نيويورك تايمز: أتباع التاتشرية المتحمسون وضعوا المسمار الأخير في أيديولوجيتهم وأثبتوا فشلها

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:

رأى كوين سلوبديان، مؤلف كتاب سيصدر قريبا “الرأسمالية المتصدعة: راديكاليو السوق والحلم بعالم بدون ديمقراطية” أن العالم شهد واحدا من القرابين السياسية المدهشة لم ير مثله في الأوقات الماضية.

وفي مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” قال إنه بدافع من الإيمان بنسخة خيالية من السوق الحر، أطلقت رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس العنان لسلسلة من الأحداث التي أجبرتها على إقالة وزير خزانتها كواسي كوارتينغ وقادتها إلى الحافة بحيث تواجه هي نفسها خطر الإقالة من الحكومة.

 فقبل 3 أسابيع أعلنت عن ميزانية مصغرة بـ45 مليار جنيه من خفض الضريبة عن الشركات والدخل والرواتب وبتركيز على الأثرياء إلى جانب 60 مليار جنيه كنفقات لدعم الطاقة. وكانت هذه أكبر ميزانية مالية منذ عقود، والمشكلة أن السلطات المالية المعنية لم تطلع عليها. ولم يكن لتراس التي انتخبها حزب المحافظين لإعادة تشكيل سياسة وإرث سلفها بوريس جونسون التفويض اللازم.

وكان الرد على “الحدث المالي” مباشرا حيث أوصل الاقتصاد العالمي إلى أكثر النقاط الحرجة مثل تلك التي شهدها بعد اندلاع كوفيد-19 عام 2020. وانخفض الدولار لأدنى مستوياته أمام الدولار وكان على بنك إنكلترا التدخل لكي ينقذ الوضع ويمنع العدوى من الانتشار إلى نظام التقاعد وغيره.

وكانت الرهانات للأزمة عالمية، والأغرب من كل هذا أنه تم عمل هذا بطريقة متهورة وكان سياسة مقصودة، نابعة من قناعة سياسية.

 وهناك أمر تراجيدي- كوميدي إن لم يكن مأساويا، بشأن الثوريين الرأسماليين تراس وكوارتينغ، اللذين تراجعا عن آليات الرأسمالية نفسها. وربما كانت تراس وكوارتينغ آخر أتباع تاتشر، اللذان هزما النظام الذي اعتقدا أنهما مخلصان له.

وبدأ دعاة الأيديولوجية التي أطلقوا عليها التاتشرية بنشرها وتنشئتها في السبعينات من القرن الماضي. وتم تقديمها بداية بأنها الإيمان بـ “السوق الحر والدولة القوية”، وشجبت التاتشرية اقتصاد الرفاه في بريطانيا ما بعد الحرب، وحاولت استبداله بقيمة الفردية والأخلاقية الدينية. ووصف التاتشريون وعلى مدى العقود الأربعة الماضية ومن خلال مراكز البحث مثل معهد الشؤون الاقتصادية ومركز دراسات السياسة التي ساعدت مارغريت تاتشر على إنشائهما، الكفاح مع حزب العمال والأحزاب الشيوعية وغير الشيوعية بأنه “حرب أفكار”.

وحصل الاختراق في حرب الأفكار في عام 1979 عندما تم انتخاب تاتشر وبعد عام انتخاب رونالد ريغان رئيسا للولايات المتحدة. وأنتجت مراكز الأبحاث أفكارا حول الخصخصة وتمزيق الاتحادات العمالية، وشهدت ربيع تطبيقها في الثمانينات من القرن الماضي، إلا أن التاتشرية لم تظهر بصورتها الشاملة وظلت تعاني من الكثير من التناقضات. وينسب الكثير من المؤمنين الحقيقيين بالتاتشرية عرقلة مشروعها إلى ظهور الاتحاد الأوروبي الذي ربط أرض الليبرالية الكلاسيكية بقوانين الاتحاد الأوروبي المقيدة. وبعد خسارتها قيادة حزب المحافظين في عام 1990 ظلت تاتشر تعبر عن تذمرها من المقاعد الخلفية بالبرلمان وزاد عداؤها للاتحاد الأوروبي، حيث وجدت مجموعة من المتشددين المحافظين الذين دعموا موقفها.

