الإنسانية بديلاً عن النسوية في الفن والحياة

كتبت ماري وولستونكرافت الكاتبة البريطانية والمناصرة لحقوق المرأة، عبارتها الشهيرة للنسوية «أتوق بشدة لأن أرى التمييز على أساس الجنس قد تلاشى تماماً، عدا ما يتعلق بالحب». كيف يمكن أن يوجد عالم دون هيمنة فئة على فئة؟ كيف يمكن للنساء والرجال والأنواع الاجتماعية المختلفة العيش في بيئة عادلة، دون أن يترأس أحد الآخر؟
يعكس مفهوم «النسوية» تاريخا من النضالات المختلفة، فقد نشأت هذه الحركة في الغرب قبل أكثر من قرن، هدفها الاعتراف بأن للمرأة حقوقا وفرصا مساوية للرجل، منها الحقوق الأساسية من التعليم والعمل، التي حرمت منها في المجتمع الغربي قبل الثورة الصناعية، ثم تطورت فكرتها إلى المطالبة بالمساواة بالرجل في جميع الحقوق السياسية والاقتصادية والجنسية والفكرية، ومماثلته في كل شيء، أي تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين في القانون والممارسة.

بدايات الحركة النسوية

بدأت الحركة النسائية «النسوية» بفكرة أنه يجب التعبير عن قدرات النساء، سواء بالحياة أو من خلال الفن، وتحويل الصور النمطية من تجاهل وتهميش في السابق إلى انفتاح في المشهد الثقافي من خلال المساواة. قبل ذلك التاريخ، كان يتم تقديم النساء من الناحيتين الفنية والاجتماعية على أنهن أشياء تخضع للرقابة الذكورية. فمنذ ظهور الموجة الأولى من النسوية، ومع استمرار التقلبات والتغيّرات بدا واضحاً أنها أثّرت بشكل كبير في الفن، الذي ارتبط بها، خاصة ذلك الذي قدّمته فنانات تشكيليات ممن تبنينّ فلسفة هذه الحركة. ففي الميدان الفني، على الرغم من كون النساء جزءا لا يتجزأ من عالم الفن، إلا أن تاريخ الفن التقليدي استبعد، أو أخفى، بشكل ممنهج، مشاركة المرأة في الفنون البصرية، فكانت غالبيّة الفنّانات قبل «النسوية» غير مرئيّات للعيان، وفي كثير من الأحيان كُنّ يُحرَمن من إقامة المعارض، فاعتبر النظام عموما أن مساهمات النساء غير موجودة، أو أدنى من محاولات الرجال. بدأت النساء في العمل معاً محتجات، ثائرات على الأنظمة السياسية والاجتماعية التي شوّهت حياة المرأة وتطلعاتها وأحلامها، محاولات خلق عوالم أكثر شمولًا لحياة النساء. فدعون إلى هدم نظام التراتبيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من الأساس، وبناء مجتمعات يكون أفرادها متساوين بغض النظر عن نوعهم الاجتماعي.
«النسوية مشروع تاريخي، وبالتالي هو في حد ذاته يتعلق بنضال النساء» كما تقول الناقدة النسوية غريسيلدا بولوك. ومع تطور معنى النسوية في القرن الواحد والعشرين، نجد أن الفن النسوي يشمل العديد من القضايا، ووجهات النظر المعقدة، وبالتالي لا يمكن اختزاله في موضوع، أو أسلوب معين، أو اتجاه واحد.
نطرح اليوم سؤالا: ماذا يعني تبني اصطلاح النسوية؟ لا بد من أن نضع في الاعتبار التغيرات التي طرأت على المصطلح نفسه، مساره، دلالاته التي حملها خلال فترات متباينة، وهل يُمثّل عدم تبنيه انحيازاً مضاداً تجاه المرأة؟

لاقى اصطلاح «نسوية» خلال العقدين الماضيين، سواء في الغرب أو في الشرق انتقاداَ شديد اللهجة بعد ارتباطه بتيارات نسوية متطرفة، ففقد الدعم المجتمعي خاصة في عالمنا العربي وهذا سبّب انتكاسات على صعيد المفهوم والممارسة، رغم الحملات التثقيفية من كاتبات وفنانات لإعادة الثقة.

الفرق بين النسوية وحقوق المرأة

في واقع الأمر، لاقى اصطلاح «نسوية» خلال العقدين الماضيين، سواء في الغرب أو في الشرق انتقاداَ شديد اللهجة بعد ارتباطه بتيارات نسوية متطرفة، ففقد الدعم المجتمعي خاصة في عالمنا العربي وهذا سبّب انتكاسات على صعيد المفهوم والممارسة، رغم الحملات التثقيفية من كاتبات وفنانات لإعادة الثقة. منها حملة قادتها الممثلة الأمريكية إيما واتسون حملة عام 2014، وضمن ما صرحت به: «أن النسوية أصبحت لدى الكثير كلمة غير مرحب بها؛ لأنها لم تعدْ تعني سوى كُره الرجال، وها هي تُعيد التعريف السليم. إن النسوية هي نظرية المساواة بين الجنسين على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي«. فالتزمت الحركات النسوية بغض النظر عن اختلاف سياقها بجملة من الالتزامات الثورية، منها النضال لأجل تحقيق العدالة للجميع، ومناهضة أنظمة القمع المتنوعة التي تنتج اللامساواة واللاعدالة. أما حقوق المرأة فهي حقوق الإنسان ذاتها المنصوص عليها في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والوثائق الأخرى، وتشمل حقوقا مثل عدم التعرض للتمييز، والحق في الحياة، حق التحرر من العنف الأسري أو الزوجي، والحق في الخصوصية، وتلقي الرعاية الصحية، والحق في العيش في مجتمع آمن، وحق التعليم، والحق في ظروف معيشية كريمة، والحق في الأمان والحرية، والكثير من الحقوق الأخرى.

أقترح الإنسانية بديلاً

إن وضع المرأة اليوم ليس في أفضل حالاته ـ كذلك حال الرجل – وهي حقيقة تحتاج إلى أن تُذكر بصراحة، سواء أكنا نحب ذلك أم لا. فالحل كما يرى المسيري عالم الاجتماع المصري، لا يتمثل في تمركز طرفي الأسرة على ذواتهما، كلا على حدة، وإنما بانفتاح كل طرف على الآخر، والانطلاق من الأسرة كنقطة مركزية، ما يعيد الرجل لأهمية تفاعله الإنساني، ويحدّ من شعور المرأة بالمظلومية، التي انعكست في محاولات تمركزها حول ذاتها. أزمة المرأة اليوم جزء من أزمة الإنسان في العصر الحديث، لذلك على المرأة أن تؤكد إنسانيتها المشتركة التي لا يمكن أن تتحقق إلا داخل إطار اجتماعي وسياق تاريخي، وعوضاً عن الحديث عن «تحرير المرأة» عليها إعادة النظر بمشاركة الرجل من خلال حثه على لعب دوره الإنساني والاهتمام في تنشئة الأطفال، كي يعاين عن قرب جهد المرأة في التربية، والوصول معاً إلى قناعة تنشئة الأبناء بطريقة عادلة ومتساوية بين الذكر والأنثى، دون أي امتيازات للذكور.
اهتمامي في الكتابة بهذا الموضوع لا يعني أني ناشطة في المجال الاجتماعي، أو باحثة في العلوم القانونية أو السياسية، أنا مجرد باحثة عن الإنسانية في زمن كثرت فيه المصطلحات، وعظمت القوة فاضمحلت الإنسانية بكل قيمها. مدركة أن الإنسانية هي النقطة المركزية الذي تقوم عليها كل المبادئ الأخرى، بمعنى أنه «يجب التطرق للمعاناة الإنسانية ‏أينما وُجدت، حماية الصحة والحياة ‏وضمان احترام الإنسان». حان الوقت لاعتناق الإنسانية بديلاً عن النسوية، حان الوقت الآن للمرأة العربية ممارسة حقوقها الإنسانية المتأخرة، وأن يتم الاحتفاء بها والاعتراف بتنوعها واختلافها، دون المحاولة لحصرها في صورة نمطية واحدة.
إن ازدهار الإنسانية وتقدمها يتجلى في كيفية الحفاظ على أرواح البشرية من الموت والدمار، يكمن في صون كرامتهم وضمان حريتهم، والحرص على ضمان العيش لجميع الأفراد بسلام وتسامح وأمان. والرهان على رفع منسوب الوعي كرؤية جديدة في الخطاب الأكاديمي، كخطاب جديد في المجتمعات العربية وهذا يترجم بحبكة نسيج بين التأييد السياسي ومشاركة المجتمع المدني لإحداث قوة التغيير من داخل المجتمعات، علّنا نقترب من الإنسانية من جديد.

أكاديمية وتشكيلية لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية