرائيل قدرة هذه الحالة على التنقل، وتخشى مع المستوطنين من عودة استهداف المستوطنين في الطرق الالتفافية، وهذا سيناريو ليس بعيداً في ظل المقاربات القائمة، فهل الواقع مرشح لتصعيد شامل؟ هذا ما سيجيب عليه الميدان خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.