للمرة الأولى لم يعط الرأي العام الفلسطيني أي اهتمام لما يجري في العاصمة الجزائر، والسبب أن كل الاهتمام كان منصبا على الميدان ومن يصنع فجرا فلسطينيا جديدا.
رام الله ـ «القدس العربي»: لم يحدث أن قابل الفلسطينيون اتفاقا للمصالحة ولم الشمل الفلسطيني مثلما حدث في اتفاق الجزائر قبل أيام. لقد حفلت التعبيرات الشعبية والنخبوية حتى بكم كبير من السخرية والتندر والفكاهة والنقد الحاد ليس للجزائر الدولة الشقيقة المستضيفة بطبيعة الحال بل للفصائل الفلسطينية وما تمثله.
صحيح أن هذه المواقف لها علاقة مباشرة بتكرار اتفاقيات المصالحة التي لم تثمر حتى اللحظة رغم مرور سنوات طويلة عليها، وهو ما يجعل اتفاق المصالحة في الجزائر «نسخة رديئة» من تلك الاتفاقيات التي تبدو جميلة الصياغة وتلبي مطالب وأماني الشعب الفلسطيني، لكن هذا الشعب يعرف جيدا أنه لن يكتب لها النجاح في قلب الأحوال رأسا على عقب وفي تغيير مسار الانقسام الفلسطيني.
يضاف إلى تجارب الماضي غير المثمرة أن حالة النقد اللاذع والسخرية انصبت أيضا على الفصائل الفلسطينية الـ 14 التي اجتمعت على مدى يومين، حيث أن أغلب هذه الفصائل هي في الحقيقة أسماء كرتونية، حتى أن البعض يقول إن كثيرا من هذه الفصائل، والتي تحصل على مخصصات مالية من منظمة التحرير الفلسطينية، لا يتجاوز عدد أعضائها حمولة حافلة صغيرة.
السخرية المرة من اتفاق/ اتفاقات المصالحة دفعت البعض إلى استحضار قاموس الأمثال والأقوال الشعبية المأثورة للتندر على ما جرى في الجزائر، مثلا الكوميدي علاء أبو دياب قال إن «قاضي الأولاد شنق حاله» في إشارة إلى سلوك وممارسات الأحزاب الفلسطينية التي هي أقرب إلى سلوك الصبيان منها لرجال راشدين.
لكن الأهم من كل تلك المواقف التي تستند على خيبة الأمل هو تنامي ظاهرة «الفصائل الفلسطينية الجديدة» التي تبدو مصدرا لكل الأمل الفلسطيني حاليا.
فعين الفلسطينيين بقيت في الميدان، ولم تذهب للجزائر التي لا يحبونها فقط بل يعشقونها، لدرجة أن بعض النشطاء أكدوا أنها المرة الأولى التي لم يعط الرأي العام الفلسطيني أي اهتمام لما يجري في العاصمة الجزائر، والسبب في ذلك مرده أن كل الاهتمام كان منصبا على الميدان ومن يصنع ما يسمى «فجرا فلسطينيا جديدا» وهي الصيغة التي أصبحت مقابلا موضوعيا لكلمات وصيغ «الاتفاق التاريخي الذي يعيد المياه إلى مجاريها» حسب وصف الرئيس الجزائري لاتفاق المصالحة الأخير.
وحسب المحلل السياسي عادل شديد فإن ما يجري في الضفة الغربية يحمل كل المؤشرات لمرحلة جديدة من تراجع العمل الفصائلي المركزي.
ويضرب شديد الأمثلة على ذلك مثل: «ظهور كتيبة جنين في مخيم جنين، ومجموعات عرين الأسود في نابلس، واتحاد عائلات وأهالي مخيم شعفاط وبلدة عناتا التي أعلنت عصيانا مدنيا ضد قوات الاحتلال، وظاهرة كتائب شهداء الأقصى في بيت لحم وأسماء مختلفة في مناطق أخرى».
في سياق استحضار تجارب نضالية ووطنية ناجحة يتذكر المتابع أحداثا مثل تنامي دور اتحاد أولياء أمور طلبة مدارس القدس الذي قاد تحركا تاريخيا في مدينة القدس قبل أيام عبر تنفيذه إضرابا تاريخيا احتجاجا على أسرلة المناهج الفلسطينية وتهويدها. إلى جانب النجاح الجزئي لدعوات الإضراب التي أعلنها القائد الميداني البارز والمطارد فتحي الخازم من مخيم جنين قبل أسبوعين، وتلك الدعوات التي طالبت بها مجموعات «عرين الأسود» في نابلس قبل أيام معدودة، وجميعها دللت على تسلل حالة تناغم شعبية مع قيادات وفصائل جديدة.
