«البقاء بعيدا» وصفة السلامة من جرائم المستوطنين عفا عليها الزمن

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

نابلس-»القدس العربي»:  يظهر فيديو اقتحام رعاع المستوطنين المتطرفين لمدرسة حوارة الثانوية للبنين جنوب شرق مدينة نابلس طالبا يسأل أستاذه: «شو أعمل يا أستاذ؟» يجيب الأستاذ والخوف في صوته: «خليك بعيد».

وعلى بساطة الموقف وتقليدية الجواب الذي قاله الأستاذ الخائف على نفسه وطلبته من المستوطنين، فإن الجواب أصبح فاقدا للمعنى والتأثير أو الفعالية، فالمستوطنون وصلوا المدرسة واقتحموا أسوارها أيضا، وبالتالي ليس هناك من مجال لأن يكون الطالب بعيدا.
في ذات الهجمة التي نفذت قبل أربعة أيام أصيب مدير المدرسة وطالبين أيضا.
ورويدا رويدا يبدو أن فكرة أن يظل الفلسطيني بعيدا عن المستوطنين لا يمكنها أن توفر الأمن لهم، كما لا يمكنها أن تحميهم من جرائم المستوطنين التي تزايدت الأسبوع المنصرم بشكل ملحوظ، فالوصفة التقليدية للسلامة عفا عليها الزمن حسب نشطاء تحدثت معهم «القدس العربي».
وحسب خبراء فإنه أصبح للمستوطنين دولتهم الخاصة إلى جانب دولة جيش الاحتلال في الضفة الغربية التي يتكاثرون فيها على مختلف التلال والمرتفعات من الخليل جنوبا وصولا إلى نابلس شمالا.
يدعم فكرة انعدام أمن الفلسطيني في ظل تنامي «دولة المستوطنين المتطرفة» الهجمة التي نفذها مستوطنون، الجمعة، في قرية المزرعة الغربية شمال غرب رام الله على منزل المواطن محمد صالح شريتح. فعقب محاولة الأهالي صد هجومٍ للمستوطنين على المنزل تدخل الجيش بالرصاص الحي وقتل الفتى مهدي لدادوة (17 عاما).
لقد جن الأهالي بعد أن رأوا قوات الاحتلال تطلق النار على الطفل لدادوة، وبعد أن وصل الإسعاف وحاول توفير العلاج الأولي له قام الجنود بمحاولة سرقة الطفل الجريح، ودارت اشتباكات عنيفة مع الجنود كادت أن تتحول إلى مجزرة بعد أن أطلق الجنود النار في الهواء.
وحسب ما أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني، فقد أصيب أكثر من 50 مواطنا في مواجهات مع جيش الاحتلال في القرية الصغيرة قضاء رام الله.
أما عملية استعراض بسيطة لمسار وقائمة هجمات المستوطنين من جنوب الضفة الغربية إلى شمالها خلال الأيام القليلة الماضية تظهر بما لا يدع مجالا للشك أن فكرة أن يكون الفلسطيني بعيدا عن المستوطنين ليست حلا في ظل أن المستوطنين أصبحوا جزءا من تفاصيل حياة الفلسطيني وممارساته اليومية.
هنا يشير حسن أيوب، الباحث والمحلل في الشأن الفلسطيني، والمتخصص في مسائل حل الصراعات، أن تصاعد هجمات المستوطنين مرتبطة بمتغيرين، الأول نوعي، وهو يرتبط بالديموغرافيا، حيث اقتربت أعدادهم على المليون في الضفة والقدس. أما المتغير الثاني فيرتبط بعلاقة المليون مستوطن مع الفلسطينيين، والحديث للباحث أيوب «لقد أصبحوا جزءا من حياة الفلسطيني: مكان السكن، التنقل، أماكن العمل، فكل ما عدا المدن الرئيسية أصبح مسيطرا عليه من المستوطنين، والفلسطينيون يتواجدون بالقرب وفي قلب ما يسيطر عليه المستوطنون».
في مقابل هجمات المستوطنين في نابلس ورام الله هاجم مستوطنون، مساء الخميس الماضي، خربة الفارسية في الأغوار الشمالية، وأغلقوا طرقا رئيسية في المحافظة، ومن ثم شنوا هجوما بحماية الجيش الإسرائيلي على مزروعات الفلسطينيين.
وفي ذات المساء هدم مستوطنون في ساعة متأخرة من الليلة الماضية، خيما سكنية، ودمروا وحدة خلايا شمسية، وخزان مياه، بخربة الفارسية في الأغوار الشمالية، أما في عين البيضاء فقد قام المستوطنون بتدمير المزروعات وقلعها وسحب تمديدات المياه منها وتمزيق البيوت البلاستيكية الزراعية.
كانت الهجمات كبيرة جدا، إلى الحد الذي دفع بالسكان إلى وصف أحداث الهجوم «بالغزوة» في ضوء عدد المستوطنين الذين شاركوا بالهجمات وطبيعة الاعتداءات التي نفذوها، وكل ذلك بحماية الجيش الإسرائيلي.
أما في الخليل فقد حطم مستوطنون، الجمعة، أشجار زيتون في أراضي المواطنين المحاذية لمستوطنة «كريات أربع» شرق الخليل.
وقال المواطن عبد الكريم الجعبري، إن مستوطنين حطموا أشجار زيتون في أرضه، بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، كما منعوه وعائلته من تفقد الأرض. وأضاف أنه تمكن من مشاهدة نحو 8 شجرات معمرة محطمة، موضحا أنه يمتلك 8 دونمات مزروعة بأشجار الزيتون، لا تبعد عن «كريات أربع» سوى 20 مترا.

