اليوم أستعير عنوان مقالي من خزين الروائي العالمي غابريل غارسيا ماركيز، لا لشيء سوى لأوكد على أن هدفي من متابعة إشتغال جائزة البوكر، عبر لجنتها التحكيمية، إنما غرضه تنبيه هذه الإدارة لما شاب عملها من هنات، وهي الجائزة الكبيرة التي علق الروائيون آمالا عليها، في رفد الساحة الثقافية العربية، وفن الرواية على وجه الخصوص، بكل ما يتطلع إليه حرص الروائيين على مشروعنا الثقافي العربي الذي تأخر وتأخرت قواعد إرسائه.
المسوح وحدها لا تصنع راهبا، وعليه فإن الاستعراض التفاخري/الإعلامي لا يدفع الهنات عن العمل، خاصة إذا ما كان هذا العمل يتعلق بمشروع ثقافي كبير، يرتبط بمستقبل أمة مازالت تتلمس خطواتها باتجاه تحقيق هويتها الثقافية الخاصة والمتميزة.. ولعل جائزة البوكر العربية كانت، وتطلع المثقف العربي لأن تكون، إحدى الدعامات المتميزة على طريق هذا المشروع الكبير، لولا ما شاب عمل إدارة هذه الجائزة من أخطاء على مستوى التنظيم، خاصة في ما يتعلق باختيارها للجان التحكيم وقصرها لرأي البت في النصوص على رأي عناصر تلك اللجان المحدودة العدد، ومن دون فتح باب، ولو صغير لسماع رأي متخصص من خارج دائرة لجنة التحكيم الضيقة، وهنا أقصد رأي الروائيين غير المشاركة أعمالهم في المسابقة، على وجه الخصوص.
ليس من أحد، سواء كان روائيا أو ناقدا، ضد جائزة البوكر أو لجانها التحكيمية المتوالية، بشكل شخصي، إنما جهودنا النقدية والتقيمية تأتي لتقويم عمل هذه الجائزة وتصويب خطواتها من أجل إنجاح عملها وتحقيق الغاية المنشودة منها، في تحفيز وتنشيط الفعل الثقافي وصناعه على مواصلة الإبداع واجتراح الأفكار الجديدة التي تساهم في إنضاج مشروعنا الثقافي الذي نتطلع إليه.
ردا على رد الزميلة، بروين حبيب، والمنشور على صفحات «القدس العربي» الغراء، في عدد اليوم الثاني من مارس/آذار الجاري، الذي ابتدأته مباشرة بوصف حجج النقد الموجهة للجنة تحكيم بوكر هذا العام (بالثرثرة التي لن تؤتي ثمارها)، وباستعراض استعلائي سافر، لا أظن إنه يصب في مصلحة جائزة البوكر ولا إدارتها المنظمة، كونها تبنت أول مشروع دعم مادي ومعنوي كبير وملموس للثقافة والمثقفين العرب، يحسب لها، ولا أحد ينكر دورها الريادي في هذا الجانب.. ونحسب أن طرح الزميلة شخصي ولا يمثل إلا دفاعا عن أخطاء لجنة تحكيم هذا العام، التي هي أحد أعضائها.