يضاف إلى ذلك ما رصده مراقبون من محاولات فصائل وحركات العمل الوطني للتنصل من تلك الدعوات وهو ما عكس محاولات غير معلنة من أجل إجهاضها عبر التأكيد أن الدعوات لم تصدر عن تلك الفصائل في جنين ونابلس ورام الله ومدن أخرى. جانب من محاولات فهم ما يجري ميدانيا في ظل التداعيات السياسية التي تفرضها تطورات شمال الضفة الغربية والقدس أيضا، عقد مركز «رؤية» للتنمية السياسية جلسة نقاش مستفيضة وبمشاركة مجموعة من الخبراء والمحللين والباحثين، وكانت إحدى المداخلات للباحث والأكاديمي أحمد جميل عزم، الذي تحدث مكثفا عن علاقة الأفراد والمجموعات المسلحة الفلسطينية الجديدة بالفصائل الوطنية الفلسطينية والسلطة أيضا.
وقدم عزم مقاربة مختلفة قليلا، في ظل أن الجو العام، حسب ما يقول، يطرح أسئلة بصيغة العتب واللوم حول دور الفصائل مما يشهده الميدان؟
وبرأي عزم فإنه كي نفهم ما يجري بالضفة علينا تحليل ظاهرة الفصائل نفسها، معتبرا أنها كانت لها أشكال ومظاهر مختلفة بين فترة وأخرى، فكلمة الفصيل عنت في ثورة عام 1936 ليس ما تعنيه كلمة فصيل اليوم، حيث لم تكن تنتمي لعنوان سياسي معين بل لمنطقة جغرافية محددة، فتعريف الفصائلية في بدايات ظهورها مختلف عن الفصائلية الثانية في فترة الستينيات وعن الفصائلية الجديدة اليوم.
وتابع: «الظاهرة الفصائلية الحالية تنتمي لنوع مختلف من الفصائل القديمة من حيث التطوعية والتمويل الذاتي وانصهار تيارات فكرية مع بعضها البعض».
ويرى عزم أن التمظهر الثاني للفصائلية ضم فصائل منظمة التحرير التي كان لديها تصور مختلف للعمل من حيث التنظيم والتعبئة ومن ثم الإرسال للنضال.
وأضاف أنه في فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ظهر نوع مختلف من العلاقة مع الفصائل، فكان هناك تيار عام وسائد كان يقول أنه من يريد النضال عليه أن يذهب للخارج، وهناك كان الفلسطيني يلتحق بفصيل مقاوم.
وشدد على أن عام 2000 حيث اندلاع انتفاضة الأقصى حدث شيء مختلف، حيث ذهب المواطنون للنضال ومن ثم ظهرت الفصائل والتحقت بالمواطنين.
وتابع عزم أن هناك كثيرا من المناضلين التحقوا بالفصائل لأسباب لوجستية ودعم مادي أو بشري من دون انتماء عقائدي أو فكري، وضرب مثالا بعملية عيون الحرامية التي كانت استجابة لنداء القائد مروان البرغوثي، حيث كانت علاقة المقاوم الذي نفذ العملية مع حركة فتح شكلية.
وشدد: «نحن اليوم نتحدث عن نوعية فصائلية جديدة، مبادرة وشخصية وذات تمويل ذاتي، وهي نتاج تجمع الفصائل مع بعضها البعض أو أن بعض المقاومين ينتمون لأكثر من فصيل، كما أنه فيها نوع من المحلية والمناطقية، وخلقها واقع الاحتلال الموضوعي على الأرض».
ويرى الأكاديمي عزم أن ما يجب ان نشغل أنفسنا به هو سؤال: إذا كان الشباب الفلسطيني أعاد إنتاج الفصائلية بشكلها الجديد، فماذا يجب أن تفعل النخب المثقفة الإعلامية والسياسية والاقتصادية لدعم هذه الظاهرة؟ أما السؤال الثاني: هل تتبنى الفصائل الظاهرة في ظل أن جزءا كبيرا من الشبان نزلوا للميدان من دون تصور واضح أو استراتيجية؟ وهو ما يعيد التأكيد على السؤال الأول حول: كيف يمكن المساعدة على بناء رؤية ما تعمل على إسناد هذه الظاهرة محليا وعالميا أيضا؟