بغداد ـ «القدس العربي»: تتعرض وسائل الإعلام والعاملون فيها في العراق إلى حملة جديدة واسعة من الاستهداف، لإسكاتها عن كشف الحقائق والفساد المستشري، أو لمنع انتقاد أحزاب السلطة أو المسؤولين الحكوميين.
ورغم إطلاق تسمية «السلطة الرابعة» على الإعلام، فالواقع يؤكد يوميا بأن الإعلام والعاملين فيه، هو الحلقة الأضعف في المشهد السياسي العراقي منذ 2003 حيث أصبح الضحية الأولى للصراع بين الأحزاب والفصائل المسلحة.
وجاءت آخر الانتهاكات لوسائل الإعلام قبل أيام، عندما اقتحم محتجون من أتباع التيار الصدري مكتب إحدى القنوات المحلية وسط بغداد، بعد اتهام إدارة القناة بـ«الإساءة إلى جيش المهدي» وهو الجناح العسكري للتيار الصدري.
وأثار تعليق مقدمة البرامج السياسية في قناة «الرابعة» منى سامي، غضب أنصار التيار، حين قالت إن «جيش المهدي أقدم على بيع سلاحه للقوات الأمريكية، بعد أحداث عام 2004» في إشارة إلى المواجهات التي جرت آنذاك بين جيش المهدي والقوات الحكومية المسنودة بالقوات الأمريكية.
وقام المهاجمون بطرد منتسبي القناة وتحطيم الأثاث والأجهزة فيها وتعطيل بثها عدة أيام، فيما اكتفت القوات الأمنية التي جاءت إلى مكان الحادث، بمراقبة المهاجمين من دون محاولة منعهم، لكونهم ينتمون للتيار الصدري المتنفذ.
وكانت الحادثة مناسبة لإثارة حملة استنكار شعبي وسياسي واسع، باعتبارها استهدافا جديدا لوسائل الإعلام وقمعا لحرية الرأي.
جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، «أدانت استخدام الجهات السياسية جماهيرها لمهاجمة وسائل إعلام، مهما كان توجهها أو أيديولوجيتها ما دامت تعمل وفق أسس دستورية وقانونية» وعدت ذلك مؤشرا على انسحاب خطير للصراع السياسي على حرية التعبير والعمل الصحافي. وهي إشارة إلى ان الحادث يندرج ضمن الصراع السياسي للأحزاب والفصائل.
كما أبدت الجمعية استغرابها من «عجز الحكومة عن حماية هذا الحق الدستوري، وتجدد مطالبتها للقائد العام للقوات المسلحة الإيفاء بالتزاماته، وتوفير الحماية اللازمة لكل العاملين في الصحافة والإعلام، لا سيما وان عمليات قمع حرية العمل الصحافي في غضون السنوات الثلاث الماضية بلغت مستويات غير معقولة، يقابله عدم اكتراث واضح من لدن القائد العام للقوات المسلحة الذي تعهد فور وصوله للسلطة بحماية حرية التعبير والصحافة المكفولتين دستوريا».
وتؤكد الجمعية ان «سيطرة الأحزاب السلطوية والمجموعات المسلحة على الفضاء والمساحات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والإعلام والنشر بكل أشكاله يمثل جزءا من مشكلة قمع حرية العمل الصحافي في العراق، ومنهجا مقصودا لتغييب الصحافة المستقلة وخنقها، ومحاربة جميع الصحافيين الأحرار ممن واجهوا أقسى أنواع التهديد والملاحقة والاغتيالات من قبل المسلحين، بهدف حماية حالة إبقاء سيطرة تلك الأحزاب السلطوية على هذا الفضاء».
أسلوب البلطجة ومنطق القوة
وفي السياق قال النائب الكردي السابق هوشيار عبدالله، في تدوينة على «تويتر» إن «الاعتداء على قناة الرابعة سلوك مخزي ومعيب، ثم أليس من الواجب تواجد قوات أمنية بالقرب من مقرات وسائل الإعلام؟».
وأضاف عبد الله «علما أن المهاجمين لا يعترفون بالقانون أساساً ولا يقيمون وزناً لأية جهة». معتبرا «أسلوب البلطجة ومنطق القوة بأنه السبب في دمار العراق» وختم متسائلا «كيف نثق بأن أصحاب هذه العقول یصلحون حال البلاد؟».
ويذكر ان قناة الرابعة تعود لأحد أطراف الإطار التنسيقي، الذي يضم الأحزاب والفصائل الولائية، وان الهجوم جاء ضمن الخلاف والصراع الحالي مع التيار الصدري على خلفية تشكيل الحكومة الجديدة.
ومن جهة أخرى أفادت مصادر مطلعة، أن جهاز الأمن الوطني في نينوى، اعتقل مدير إذاعة محلية داخل مدينة الموصل، وفق مذكرة قبض قضائية، صادرة بحقه على خلفية التهجم على أحد مديري الدوائر في المحافظة، عبر مواقع التواصل. وجاء الاعتقال بناء على شكوى من مدير المنتوجات النفطية في الموصل، الذي قامت القناة بتوجيه انتقادات له بسبب أزمة شح الوقود في المدينة.
والحقيقة ان استهداف القنوات الفضائية المحلية، ليس جديدا في العراق، حيث وجهت بعض الفصائل المسلحة سابقا، تهديدات طالت مؤسسات إعلامية عربية أبرزها «الحدث» و«العربية» لقيامها بتغطية اقتحام الصدريين للبرلمان في شهر تموز/يوليو الماضي. وقبل ذلك قامت مجاميع مسلحة أخرى بمهاجمة قناة «دجلة» وإحراقها، بحجة عدم احترام مشاعر الشيعة في إحدى المناسبات الدينية، وغيرها الكثير من حوادث الاستهداف لوسائل الإعلام.
وفي حادث آخر، أدان مركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية، استهداف منزل الإعلامي قصي شفيق، في تموز/يوليو الماضي، معبراً عن قلقه إزاء استمرار استهداف الصحافيين ومحاولات تكميم الأفواه. وذكر المركز في بيان: «تابعنا بأسف بالغ الهجوم الذي طال منزل الإعلامي الدكتور قصي شفيق فجرا في العاصمة بغداد والذي أسفر عن إصابة والدته ونجله».
كما أصدر المركز بيانا آخر، دعا فيه إلى احترام دور الإعلاميين وإبعادهم عن المضايقات خلال تغطية أحداث التظاهرات، معبرا عن «القلق البالغ لتعرض عدد من الصحافيين والإعلاميين لإصابات ومضايقات خلال تغطيتهم للتظاهرات التي تشهدها المنطقة الخضراء ومحيطها».
ودعا المركز إلى «ضرورة عدم التعامل مع الصحافي كخصم سياسي واستخدام لغة الكراهية والتحريض ضده وضد المؤسسة التي يعمل فيها، ما يعرض حياتهم وذويهم إلى الخطر في ظل الظروف المتوترة التي تشهدها البلاد».
انتهاكات الإعلام في كردستان
ولم يكن إقليم كردستان العراق بعيدا عن استهداف الإعلام، حيث أعلن جهاز مكافحة الإرهاب في السليمانية، عن اعتقال رئيس تحرير مؤسسة «بوار ميديا» ويسي قشقاي ومدير أخبارها ابراهيم علي، أثناء عودتهما من السليمانية إلى حيث يقيمان في أربيل، الأحد الماضي.
وعلمت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق من منسقها في الإقليم أن الزملاء كانوا في مهمة صحافية في السليمانية، وتوجهوا لها الأحد الماضي، وأثناء العودة في الطريق إلى أربيل، صادفتهم إحدى مركبات عناصر جهاز مكافحة الإرهاب واعتقلتهم، على خلفية نشر الزميل ابراهيم علي مقالا صحافيا، تزامنا مع ذكرى وفاة زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني تحدث فيه عن الفساد والاغتيالات في السليمانية التي تنفذ بأوامر من قيادات حزب الاتحاد الوطني.
وقد استنكرت مؤسسة «بوار ميديا» في بيان، اختفاء الصحافيين وإغلاق هواتفهم، فيما عدت اعتقالهما انتهاكا لحرية العمل الصحافي والإعلامي في البلاد، وإرهابا من نوع آخر يمارس ضد أصحاب الرأي والقلم.
وفي السياق ذاته، منعت القوات الأمنية في أربيل ثلاثة فرق صحافية من تغطية حادثة اغتيال ضابط في انفجار سيارة ملغومة يوم الجمعة الماضي في أربيل، وحطمت معداتهم، واعتدت على آخرين بالضرب.
ونقلت «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة» عن مراسلها، ان القوات الأمنية في مكان الحادث، منعت الصحافيين من التغطية واستولوا على معداتهم، وكسروا بعضها. ولفت إلى ان عناصر أخرى من القوة قامت بالاعتداء بالضرب على مصور «روداو» أحمد يونس الذي كان مع زميله المراسل فرهاد دولاماري يقومان بتغطية الحادث.
وأعربت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق عن قلقها من إصرار القوات الأمنية على منع وسائل الإعلام من أداء مهامها، عادة ذلك انتهاكا لحرية العمل الصحافي والإعلامي في الإقليم. كما أشرت الجمعية في التقارير الأخيرة، ارتفاع وتيرة العنف في الإقليم ضد الصحافيين، وتجدد مطالبتها للسلطات الحاكمة، بايقاف الاعتداءات على الفرق الإعلامية.
سلبيات المنظومة التربوية
وفي شكل آخر لقمع حرية الرأي والتغطية الإعلامية، أصدرت مديرية تربية البصرة توجيها إلى إدارات المدارس كافة بمنع أي موظف أو معلم، الكشف لوسائل الإعلام أو النشر في مواقع التواصل الاجتماعي، عن القضايا ومشاكل المؤسسة التربوية، لمنع اطلاع الرأي العام عليها. وجاء هذا التوجيه على خلفية تغطية وسائل الإعلام، تظاهرات المتقاعدين من الكوادر التربوية في البصرة، للمطالبة بإطلاق مستحقاتهم المالية، وعجز المسؤولين عن حل قضاياهم، الأمر الذي أثار غضب الجهات المعنية، وأصدرت التعميم الذي هدد بعقوبات لكل من يكشف سلبيات المنظومة التربوية.
واعتبرت الجمعية تصرف مديرية تربية البصرة، مخالفا للدستور الذي كفل حرية التعبير عن الرأي، داعية إلى الكف عن وضع العراقيل لعمل وسائل الإعلام بهدف تضليل الرأي العام، وتكميم الأفواه.
وازاء تدهور أوضاع الإعلام والعاملين فيه في العراق، أصدرت منظمة «مراسلون بلا حدود» الدولية، تقريرها السنوي العشرين الخاص بالتصنيف العالمي لحرية الصحافة. وحسب مؤشر المنظمة، فإن «العراق تذيل قائمة الدول العربية في حرية الصحافة، حيث حل بالمركز 172 بعدما كان في المركز 163 العام الماضي» وهو ما يؤكد استمرار تدهور أوضاع حرية الإعلام والرأي في العراق.
وهكذا فإن قدر وسائل الإعلام في العراق من قنوات وصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، ان تبقى هي والعاملون فيها، الهدف الرئيسي للأحزاب والفصائل، في صراعها للاستحواذ على السلطة ومغانمها، عبر مصادرة حرية الرأي والقلم وقمع الرأي المعارض وتكميم الأفواه، من أجل تضليل الشارع وتمرير أجنداتها، فيما تقف الحكومة عاجزة عن توفير الحماية للسلطة الرابعة.