التطـرف الدينـي في بـلاد الغرب الأوروبي، له تـاريخ قاتم السـواد، ينضـح مآسـي وآلاما، أستمر قرونا طويلة قبل أن يخبو لهبه في القـرون الأخيرة.
بلغت ذروة ذلك التطرف بإنشاء محاكم التفتيش في إسبانيا التي كانت معقلا للتطرف الديني المسيحي في أوج سطوة الكنيسية الكاثوليكية، التي بطش من خلالها الحكام بكل من يخالفهم السياسة والمعتقد والمذهب. ابتداءً من العرب الخارجين لتوهم من ذلك البلد الذي أطلقوا عليه بلاد الأندلس، وتعرض كلما يمت بصلة للدين الاسلامي بشر وحجر لعلميات واسعة النطاق من الاستبداد والاضطهاد والتطهير الديني والعرقي بحق من بقي هناك من المسلمين ،والعرب خاصة، بعد سقوط آخر معاقلهم (غرناطة)، وتدمير ومحو كثير من الآثار العمرانية الفريدة من مساجد وقصور ومباني تحمل الطابع الإسلامي، ومكتبات ثقافية وأدبية وعلمية وفلسفية لأبشع صور الاضطهاد والاستبداد الديني،ولم يبق إلا الشيء القليل من الشواهد التي تشير الى إمبراطورية كان أسـمها ملء السمع والأبصار ذات يوم بالضفة الأخرى للمتوسـط، سـادت ثم بادت من بعد قرون من الانتصارات قبل الانكـسارات.!
المذهب الكاثوليكي كان بحسـب كثير من المؤرخين هو موئل ومنطلق الاـستبداد الديني المسيـحي في عموم أوروبا وملهم التطرف الإسلامي المعـاصر ،لم يقتصر اضطهاده فقط على المسلمين في إسـبانيا بل طـال حتـى المسيحيـين انفسهم وبالذات اتباع المذهب البروتستانتي الذي ظهر كحركة اصلاحية واعدة في القرن السادس عشر وكامتداد لحركات إصلاحية سابقة وفكر لاهوتي مجدد ،أسسه الراهب الألماني القسيس(مارتن لوثر) نهاية القرن الخامس الميلادي بوجه الكنسية الكاثوليكية التي بلغت في استبدادها.
وتملكتها طرق الخرافات والشعوذة، مبلغا كبيرا إلى درجة اضحت معها سمعة الدين المسيحي نفسه على المحك ، كان أكثر هذه الطرق غرابة وعجرفة هو إصدار ما سمي بصكوك الغفران( الإندولجنتيا).!
أنشئت عدة وسائل قمعية في تاريخ تلك الكنسية منها محاكم التفتيش اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم. والتحقيق في البدع الهرطوقية، وهي محاكم سلطة قضائية كنسيه استثنائية،بلغت سطوتها الذروة بمحاكمات وأحكام إعدام طالت الآلاف من المعارضين السياسيين والدينيين وبالذات بحق البروتستانت في أسبانيا وغيرها.
تمدد التطرف وغلو حكم الكنسية الكاثوليكية تحديدا الى خارج جزيرة ايبيريا حتى بلغ شمال انكلترا ،مرورا بفرنسا وبلجيكا وبلاد الغال ووسط وجنوب القارة الاوروبية.
ففي ذروة حرب المئة عـام (1337م -1453م )التي دارت رحاها بين انكلترا وخصمها التقليدي حينها فرنسا بلغ علو كعب الاستبداد الـسياسي بجلباب الدين علوا كبيرا، إلى أن وصل الأمر بإعـدام المعـارضين بتهمة الخيانة والهرطقة بطريقة الحرق فضلا عن الطرق الشـنيعة المعروفة. واقعة الحكم الذي اصدرته الكنسية بإعدام الثائرة بوـجه الاحتلال الانكليزي لبلادها القديسة الفرنسية (جان دارك) في 30 أيار/مايو 1431م حرقا بتهمة الزندقة- الهرطقة- إلا دليلا على فظاعة ما مرت به أوروبا من تطرف وقمع، وشاهدا صارخا على الموطن الأصلي للتطرف الديني المغلف بالسياسي.
فمن يسبر أعماق التاريخ الاوروبي وأغواره وبالذات في القرون الوسـطى سيتبـدى لـه التطرف الدينيـة بأوضـح صـوره،وسيلحـظ كم أن التطرف الإسـلامي الذي يتجسد بجماعات متشددة عنيفة متوحشـة المنطق والوسيلة والذي يعصف اليوم بالعالم قد استقى واستلهم جزءا كبيرا من فكره المدمــر منه .جريمـة إحـراق الطـيار الأردنـي (معاذ الكساسبة) قبل شهرين على يد تنظيم الدولـة هي نسخة من واقعة حرق الفرنـسية (جان دارك) على يد الاحتلال الإنكليز. وظهور الجهادي الانكليزي، (جون) في سوريا والعراق وهو يلوح بساطوره وذبحه الصحـافي الأمريكي ستيفن سوتلوف وعامل الإغاثة البريطاني ديفيد هاينز وسائق التاكسي البريطاني آلان هينينغ وعامل الإغاثة الأمريكي عبدالرحمن (بيتر و الرهينتين اليابانيين إلا دليل آخر على ان الغرب وان لم يكن بقصد ولا بتشجيع من أنظمته الحاكمـة يظـل هو السـفر الذي يستوحي منه الشرق كل فنون القتل والدمار، ولايزال التطرف الشرقي اليوم يلوذ بكهف الحريات العامة ومتنفس الحقوق المتـاحة هناك ليستمد منه كل أسباب التطـرف بطـرق مباشـرة او غير مباشرة،مثل: الرسوم الكـاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد(ص)، وإصـرار أحد مراقص وحانات نيويورك على تسـمية نفسه باسم (Mecca ) مكة، وهي التسمية الموجودة باللغة الانكليزية لمكة المكرمة في موسوعة ويكيبيديا، التي رفضت أي الموسوعة تغيير الأسم الى الاسم الحقيقي للمدينة مكة المكرمة Makkah. هذان مثالان فقط وليس حصرا للزيوت والوقود التي تسقي لهب ولهيب التطرف في الشرق المسلم.!
صلاح السقلدي-عدن