لماذا تحسب النقود والاعتراضات التي وجهت للجنة هذا العام على أنها مجرد ثرثرة مشخصنة… أمثل هذا النعت للنقاد والروائيين جاذب ويليق ويصب في مصلحة إدارة البوكر ومشروعها الثقافي الكبير، الذي توسم جميع المثقفين الخير فيه وفي أهدافه، في خدمة الثقافة والرواية العربيتين؟… أليست هذه اللهجة سلطوية وقمعا آخر مضافا لما نعانيه، كمثقفين، من أشكال القمع ومصادرة الرأي، الذي أقرت به بروين في فقرة لاحقة، على أن من أسباب تخلف وجهل المجتمع العربي، هو قمع السلطوية الحاكمية للفعل الثقافي وأهله؟
المسوح وحدها لا تصنع راهبا، وعليه نقول إنه كان الأجدر ببروين، بصفتها لسان حال لجنة تحكيم هذا العام، أن تشكر أي رأي وأي نقد، سواء كان بناء أو غير بناء، من أجل تصويب أي خطأ حالي واقع، وأي خطأ مستقبلي محتمل، في العمل الإداري والفني للجائزة، بدل الانفعال التحسسي المسيء، الذي يظهر عجز حججها، وأيضا يزرع الشك في نفوس الروائيين ويزعزع ثقتهم بإدارة البوكر وباقي الجوائز الأدبية، ويظهرها بالمظهر السلطوي المصادر لحرية التعبير والرأي، وأيضا كسلطة قمع تعمل من خلف ستار ناعم. وكما أكدت بروين في الفقرة اللاحقة من مفتتح مقالها (لأنها ـ تعني النقود والاعتراضات ـ ليست أكثر من حديث هامشي لا يلامس الجائزة) فهل هناك قمع أكثر من هذا القمع للرأي الآخر، خاصة أن من يمارسه أحد عناصر لجنة البوكر وباسمها؟
ولعجز حجج الزميلة بروين، أو الحقيقة لعدم توفرها على الحجج أو ما تقول من الأساس، فإنها تعود لتلوك كلامها السابق ـ في مقال ردها الأول ـ بأنها تمنت لو كان النقد الموجه للجنة التحكيم قد وجه للأعمال المرشحة للجائزة، وعليه نقول إن هذا موضوع آخر لا صلة له بما طرحناه، لأن النقاد والروائيين بالتأكيد لن يهملوا عملية الوقوف أمام النصوص المرشحة والفائزة، بالنظر والنقد والتقييم الجاد والمسؤول، ولكن أيضا هذا لا يمنع أن نقول رأيا تصويبيا في طريقة ومعايير اختيار البوكر للجان تحكيمها، الحالية والمستقبلية، تفاديا للخل الذي يحدثه التسرع في اختيار عناصر هذه اللجان.
وفي الفقرة اللاحقة تتمنى بروين (وبالتأكيد لأن النقد الموجه إلى لجنة التحكيم يطالها بشكل شخصي، كونها أحد عناصر لجنة تحكيم دورة هذا العام) لو كان استعيض عن النقد الموجه للجنة بملاحظات (حول نصوص قد تكون ظلمت، بما أن البعض يعتقد أن مزاجية اللجنة تتحكم في الجائزة( وعليه نقول إن من لا يسمع رأيا في جدارة وأهلية لجنة التحكيم من الأساس، كيف سيسمع رأيا من ناقد حول نص ظلم في التقييم؟… والأهم هو أن النتائج النهائية مازالت لم تعلن بعد لنعرف إن كان ثمة ظلم فعلا من نصوص من عدمه، وأظن أن من انتقدوا لجنة التحكيم كانوا هنا أكثر أمانة مع أنفسهم وموضوعية في موقفهم من حكم اللجنة على النصوص المعروضة عليهم.. ولعل الفقرة التالية من مقال بروين تؤكد ما ذهبنا إليه، في عدم سماع لجنة التحكيم لرأي النقاد والمعترضين، إذ تقول بالحرف الواحد «والآن لنطو صفحة الحديث عن لجنة التحكيم، لأنها لن تغير من الوضع شيئا)… أوليس هذا ضربا عرض الحائط لأصوات وآراء المعترضين من النقاد والروائيين والقول لهم: ما نريده سيكون فهرجوا بما تشاؤون فلا سامع لكم من قبل اللجنة التي لا تسمع إلا صوتها… ولكأن الأمر اعتراض على نتائج امتحانات الثانوية العامة.. عجبي!
هذا كل ما قدمته من (حجج!) السيدة بروين حبيب في مقالها الجديد… أما ما تبقى منه، وهو الجزء الأعظم، فهو ليس سوى مجموعة من الاستطرادات الإنشائية، التي لن أصفها ـ كما فعلت هي ـ بالثرثرة… بل سأكتفي بوصفها بالسياحة الإنشائية الزائدة، التي لم تخدم موضوع وأهداف المقال ولا إدارة البوكر بشيء على الإطلاق… كانت حلية تشبه تميمة تحصين الأطفال ضد العين الحاسدة… وهي بالتأكيد لم تدفع عينا أمينة على النقد وحريصة على مستوى ومستقبل البوكر ولن تدفعها أبدا… والمسوح وحدها لن تصنع راهبا بالقطع.
روائي وناقد عراقي
سامي البدري