وحصل التاتشريون هؤلاء والذين يعرفون بشكل جمعي بالألتراس على دم جديد في نهاية العقد الأول من العقد الحالي، وعرفوا بجيل إكس وكانوا شبابا ولم يجربوا معنى التاتشرية الحقيقي أثناء صعودها في السنوات الماضية. وحاول هذا الجيل الذي يضم وزيرة الداخلية السابقة بريتي باتل ووزير الخارجية السابق دومينيك راب ووزير شؤون الجامعات كريس سكيدمور وكوارتينغ وتراس الإعادة تفعيل الأيديولوجية كي تناسب الألفية الجديدة. وقلد هؤلاء رمزهم ليس في عدائه للنقابات العمالية ولكن بانجذابه للرأسمالية الآسيوية. ففي عام 2012 أصدر هذا الفريق كتابا مشتركا بعنوان “بريتانيا المتحررة”، وهو كتاب كان أساسا للسياسات المفاجئة الشهر الماضي. وهاجموا فيه ما رأوه تراجعا لحماس البريطانيين من أجل العمل و”ثقافة التبرير” ونقابات العمال “المدللة”. وتحدثوا بإعجاب عن التجربة الصينية وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ والسنغافورية. وقالوا إن “المواطن السنغافوري العادي يعمل ساعتين وعشرين دقيقة في اليوم أكثر من المواطن البريطاني العادي”. وقالوا إنه لو كانت هناك طريقة للعودة إلى الساعات الطويلة، فكتاب “بريتانيا المتحررة” يحلم بالعودة في المستقبل للقيم الفيكتورية والجدية بالعمل وتحسين الذات وتقويتها.

ولم يبخل هذا الجيل “إكس” بالبيانات لكنه رأى أمرا يتعلق بجذور الأزمة في بريطانيا وكتبوا: “بعيدا عن الإحصائيات والنظريات الاقتصادية فهناك حس تكمن فيه معظم مشاكل بريطانيا المرتبطة بعالم الثقافة والقيم والموقف العقلي”. تماما مثلما رأت تاتشر نفسها “الاقتصاديات هي مناهج، والهدف هو تغيير الروح والقلب”. وكانت بريطانيا بحاجة إلى قفزة إيمانية لكي تغير نفسها. وفي عبارة تم الرجوع إليها وتكرارها مرارا في مراكز البحث، وتعود إلى الاقتصادي الأسترالي- البريطاني فردريش هايك وقالها عام 1949 وهي أن السلاح الضروري في ترسانة حرب الأفكار هو “يوتيوبيا ليبرالية”.

ويمكن النظر للميزانية المصغرة التي أطاحت بمنصب كوارتينغ وأدت لانهيار الجنيه بأنها لفتة مثالية وعمل تطوعي قصد منه هز الشعب البريطاني من سبات مرحلة ما بعد الوباء. واعتقد كوراتينغ وتراس على ما يبدو أنهما من خلال تصميم سياسة مالية تشتمل على كل سياسات تاتشر الراديكالية، والتخلي عن قناعة عن الحاجة لخفض النفقات، فإنهما سيقدمان الحل السحري “افتح يا سمسم” لبريطانيا العالمية. وكانت لحظة ريغانية عبر عنها مجازا “متحررة” و”غير مقيدة” و”أطلق لها العنان”. وبدا أن القفزة الإيمانية أدت لكسر عنق السائق. وكانت نتيجة كل هذا تباينا بين محفزات الرأسمالية الموجودة ومثالية الليبرالية. وكما اكتشف البريكستيون/دعاة الخروج من أوروبا، بعد رحيل البلد من الاتحاد الأوروبي أن مدينة لندن لا تريد التحرر من التنظيمات التي وعدوا بها، ولم يكن سوق المال ينتظر معجزة في منحنى لافير (المنحنى الذي يحدد العلاقة بين معدلات الضريبة والموارد الحكومية الناجمة عن الضريبة)، كان هذا ريغانية بدون دولار وبدون ثقة منحت لاحتياط العملة العالمي، وبدأ الجنيه بالانهيار السريع.

ومنذ السبعينات من القرن الماضي تبنت مراكز البحث فكرة تأطير العالم كمساحات منفصلة يمكن أن تصبح مختبرات للسياسات الجديدة. وكانت الميزانية الجديدة المصغرة بمثابة محاولة تجريبية. وتم التعبير عنها في منشور لصحافي محافظ قال فيه إن تراس وكوراتينغ “احتضنهما” معهد الشؤون الاقتصادية في السنوات الأولى وتحولت بريطانيا لمختبر تجارب لهما. ويعبر هذا التوصيف وبشكل جيد عن الوضع. واكتشف العلماء الذين يراقبون أن أموال السوق لا تعاقب اليسار الذي يجرب لتغييره التوازن بين الدول والأسواق ولكنها حساسة لتجارب اليمين المتطرف. وفي النهاية اعتذرت تراس عن التجربة واستبدل كوارتينغ بآخر ألغى كل شيء وحدد شروط المساعدة للطاقة. وسواء ماتت التاتشرية نفسها، فمن الباكر الحكم عليها، إلا إن الأديان السياسية تعيش بعد الموت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية