زوبعة حول حجب «جائزة الشعر» في المغرب: اتهامات متبادلة داخل لجنة التحكيم… واتحاد الكتاب يدعو إلى الانتصار للشعرية المغربية

الرباط ـ «القدس العربي»: ما زالت قضية حجب جائزة الشعر من جائزة المغرب للكتاب لعام 2015 تثير ردود فعل مختلفة، ولاسيما بين عضوين من لجنة الشعر، وهما أحمد عصيد وحسن مخافي، حيث اتهم الأول الثاني بمحاولة الضغط عليه لمنح الجائزة إلى الشاعر محمد بنطلحة (الذي سحب ديوانه من المنافسة)، ليردّ مخافي على عصيد متهما إياه بأنه هو من كان منذورا للدفاع عن ديوان شعري معين، ومعتبرا أنه حين عجز عن ذلك أطلق إشاعة مفادها أن فرص فوز ديوان بنطلحة ضئيلة.
ودخل اتحاد كتاب المغرب على الخط، حيث أصدر بياناً دعا فيه وزارة الثقافة ـ باعتبارها الجهة الوصية على الجائزة ـ إلى تشكيل «لجنة جديدة للشعر»، للبت في الترشيحات المعروضة عليها سلفاً. وكانت لجنة التحكيم المكونة من ياسين عدنان ومبارك وساط وإدريس بلامين وحسن مخافي وأحمد عصيد، قد وصلت في مراحلها النهائية إلى التداول في ثلاثة دواوين، هي: «ألهو بهذا العمر» لوداد بنموسى و»وصايا.. لا تلزم أحدا» لمصطفى الشليح، و»أخسر السماء وأربح الأرض» لمحمد بنطلحة، قبل أن يفاجأ الرأي العام المحلي بسحب هذا الشاعر الأخير ترشيحه، وقيام لجنة التحكيم بحجب جائزة الشعر لهذا العام، بذريعة وجود تسريبات لمداولاتها، وهو ما أسال مدادا كثيرا داخل الأوساط الثقافية والإعلامية المغربية.

عصيد: «مخافي حاول الضغط علينا»

مع مطلع الأسبوع الجاري، اندلع السجال مجددا انطلاقاً من «التوضيح» الذي عممه أحمد عصيد (رئيس لجنة الشعر) على عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية، تحت عنوان: «من أساء إلى الشعر وإلى جائزة الشعر؟»، حيث وجّه الاتهام مباشرة إلى حسن مخافي، معتبرا أنه نقل مناقشات اللجنة ومداولاتها السرية إلى أحد الشعراء المتبارين من أجل الجائزة (في إشارة إلى محمد بنطلحة) أو إلى دار النشر التي قامت بترشيحه، ما أدى بهذا المبدع إلى سحب ديوانه، معتقدا أن النقاش داخل اللجنة يسير في اتجاه عدم منحه الجائزة، معتبرا ذلك ربما «إهانة» له، بينما الحقيقة أن الديوان المعني كان ضمن الدواوين الثلاثة الأخيرة المرشحة للفوز، وما تم تسريبه كان عبارة عن انتقادات وجهت لديوان الشاعر المذكور من بعض أعضاء اللجنة، وهي انتقادات وجهت لباقي الدواوين المتبارية، مثلما قال عصيد.
وتابع قوله إن مخافي «اقترف خطأ آخر لا يُغتفر، وهو إخبار مبدعين آخرين بما يجري، مما حدا ببعضهم إلى الاتصال بأعضاء اللجنة من أجل الضغط عليهم لإعطاء الجائزة للشاعر المذكور، معتبرين عدم فوزه «سابقة» ، كما لو أن من مبادئ الجائزة أو ثوابتها منح الجائزة للمشاهير عوض منحها للشعر، ومستعملين الترهيب عبر الادعاء بوجود «شاعرة توزّع الأموال لكي تفوز»، وهو ما يعني أنه في حالة ما إذا لم تُعط الجائزة للشاعر المذكور فإن أعضاء اللجنة «مرتشون»، وهذا غاية الغلط الذي يصل إلى حدّ المسّ بكرامة هؤلاء الأعضاء ومصداقيتهم».
وأفاد عصيد بأن العضو الذي سرب مداولات اللجنة حاول الضغط عليه شخصياً وبشكل مباشر داخل وزارة الثقافة، بعد الخروج من الاجتماع الثاني للجنة، حيث قال لي بالحرف: «إذا لم نعط الجائزة للشاعر محمد بنطلحة فسنتعرض لهجومات من الجميع لأنه لا أحد سيقـبّـل بذلك». وتابع عصيد موضحا أن المعيار الذي اعتمدته اللجنة عند بدء أعمالها هو معيار «الشعر ولا شيء غير الشعر»، ما يعني أن الجائزة لا تعطى للأسماء اللامعة ولا للمسار الأدبي، بل للنصّ الشعري بتجرد وموضوعية، وبدون مجاملة لأحد أو تفضيل أو تمييز إيجابي يعتمد أسبابا خارج الشعر.

مخافي: «عصيد لم يدافع عن أي عمل بالأمازيغية»

حسن مخافي ردّ على هذه الاتهامات الثقيلة التي كيلت له، معتبرا أن أحمد عصيد جعل منه ـ بین عشیة وضحاها ـ عضوا استثنائیا داخل لجنة الشعر، یمتلك حق توجیه عمل اللجنة. في حین أنني ـ يقول مخافي ـ لم أكن سوى واحد من خمسة أعضاء. قد یكون لي رأي خاص، أسوة بباقي الأعضاء، ولكنني في جمیع الأحوال لا أمتلك إمكانیة استمالة الآخرين كي یتبنوا هذا الرأي بمن فیهم أحمد عصید، ولا أرضى ذلك لنفسي. والحال أن قرار حجب الجائزة قد اتخذ بالإجماع.
وأضاف أن عصيد «الذي يفكر بنظرية المؤامرة، أبى إلا أن یشیطن عمل لجنة الشعر الذي كلف الزملاء من أعضائها ساعات طوالا من الجهد والوقت، كي یبرر فیما یبدو عجزه عن الوفاء بوعد قد یكون قطعه على نفسه تجاه جهة ما».
وتابع مخافي قوله: «یزعم عصید أن ما دفع الشاعر محمد بنطلحة إلى سحب ترشیح دیوانه یعود لعمل مدبر، یتمثل في أنني سرّبت مداولات اللجنة إلى الشاعر أو الناشر. وللتذكیر فإن عملية السحب تمت في وقت اختارت فیه اللجنة بالإجماع دیوان بنطلحة ضمن ثلاثة أعمال كان من المفروض أن تبث فیها. مما یعني أن سبب السحب كان یعود لدوافع أخرى غیر ما ذهب إلیه التوضیح المزعوم». وتابع متسائلا: «لماذا لا یكون عصید الذي لم یرشّح الشاعر بنطلحة لنیل الجائزة في أی مرحلة من مراحل الانتقاء هو من أشاع أن حظه في الفوز ضئیل، مما حدا بالناشر إلى سحب ترشیحه، وبهذا یتخلص عصید من حاجز كان یقف دون الوصول إلى هدفه المبيت. ومن كانت له مصلحة في أن یسحب الشاعر بنطلحة عمله، هل هو من یدافع عن أحقیته في نیل الجائزة أو من لم یرشح عمله على الإطلاق؟».
ولاحظ حسن مخافي أن «شیطنة عمل لجنة الشعر لم تقتصر على الزعم بوجود تسریب لمداولات اللجنة، بل طالت أشخاصا آخرین قال أحمد عصید إنهم مارسوا علیه ضغوطا كي یمنح الجائزة لبنطلحة، واصفا ذلك بأنه ابتزاز. وعصید هنا یسوق نفسه باعتباره صاحب القرار في إسناد الجائزة لهذا الشاعر أو ذاك، في حین أن الأمر موكول بالتساوي لكل أعضاء اللجنة. وبغض النظر عن تضخّم الذات الذي یعبّـر عنه الرجل، فإن العبرة لیست في أن فلانا قد اتصل بعلاّن لصالح مرشحة أو مرشح، بل العبرة في الأخذ بهذا الاتصال من عدمه.
ولكن عصید الذي یعتقد أنه یمتلك الحل والعقد داخل اللجنة توّهم أنه وحده من تلقى اتصالات هاتفیة». ويقرّ مخافي بأنه شخصیاً تلقى اتصالات هاتفیة من أشخاص یحتلون مكانة في الواجهة الثقافیة لصالح عمل غیر عمل محمد بنطلحة، ولكنه لم يعر اهتماما لهذه الاتصالات التي اعتبرها «عادیة» في مثل هذه المواقف .
وردّ مخافي على اتهامه بمحاولة الضغط من أجل فوز محمد بنطلحة بالجائزة، حيث وجّه الاتهام نفسه لأحمد عصید، قائلا إن هذا الأخير «عجز عن إقناع أعضاء اللجنة بالعمل الشعري الذي كان منذورا للدفاع عنه، فراح یبحث عن مشجب یعلق علیه فشله في الوفاء «بالتزاماته» تارة بالقول إن مداولات اللجنة قد تم تسریبها وتارة أخرى بالزعم بأنه تعرض لضغوط ما».
وأوضح أن اختيار عصيد لعضوية لجنة الشعر جاء بناء وجود دواوين مكتوبة بالأمازيغية ضمن الأعمال المرشحة للجائزة. غير أن هذا الناشط الأمازيغي لم یرشح في أي مرحلة من مراحل مداولات اللجنة عملا مكتوبا بالأمازیغیة. ويرجع مخافي ذلك إلى أن الكاتب المذكور التحق باللجنة كي ینتصر لعمل محدد مسبقا، ولكنه لم یعرف كیف یدافع عنه لقلة خبرته بالشعر العربي، فاختار الهروب إلى الأمام.

اتحاد الكتاب: ضرورة إنقاذ جائزة الشعر

وعلى خلفية النقاشات الدائرة حول حجب جائزة الشعر، أصدر المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب بيانا حول حجب جائزة المغرب للكتاب، صنف الشعر، تضمن المطالبة بإنقاذ «جائزة الشعر» والانتصار للشعرية المغربية. ودعا البيان وزارة الثقافة، باعتبارها الجهة الوصية على «جائزة المغرب للكتاب»، إلى إعادة الاعتبار لهذه الجائزة وتطويرها والرفع من قيمتها وتحصينها. كما طالب الوزارة المذكورة برد الاعتبار لـ»جائزة الشعر»، التي تم حجبها هذه السنة، درءا لكل التأويلات المعاكسة للصواب، والتي قد تشكك في قيمة منتوج مشهدنا الشعري المغربي؛ بما راكمه من إنتاج إبداعي متميز، بأسمائه الكبيرة والوازنة، والمشهود لها وطنيا وعربيا ودوليا، بريادتها وحضورها وامتدادها في المشهد الشعري العام، كما أنها قد تشكك في قيمة وحجم الأعمال المرشحة للجائزة، في صنف الشعر، التي بدا، من خلال التصريح بعناوين بعضها، أنها أعمال شعرية، لها قيمتها الإبداعية المؤثرة، بما تستحقه من اهتمام ورعاية وتحفيز، وليس مواجهتها بالحجب والجحود والتجاهل.
وأضاف البيان أن ردّ الاعتبار للشعرية المغربية، عبر تتويج نصوصها وأسمائها التي تستحق ذلك، يعلو على أي اعتبارات تنظيمية أو قانونية، قد يتذرع بها البعض. ومن ثم، دعا اتحاد كتاب المغرب الوزارة الوصية إلى إحداث «لجنة جديدة للشعر»، في إطار «جائزة المغرب للكتاب» لعام 2015، للبت في الترشيحات المعروضة عليها سلفا، بغاية إنقاذ «جائزة الشعر»، من هذا العطب التاريخي، الذي ستكون له، لا محالة، انعكاسات سلبية على مصداقية «جائزة المغرب للكتاب» وجدواها.
كما طالب الاتحاد وزارة الثقافة بمراجعة النصوص القانونية المنظمة للجائزة، بما في ذلك إعادة النظر في مسطرة تعيين لجانها، وكذا مطالبة الوزارة بالإسراع بإحداث جائزة أخرى كبرى، هي «جائزة الدولة التقديرية»، اعترافا من المغرب بقيمة المنجز الفكري والمعرفي والإبداعي المغربي، وتكريما منه لرموز الفكر والثقافة والأدب والفن، ممن يتم تجاهلهم اليوم في وطنهم، في الوقت الذي يتم فيه الاعتراف بهم خارجه. وسجل بيان اتحاد كتاب المغرب، باستياء شديد، ما أحاط هذا حجب جائزة الشعر من تلبيس ومغالطات، بلغت إلى حد اختلاق شائعات تمس بمصداقية الجائزة واللجنة والجهة المشرفة على تنظيمها، كما تمسّ بسمعة المؤسسات والهيئات والأشخاص وبوضعهم الاعتباري.
وفي المقابل، سجل بارتياح أن قرار حجب «جائزة الشعر» لا علاقة له، لا بقيمة النصوص الشعرية المرشحة، ولا بضعف المنجز الشعري بالمغرب، مهنئا بالمناسبة كل تجارب الذائقة الشعرية المغربية وحساسياتها وأجيالها، التي تشرفت بمشاركتها جائزة المغرب للكتاب.

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية