الرباط ـ «القدس العربي»: ضمن منشورات «مركز المسرح الثالث للدراسات والأبحاث الدرامية» في الدار البيضاء، صدر للكاتب المسرحي الحسين الشعبي كتاب يحمل بين صفحاته نصا مسرحيا بعنوان «الساروت» (المفتاح)، ويقع الكتاب في 56 صفحة من الحجم الصغير، وتتصدر غلافه صورة يبدو فيها الممثلان عدنان مويسي وخالد الزويشي في مشهد من المسرحية التي أخرجها الفنان حسن علوي مراني وأنتجتها فرقة نادي المرآة للمسرح في فاس خلال موسمي 2013 و2014.
وعرضت في مختلف مناطق المغرب خلال الموسمين السابقين، وقدمت في عدة مهرجانات منها الدورة الأخيرة للمهرجان الوطني للمسرح في مكناس، ومهرجان المونيستير في تونس، ومهرجان مسرح الجنوب في كلميم، ومهرجان المسرح الاحترافي في فاس، حيث نالت المسرحية جائزة «برج النور» للتأليف، ومهرجان طنجة المشهدية ومهرجان طنجة للمسرح الاحترافي.
وخصّ الشاعر والكاتب عزيز الحاكم هذا الإصدار الجديد بمقدمة من توقيعه يعبّر من خلالها مسالك هذه التجربة الجديدة في الكتابة عند الحسين الشعبي، حيث يشير إلى أن هذا الأخير يستدرج القارئ على مهل إلى عوالم الترهيب والعنف الممنهج، من خلال شخصيتين يجمع بينهما فضاء واحد وتفرق بينهما مقاصد كثيرة، لاختلاف وضعيهما (فالأول طبيب نفساني والثاني معتقل بالخطأ) وتباين طبعيهما (ليونة مصطنعة لدى الطبيب وشراسة مستفزة لدى المعتقل) غير أنهما بحكم وجودهما في الفضاء نفسه/ السجن يجدان نفسيهما مضطرين للتعايش والتعاطف البراغماتي، بل أنهما في بعض اللحظات يتبادلان الأدوار فيصير الضحية جلادا والجلاد ضحية بنوع من الحلولية العبثية، التي تعكس حالة من التماهي الناجم عن طول المعاشرة وتشابك المصائر. وفي ظل هذا الترابط تنشأ بين الاثنين علاقة ملغومة، قائمة على الفهم المغرض والرغبة في التحكم في خيوط اللعبة، بحثا عن مخرج ما، من الورطة التي وجدا فيها معا، بأقل ما يمكن من الخسارات، ذلك أن الطبيب مكلف بمهمة، والمعتقل مجبر على «مساعدة» الطبيب على تنفيذ المهمة، مما يؤدي إلى جو من التوتر والتناوش وردود أفعال تكشف عن وعي كل منهما بطبيعة اللعبة.
ويضيف عزيز الحاكم في التقديم: «شخصيتان إشكاليتان، وحوار ثاقب، وتقلبات مزاجية مفاجئة، ومزج تركيبي بين المعقول واللامعقول، وتصريح متعاقب بالمظالم، وسخرية جارحة من المحظورات السياسية، واستحضار قاس لتلك الحقبة المغربية المشؤومة التي عمدت بأسماء كثيرة، لكن جراحها ظلت هي نفسها، موشومة في الذاكرة بتجليات متباينة، كل ذلك يلملمه الحسين الشعبي في نصه المسرحي هذا محاولا، ككاتب سبعيني مخلص لأخلاقيات الكتابة النضالية، تقديم الدليل على أن الكلمات، في المسرح بوجه خاص، لا تكتسب قوتها وفاعليتها إلا من قوة الالتصاق بمصائر الضحايا، ولا تكون لها فاعلية حقيقية إلا بقدرتها على ضبط مؤشرات اللحظة التاريخية وتحويلها إلى إشارات فعلية كفيلة باستنهاض الأسئلة والعزائم، والذهاب بالنص المسرحي على طريق الفضح والتحفيز وإيقاظ الذاكرة».
وتُختم المقدمة بالإشارة إلى أن «مزية هذا النص، المكتوب بين الضوء والعتمة (وفق إشارات الكاتب) وبإيقاع حركي، أنه يشد القارئ منذ الوهلة الأولى ويزج به (تبعا لقابلية التماهي لديه) في أجواء تتداخل فيها القتامة والانفراج وتستثار فيها مشاعر الانقباض والانبساط، ويتحقق خلالها الكاثارسيس بنسبة عالية، وهذا ما يغري بقراءته».
أُردف النص المسرحي بمقالين كُتبا عن العرض خلال تقديمه ـ العام الماضي ـ من طرف فرقة نادي المرآة للمسرح في مدينة فاس، ففي المقال الأول يفيد الكاتب والإعلامي والفنان التشكيلي شفيق الزكاري أن مسرحية «الساروت» تعتبر عملا دراميا جديدا، يطرح بجرأة وسخرية موضوعا بنفس حقوقي وسياسي، في نص مسرحي ينطوي قالبه الفني الدرامي شكلا ومضمونا، على كثير من الأسئلة المرتبطة بالواقع الحقوقي اليوم في مغرب ما بعد الإنصاف والمصالحة، في نسق فني وجمالي بعيد تمام البعد عن التقريرية والمباشرة، التي غالبا ما تكون مقرونة بمثل هذه الثيمات السياسية في كثير من النصوص المسرحية في العالم العربي، إذ يعيش المتلقي خلال هذا العمل نوعا من الانجذاب العاطفي تجاه تجربة إنسانية مأساوية زاخرة بالمعاني والدلالات.
ويوضح الناقد الحسين فاسكا في مقاله أن الكاتب الحسين الشعبي يعدّ من المسرحيين الذين اجتمعت في ممارستهم المسرحية هموم التجريب المتني (النصّي) والركحي، إلى جانب الهمّ النقدي والنظري، مساهماً بذلك بقسط وافر في إغناء الريبرتوار المسرحي المغربي والساحة النقدية على السواء، وذلك من خلال بوابة «المسرح الثالث» الذي هو من أعلامه البارزين، وأشرف على إدارة هيئته المؤسسية: «مركز المسرح الثالث للدراسات والأبحاث المسرحية».
ويضيف فاسكا: تبين المعالجة النصية لثيمة الظلم في مسرحية «الساروت»، من خلال مكونات الصراع، تفاعل الشخصيات سلبا وإيجابا، لدرجة تتماهى فيها الشخوص في ما بينها، فيتبادل الظالم والمظلوم مصيريهما ودوريهما، حتى يصبح كل منهما ضحية الآخر، وهما معا ضحايا «زمن الرصاص» (إحالة إلى زمن الاعتقالات السياسية خلال السبعينيات)، ويساهم الكل في تنامي الأحداث في اتجاه بؤرة تعيد وضع «الملف» آخر الأمر أمام المتلقي ليقول كلمته في ما رأى وسمع وعاين.