ماذا تقول الأرقام؟

آخر الإحصائيات الفلسطينية صادرة عن المدير العام لمعهد الأبحاث التطبيقية- القدس «أريج» جاد اسحق، وفيها قال إن عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (199) تضاف لها 220 بؤرة استيطانية، يقطنها 913 ألف مستوطن منهم (350000 مستوطن في القدس الشرقية المحتلة).
وبين الباحث جاد أن المستوطنين نهجوا نهجا جديدا في الاستيلاء على الأراضي من خلال إنشاء بؤر رعوية، وعلى الأخص في منطقة غور الأردن، حيث أقيمت 21 بؤرة استيطانية بشكل غير قانوني في المنطقة. كما بين أن مساحة المستوطنات تبلغ (542 كم مربعا)، وطول الطرق الالتفافية (946 كم).

إغلاق نابلس

يعلق مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية غسان دغلس على أحداث الأسبوع الماضي في مدينة نابلس التي شهدت أعنف المواجهات وأطولها مدة زمنية، حيث يقول إن المستوطنين عمليا قاموا بإغلاق مدينة نابلس ليومين بفعل الإغلاقات التي قاموا بها على الحواجز الاحتلالية.
ويقول دغلس في تصريحات صحافية أن نابلس عانت من حالة حصار واعتداء متواصل لمدة 76 ساعة، حيث أغلقت المدينة حوالي 40 ساعة من مجموعات زعران المستوطنين التي تطلق على نفسها جماعة «تدفيع الثمن» وجماعة «شباب التلال».
ويضيف إن الأمور خرجت عن فكرة الاعتداء على مواطنين أو مزروعات إلى تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بالكامل.
«كل المحافظة تغلق عندما يغلق المستوطنون إحدى الحواجز الرئيسية في حوارة» حسب دغلس.
ولا يرى دغلس هجمات المستوطنين برد فعل على عمليات المقاومة، فهي سبقت عمليات المقاومة بسنوات، لكنه يراها في ظل الضوء الأخضر من الحكومة الإسرائيلية اليمينية، كما أن المستوطنين ازداد تدريبهم ويرافقهم الجيش في أغلب الأوقات وهو ما يجعلهم ينفذون برنامجا مخططا وليس مجرد هجمات عشوائية.
ويسرد قائلا: «لقد جرفوا 30 دونما من أراضي بلدة بورين في تمام الساعة 11 ليلا. لقد حرقوا أشجار ليلا في حواره، أنهم يعملون ليلا ونهارا وبطريقة منظمة بفضل الامكانيات الكبيرة التي لديهم وفي ظل مرافقة الجيش لهم في كل الخطوات».
ويضيف: «للمستوطنين وزراء ومخططون لهم، وإذاعات ومحطات تلفزيونية، إنهم جيش في مقابل جيش الاحتلال، إنها دولة الاستيطان التي تحكم دولة الاحتلال على الأرض».
ويؤكد أن الهجمات هذا العام ارتفعت عن العام الماضي 150في المئة قبل أن يحل موسم الزيتون، والمعروف أن الهجمات تتضاعف في هذا الموسم.
وحسب باحثين فلسطينيين فإن هجمات المستوطنين الممنهجة والممتدة من سنوات تستند على عقيدة دينية تلمودية لدى المستوطنين، وهو ما يجعل من التعامل معها بالمسألة المعقدة ويجعل من كل الفلسطينيين ضحايا للهجمات التالية.
وفي آخر إحصائية لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان فقد نفذ المستوطنون في أيلول/سبتمبر الماضي ما يقرب من 885 اعتداءً، منها 179 في محافظة رام الله، و121 في منطقة جنوب نابلس.

وحدة الميدان وتصعيد المقاومة

الباحث أيوب يرى أن آلية تعاطي الفلسطينيين مع المستوطنين يجب أن تتغير في ظل ما يمتلكه هؤلاء المستوطنون، فهم يمتلكون كل العوامل اللازمة لفرض إرادتهم بشكل شبه مطلق.
وفي بيان صحافي طالبت حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية بتوحيد الصفوف في مواجهة جرائم المستوطنين، والعمل على تصعيد وتيرة المقاومة.
وقالت المبادرة إن الغضب الشعبي يتفجر ازاء تكرار الجرائم التي ترتكبها قطعان المستوطنين، معتبرة أن الإجرام يستدعي الإسراع بتوحيد الصفوف شعبيا وفصائليا على برنامج كفاح وطني مقاوم والوقوف صفا واحدا في وجه الاحتلال والاستيطان.
وختم بيان المبادرة: «لا أمان يتحقق ولا استقرار لأبناء شعبنا إلا بطرد سوائب المستوطنين المجرمين والاحتلال من أرضنا الفلسطينية».
أما دغلس فيرى أن المطلوب هو موقف موحد من الكل الفلسطيني، «الاستهداف أصبح يشمل الجميع، ولا مستقبل لدولة فلسطين أو حلم التحرير في ظل بقاء المستوطنين».
وقال: «إذا كان هناك من فلسطيني غير مستهدف اليوم فإن اليوم الذي يصبح فيه مستهدفا قادم لا محالة، فالجميع مستهدف وهو ما يترتب عليه أن يكون الجميع في مواجهة المستوطنين».
وطالب بوحدة الميدان وتفعيل العمل الشعبي والتطوعي ودمج الجامعات فيه، لمواجهة قطعان المستوطنين بمد جماهيري كبير.
وختم: «إذا شعر المستوطن أن صاحب الأرض ليس لوحده فإنه سيخاف من الهجوم، كما أنه إذا ما استسلمنا للحاجز الذي يقوم المستوطنون بمنع مرورنا منه فإن المستوطنين سيعيدون الكرة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية