قرار مجلس الأمن 2042: فرصة نادرة لإنقاذ سوريا من حرب أهلية

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام عشرات الآلاف من السوريين في مظاهرات سلمية في جمعة ‘سوريا لكل السوريين’ وصل عددها حسب مصادر المعارضة إلى 650 بؤرة، عن توقهم الحقيقي للانعتاق من النظام السلطوي بطرق سلمية حضارية كما كان الحال في الشهور الستة أو السبعة الأولى للانتفاضة السورية الباسلة. تلك المظاهرات جاءت بعيد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ صباح الثاني عشر من نيسان (أبريل) الحالي ولكن قبل التصويت على مشروع القرار حول آلية تنفيذ خظة كوفي عنان يوم السبت الرابع عشر من نفس الشهر حيث صدر القرار 2042 بالإجماع. كان من المتوقع أن تصمت المدافع والصواريخ والطائرات العمودية والأسلحة الثقيلة والخفيفة من كافة الأطراف. لكن الأمور لا تبشر بالخير إذا ما إستمرت المناوشات المسلحة على هذه الوتيرة وخاصة بعد وصول حفنة صغيرة من طلائع المراقبين الدوليين لا تكفي لمراقبة مباراة رياضية. ما معنى هذا القرار للأطراف جميعها؟ هل سيتخلى كل طرف عن وسائل تعامله مع الآخر بالأسلوب القديم القائم على كسر العظم أم ستتعامل الأطراف جميعها مع الفرصة النادرة التي فتحها القرار لتجنيب سوريا حربا أهلية، كما تتمنى بعض الأطراف، وتأهيل شعبها العظيم للدخول مرحلة التحول السلمي نحو الديمقراطية والتعديدية وسيادة القانون وتداول السلطة ومحاربة الفساد وحرية الصحافة وحرية التعبير وحرية التجمع وحرية الرأي وبدء مرحلة التنمية الرشيدة التي تؤسس لقيام دولة القانون والمؤسسات التي ستعمل على تعميق دور سوريا التاريخي في النضال لاستعادة الأراضي العربية المحتلة بدعم حقيقي من شعبها الذي سيلتف حول قياداته الحقيقية المنتخبة والمعبرة عن طموحه وخياراته وآماله وآلامه. النظام السوري وفشل الحل الأمنيلو إستطاع النظام السوري حل معضلة الانتفاضة الشعبية العارمة عن طريق القتل والتعذيب والتدمير والاعتقالات والترهيب، إذن لما كان هناك حاجة لقرار مجلس أمن أو لبيان رئاسي أو لزيارات مكوكية لموسكو. لقد تجاوزت الثورة في صلابة عودها وصمودها وإصرارها وبسالة شعبها توقعات كل مراقب وخبير ومطلع على الأوضاع في سوريا. فعلى عكس معظم الثورات العربية، فالمشاركة في مظاهرة سلمية في سوريا عبارة عن مشروع إستشهاد أو إعتقال ليس للمشارك فحسب بل ولأفراد عائلته وأقاربه الصغار قبل الكبار وتدمير الممتلكات وهدم البيوت. على النظام أولا أن يعترف أولا بفشل الحل الأمني، من جهة ومن جهة أخرى عليه أن يقر بأصابعه العشرة أن صبر حلفاء النظام وخاصة روسيا والصين على ما يرتكبه من مجازر قد بدأ ينفذ. عليه أن يعترف، كما توقعنا في مقال سابق، أن روسيا بعد الانتخابات لن تنفرد بموقف مغاير للمجتمع الدولي لأنها تريد أن تكون لاعبا أساسيا على المسرح الدولي لكن دون أن تتهم بأنها تحمي الأنظمة السلطوية. فقد تناغمت مع المجتمع الدولي في فرض العقوبات على إيران وفي تحويل ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية وفي التخلي عن ميلوسوفيتش. ومن المؤكد أن سياسة النظام في إستخدام القوة المفرطة والاستمرار في سياسة الضرب بعرض الحائط بكل ما جاء في القرار وصم الآذان عن نداءات المجتمع الدولي والعربي والسوري لإقتناص الفرصة السانحة لحل الأزمة بالطرق السياسية وعن طريق وساطة دولية مقبولة إنما سيؤدي في النهاية إلى إحتراق النظام وإغراق نفسه في بحر من الدم سيؤدي إلى سقوط مروع وتدمير سوريا نفسها فيكون النظام قد هدم الهيكل على رأسه ورؤوس خصومه معا. النظام يعرف بنود الخطة التي وافق عليها وتتضمن سحب الآليات والمعدات الثقيلة من المدن وهو ما لم يحدث ويبدو أن النظام ليس في وارده أن يمتــــثل لهذا البند. فوجود الآليات الثقيلة تشكل مصدر تهديد وترهيب واستفزاز لكل المواطنين وليس فقط ‘للعناصر المسلحة’ والتي من السهل عليها تجنب المعدات الثقيلة لكن من الصعب مواجهة الشبيحة والأجهزة الأمنية والميليشيات. فالمعدات الثقيلة لن تنتصــر على ‘العناصر المسلحة’ بل ستهدم بنيان الدولة السورية نفسها. إنها فرصة للنظام أن يعلق فشله وحماقته على مشجب القرار الدولي لعله يضمن شيئا من حفظ ماء الوجه عند الوصول لنقطة التحول التاريخي لسوريا من السلطوية إلى الديمقــــراطية وهـــي لحظة لا شك قادمة والأفضل أن تأتي بأقل الخسائر على الشعب السوري.

المعارضة وفشل الاستنجاد بالتدخل الخارجيأكثر من سنة وبعض القوى في المعارضة تصرخ ليل نهار طلبا للتدخل الدولي على الطريقة الليبية. آن الأوان أن يقتـنع المتحمسون للتدخل الخارجي سواء من داخل أطياف المعارضة السورية أو من بعض أعضاء الجامعة العربية أو قلة من المتطرفين من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي أن التدخل العسكري لصالح المعارضة لن يتحقق لأسباب عديدة أهمها أن التدخل سيدخل المنطقة كلها في حرب شاملة يصعب السيطرة عليها في حالة إنطلاقها. لقد خلا القرار الأخير من أية إشارة إلى التدخل العسكري أو إسقاط النظام وهما الخطان الأحمران اللذان تمسكت بهما روسيا منذ البداية وخلال فترة المشاورات غير الرسمية قبل إعتماد القرار. إن من مصلحة المعارضة ألا تبادر في إفتعال عمل عسكري رغم إستفزاز قوات النظام. فمن السهل على النظام أن يردد مقولة قيام ‘العناصر المسلحة بالمبادرة بالهجوم أو بإطلاق النار’. فإذا كان من الممكن تجنب مثل هذه المناوشات فليكن وذلك لإعطاء المشروع فرصة للحياة ولحشر النظام في زاوية المفاوضات لا في إعطائه المجال الأوسع في ميدان العمل العسكري الفسيح. إذن على المعارضة السورية أن تلملم مواقفها حول ثلاثة أهداف: أولا، توحيد موقفها السياسي حول رؤية واحدة حول إسقاط النظام بالطرق السلمية؛ ثانيا العمل على تحريك الشارع السوري لمزيد من الزخم في المظاهرات السلمية. تستطيع القوات النظامية وشبيحتها أن تقمع مظاهرة من ألف أو ألفين لكن مظاهرة يسير فيها عشرات الألوف ثم مئات الألوف ثم الملايين لا بد ستنتصر دون حاجة إلى تدمير البلاد وتصعيد المواجهات إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر؛ وثالثا على المعارضة أن تتوجه بخطاب سياسي موحد نحو الدول القليلة التي ما زالت تقف جزئيا أو كليا خلف النظام دون تخوين أو إزدراء أو تهديد. عليها أن تتوجه بخطاب التطمين والعقلانية لكل من روسيا والصين وإيران وحتى حزب الله، لأن مصالح هذه الأطراف من ناحية إستراتيجية تقف في نهاية المطاف مع الشعب السوري لا مع نظام آيل للسقوط إن لم يكن اليوم فسيكون غدا. إن تصويب الخطاب السياسي بعيدا عن المهاترات والمزايدات والتهديدات يوسع دائرة أصدقاء المعارضة ويضيق الخناق على النظام. كما أن بعض الخطابات التي تصدر عن رموز المعارضة حول التصالح مع إسرائيل والانفتاح المبكر على بعض التنظيمات الصهيونية لا يفيد إلا النظام ولا يضر إلا بالمعارضة. إن مثل تلك التصريحات غير المسؤولة تزيد من تشكك القاعدة العريضة الداعمة للثورة السورية وتثير مخاوف العديد من القوى الوطنية التي لا تستطيع أن تبلع مثل هذه المواقف والتي قد تشير إلى مقايضة مشبوهة من بعض القوى المعارضة للنظام مع ركائز دعم الكيان الإسرائيلي في الولايات المتحدة. نود أن تعلن الجهات المسؤولة في قوى المعارضة الأساسية براءتها من مثل تلك التصريحات والعمل على كتم أو طرد مردديها. في الختام نود أن نؤكد مرة أخرى أن قرار مجلس الأمن الأخير(2042) قد منح فرصة قد تكون الأخيرة لكافة الأطراف كي تقتنص اللحظة وتنتقل إلى المرحلة التالية: تطبيق مبادرة كوفي عنان بكافة بنودها والتي، إن طبقت، ستجنب البلاد الانزلاق إلى حرب أهلية يتمناها أعداء سوريا كي يتم تدمير قلب العروبة النابض ومركز دولة العرب الأولى وصانعة مجدهم وحضارتهم. إن دعاة تسليح المعارضة في هذه المرحلة ليسوا معنيين بنجاح الثورة السلمية في سوريا ولا بنجاح أية ثورة أخرى سواء كانت في مصر أو تونس أو ليبيا أو البحرين أو اليمن. فلنيتصر صوت العقل على صوت الرصاص ولتنتصر كف إرادة الجماهير الشريفة المناضلة الباسلة على مخرز الشبيحة والأمن والعسكر فلا أقوى ولا أعظم ولا أصلب من إرادة شعب حر يريد أن يسترد حقوقه المهدورة منذ نصف قرن أو يزيد بطرق حضارية وسلمية ومتواصلة.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيو يورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية