في الوعي الاسرائيلي لا يزال هناك اعتقاد أن «الشعب» منقسم بين كتلة اليمين وكتلة اليسار. ولكن لم يعد في اسرائيل مثل هذا التقسيم، ولا سيما لان اليسار الصهيوني كاد يختفي عن الخريطة السياسية. اما التقسيم الادق فهو بين اليمين الراديكالي واليمين المعتدل. وعلى الرغم من الصورة الذاتية للانقسام والانشقاق، اسرائيل هي مجتمع يسود فيه اجماع واسع. أغلبية هائلة فيه تعتقد أن السلام لا ينسجم مع الامن. فمنذ أن اعلن عن هذا المبدأ زعيم حزب العمل ورئيس الوزراء منه، ايهود (لا شريك) براك، كف عن ان يكون صخرة الخلاف واصبح شيئا ما «مفهوما من تلقاء ذاته» لا توجد أي حاجة لاثباته.
ان أمن الدولة هو خليط من عوامل عديدة: القوة الاقتصادية والعلمية ـ التكنولوجية، التراص الداخلي المنوط بتقليص الفوارق، القوة العسكرية وقدرة المناورة السياسية المنوطة بوجود حلفاء متنوعين. في اسرائيل استبدلنا هذه التعقيدات بالتبسيطات ـ إما أو. واذا كان الخيار هو بين الحياة (الامن) والموت (التسوية)، نختار الحياة.
من اجل تعزيز هذا الفهم، الذي يدفع حتى أناس لا يؤمنون ايديولوجيا بالضم وبالجمود السياسي لتأييدهم عمليا، والذي يثبت الخطاب الامني بصفته الخطاب الوطني ـ الواقعي الوحيد، فاننا نحتاج إلى تهديد «وجودي» صبح مساء. ويكاد يكون كل شيء ينجح في أداء المهامة ـ من انفاق حماس الهجومية، التي تحولت من مشكلة تكتيكية إلى تهديد على مجرد وجود دولة اسرائيل، حتى التحول النووي الإيراني. ولا ينبغي ابدا اجراء بحث واقعي في التهديدات (فالسيناريو الاسوأ هو الوحيد المسموح بالايمان به) وبالطبع لا ينبغي اجراء أي بحث في الاحتمالات (خطوات سياسية أجرها معها؟ اوهام). الوطن في خطر.
التهديد الوجودي هو الجرس البافلوفي الذي كل رنين له يستفز غدد الخوف الاسرائيلية ويسمح باصلاح الانحراف عن دين الامن عندنا. نلوح بالتهديد، وعلى الفور ينمحي كل اعتبار آخر. ويرتدي الجميع سترات الجلد ويسارعون إلى الاعلان عن تأييدهم لكل ما تيسر، كي يوضحوا بانهم لا يتعاونون مع القوى التي تهدد مجرد وجودنا.
هذا لا يعني أن قوى المعارضة ليست على وعي بحقيقة أن التهديد الوجودي هو ورقة تين يختبىء وراءها الفكر المسيحاني لضم الاراضي لاسباب ايديولوجية ـ اجتماعية (مساهمة المستوطنات في الامن هي صفر). هذا لا يعني انهم غير واعين لما في الخطوات الامنية المزعومة من سخرية مثل خطاب نتنياهو امام الكونغرس في واشنطن. هم على وعي، ولكن بالفهم العميق تقصر يدهم عن النجدة. أولا، هم ايضا شركاء في الوهم السائد في انه ليس لعدم حل «المشكلة الفلسطينية» ثمن. هذه المشكلة يمكنها دوما أن تنتظر بينما «نسعى إلى الحل». ثانيا، الاجماع الاسرائيلي يشلهم.
في السلم الجماهيري الاسرائيلي، من يطلق الاصوات الامنية الاكثر حزما، مهما كانت المخاطر عابثة، هو دوما اكثر وطية ممن يتحدث باسم الاعتدال او يتجرأ على التفكير بالدبلوماسية. الدبلوماسية في اسرائيل هي دوما ميونخ (او اوسلو). من يؤمن بها مشبوه بالتضليل الذاتي او بتضليل الجمهور. والان ايضا، عندما يطلق النقد على خطاب نتنياهو، فانه ينطلق ليس باسم النظرة الواعية للخطوات الامريكية في مواجهة إيران، بل باسم التهديد الوجودي البديل (تخريب العلاقات مع الولايات المتحدة).
في كل هذه الجلبة الاعلامية نواصل تجاهل موضوع مركزي واحد: التهديد الاكبر الذي نقف امامه ليس على مجرد وجود دولة اسرائيل، بل على طبيعتها كمجتمع منفتح وعادل. فالمفهوم الامني المصاب بجنون الاضطهاد والذي يطرحه سياسيون مثل نتنياهو وبينيت قد لا ينسى «الحياة نفسها»، ولكن الحياة التي يعدها لنا تغدو أقل فأقل احتمالا.
يديعوت 4/3/2015
أفيعاد كلاينبرغ