حربان في حرب واحدة: بين أوكرانيا وروسيا والأخيرة والغرب

حسين مجدوبي
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: من خلال تطور المواجهات الحربية بين روسيا وأوكرانيا، يبدو أن هناك حربين، الأولى تتعلق بتوطيد موسكو سيادتها على شرق أوكرانيا وقيام كييف بحرب تشبه المقاومة لطرد المحتل، في حين تجري الثانية بين روسيا والغرب وتتمحور في تجريب الطرفين آخر العتاد العسكري؛ وهذه الأخيرة هي التي قد تدخل العالم في حرب واسعة النطاق. وتعد هجمات 10 تشرين الأول/أكتوبر الجاري التي استهدفت عددا من المدن الأوكرانية منعطفا حقيقيا في هذه الحرب لأنها كانت رسالة موجهة إلى الغرب وأساسا منظمة شمال الحلف الأطلسي أكثر منها ضد أوكرانيا.
وبعد مرور ثمانية أشهر على حرب روسيا ضد أوكرانيا، بدأت الصورة الحربية تتضح، ولعل أبرزها هو استمرارها في صيغ كلاسيكية وجديدة لكن دون الوصول إلى استعمال السلاح النووي. وبعد قرابة أسبوع كامل من حديث الطبقة السياسية والإعلامية في الغرب وبقوة عن فرضية استعمال روسيا للسلاح النووي في أوكرانيا، وأساسا التكتيكي منه، عادت إلى إبعاد هذه الفرضية، وخاصة بعد تصريح الرئيس الأمريكي جو بايدن بذلك.
وبدأ يتضح وجود حربين في النزاع القائم بين روسيا وأوكرانيا، الأولى وهي حرب المقاومة، وهذا يتجلى في قيام الجيش الأوكراني وكذلك ميليشيات مسلحة من المواطنين المتطوعين لاستعادة الأراضي التي سيطرت عليها روسيا في شرق وجنوب البلاد وهي أقاليم: دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، وتشكل ما يفوق مئة ألف كلم من مساحة أوكرانيا. وهذه الحرب مكلفة للغاية لروسيا لأنها تعني حماية ألف كلم من حدود التماس مع باقي الأراضي الأوكرانية، وهي مطالبة باستعمال قوة عسكرية وبشرية هائلة لفرض سيطرتها. فقد أثبتت الدراسات العسكرية أن الانتصار في الحرب قد يكون سهلا، لكن فرض الاستعمار وتعزيز السيادة ليس بالهين. وحسابيا، في حالة السيطرة على إقليم أو منطقة، يتطلب الأمر وجود جندي لكل 25 مواطنا، ولهذا تقوم موسكو بتجنيد 300 ألف لكي يتحولوا إلى قوات تفرض الأمن في الأقاليم الأربعة في حين يبقى الجيش المحترف مستعدا لتطورات الحرب سواء مع الجيش الأوكراني أو الحلف الأطلسي.
وعليه، ليس مفاجأة إذا نجح الجيش الأوكراني في السيطرة على بلدة أو مدينة صغيرة على طول خطوط التماس لأن الأمر يتعلق بمئات البلدات على طول ألف كلم. هذه الحرب هي استنزاف للقوات الروسية لأنها عليها صد الهجمات يوميا.
وعندما عرضت مختلف وسائل الإعلام الدولية خريطة استهداف الصواريخ الروسية وكذلك طائرات مسيرة المدن الأوكرانية يوم الاثنين 10 تشرين الأول/أكتوبر الجاري كرد على استهداف جسر شبه جزيرة القرم بعملية تفجير، كان الأمر مهولا بكل المقاييس، فقد جرى توجيه ضربات أغلبها بالصواريخ إلى 23 مدينة ضد البنيات التحتية من محطات الكهرباء والماء ووسائل النقل. واستخدم الجيش الروسي صواريخ من نوع إسكندر وكاليبر، وكذلك طائرات مسيرة انتحارية من صنع إيراني وروسي. غير أن المثير من الناحية العسكرية هو ما يلي:
أولا، كمية الصواريخ التي استخدمها الجيش الروسي، لأن هذه العملية تبرز توفره على كميات كبيرة. وثانيا، هو عملية التنسيق الكبيرة بين القوات البرية والبحرية والجوية في إطلاق ما يفوق 80 صاروخا في ظرف لا يتعدى ساعتين. فقد أطلقت القوات الروسية الصواريخ من منصات في البحر ومن غواصات ومن سفن ومن طائرات مقاتلة مثل ميغ 31.
واستعملت روسيا صواريخ متطورة، فصاروخ إسكندر يجمع بين المجنح والباليستي القصير المدى، بينما كالبير صاروخ مجنح. وأكد الرئيس فلاديميرو زيلنكسي اعتراض نصف الصواريخ تقريبا وإسقاط ثلثي الدرون التي كان عددها 13/  لقد أرسل الكرملين رسائل إلى الغرب من وراء هذا الهجوم وهي: موسكو تمتلك مخزونا كبيرا من الصواريخ، لا يتوفر الغرب على منظومة صواريخ قادرة على اعتراض الصواريخ الروسية وخاصة فرط صوتية منها مثل تسيركون وكنجال، والرسالة الأخيرة أن موسكو لن تتردد في تدمير البنيات التحتية خاصة المتعلقة بالطاقة في الدول الأوروبية.
لقد استهدفت روسيا في بداية الحرب تدمير البنية العسكرية الأوكرانية، لهذا استهدفت بصواريخ متطورة قواعد عسكرية وسلاح الجو بل واستعملت يوم 19 آذار/مارس الماضي صاروخ كندال الفرط صوتي لضرب مخزون للسلاح بالقرب من الحدود البولندية. واقتصرت لاحقا على الحرب الكلاسيكية وهي الدفاع أساسا على الأراضي التي تسيطر عليها الآن، غير أن الهجوم على جسر القرم دفعها إلى الرد العنيف.
إن هجمات يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر الجاري تعتبر منعطفا حقيقيا في هذه الحرب ومؤشرا بشأن السيناريو الذي قد يحصل في مواجهة مفتوحة، إذ أظهرت روسيا قوتها الصاروخية وأنها قادرة على ممارسة الحرب عن بعد بفضل هذه الصواريخ.

خطر توسع الحرب

لا تبدي موسكو قلقا كبيرا من أنظمة الدفاع الجوي التي يقدمها الغرب إلى أوكرانيا، فهي قاصرة على اعتراض الصواريخ أو المقاتلات الروسية من نوع سوخوي 35 أو الميغ 31 أو القاذفات من نوع تو 160. غير أن القلق الحقيقي لروسيا يكمن في تزويد الولايات المتحدة للجيش الأوكراني بصواريخ بعيدة المدى، تفوق صواريخ هيمارس التي كبدت الجيش الروسي الكثير من الخسائر.
وإذا حدث وزودت واشنطن قوات كييف بصواريخ بعيدة المدى، وقتها روسيا قد تدمر معظم البنية التحتية المدنية لأوكرانيا بشكل مرعب، ستكون الهجمات بصواريخ فرط صوتية. وقد تمتد الهجمات إلى ضرب المعابر مع بولندا لمنع مرور السلاح، وقتها قد يقع السيناريو الأسوأ، أي مواجهة مع الغرب الذي سيدافع عن بولندا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية