عن الأزمة السياسية في العراق: رئيس جديد وحكومة جديدة والمضي للأمام محاط بالألغام

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في النهاية انتصر حلفاء إيران في العراق وعينوا مرشحهم لمنصب رئيس الوزراء بعد انتخاب البرلمان في 13 تشرين الأول/أكتوبر رئيسا جديدا، هو عبد اللطيف رشيد خلفا لبرهم صالح. وبعد عام على الانتخابات التي فاز بها تيار رجل الدين، المتقاعد في الوقت الحالي عن السياسة، تم تكليف محمد شياع السوداني، وزير سابق لحقوق الإنسان والعمل ومحافظ وعمدة بلدية سابق ونائب لثلاث مرات تشكيل الحكومة.
وحاول الصدريون في الصيف منع ترشيحه لأنه الشخص الذي اختاره ما يعرف بالإطار التنسيقي، وهو كتلة من الجماعات الموالية لطهران، أصبحت الكتلة الأكبر في البرلمان عندما أمر الصدر نواب كتلته «سائرون» في حزيران/يونيو الانسحاب من مجلس النواب، رغم الفوز بانتخابات تشرين الأول/اكتوبر 2021.
وبعد فشل محاولات الصدر تشكيل حكومة بسبب المعوقات التي وضعها حلفاء إيران وخاصة منافسه الرئيسي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، أمر أتباعه في الصيف بمنع انتخاب السوداني رئيسا للوزراء، وقاموا باحتلال البرلمان والاعتصام بالمنطقة الخضراء. وعندما تطور الأمر للمواجهة المسلحة أعلن الصدر نهاية تموز/يوليو عن اعتزال السياسة ودعا أتباعه للانسحاب من المنطقة الخضراء.
ومن هنا بدأت الأطراف السياسية التي دعمت جهود التيار الصدري بالبحث عن حلفاء جدد واستمالها الإطار التسنيقي وطمعها بالمناصب. وعلى هذه الخلفية من التوترات والكولسات والتنازلات والأحكام القضائية الفاسدة التي مارسها الطرف الخاسر ضد الرابح واستمرت على مدى 12 شهرا، حقق الطرف الخاسر ما يريد، والسؤال هو إن كان تعيين الشياع سيعيد الاستقرار للبلاد، وهل سيتخلى الصدريون الذين حصلوا على أعلى المقاعد عن طموحاتهم؟ وما هي خطة الصدر القادمة، هذا أن لم نصدق تقاعده عن السياسة، وما هو موقف الولايات المتحدة التي رحبت بالخطوات الأخيرة، مع أن أطرافا في واشنطن ودولا بالمنطقة رأت بفوز الصدر رغم تاريخه العدائي لأمريكا معادلا قويا لتأثير إيران، ولكن الأخيرة انتصرت في النهاية، ومن خلال وكلائها في بغداد.

جهود

يحاول السوداني بذل جهود مكثفة لتشكيل الحكومة بأسرع وقت، لكي يمنع أي تحرك من الصدر وأتباعه من شأنه أن يعيق ظهور حكومة جديدة، خاصة أن التصويت على انتخاب الرئيس شابه سقوط مقذوفات صاروخية على المنطقة الخضراء. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز»(13/10/2022) عن معلقين في العراق قولهم إن حظوظ السوداني كبيرة في تشكيل حكومة تعيد الاستقرار للعراق بعد فترة اضطرابات أثرت على توفير الخدمات وسط مشاكل مزمنة يعاني منها العراقيون منذ أكثر من عقدين، بعد غزو الولايات المتحدة للعراق. وقالوا إنه يأتي إلى الحكومة بتجربة بالحكم، خلافا لرؤساء الوزراء السابقين، فرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي كان مديرا في المخابرات وانتخب بعد انتفاضة اكتوبر 2019 التي أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي. ومع ذلك كشف مسؤولون عراقيون عن تعرض السوداني لضغوط منذ اللحظة التي عين فيها كي يضمن أسماء معينة بمناصب وزارية وتعيين نائبين له. ورغم رفضه أسماء كثيرة إلا أن الكتل المتنافسة مصرة على تعيين الأسماء التي تريدها. ونظرا لنظام المحاصصة الطائفية بين السنة والشيعة والأكراد فإن هذه الأطراف تنتنافس على الحقائب الوزارية المخصصة لها. ووسط هذا التنافس يحوم ظل الصدر وأتباعه الذين رفضوا المشاركة في حكومة يقف وراءها الإطار التنسيقي. ووصفها مسؤول في التيار الذي كان بالمركز الأول في انتخابات عام 2021 بالميليشياوية. وربما أدت الصراعات بين التيارات المتصارعة على المناصب والتأثير على رئيس الوزراء المعين لتأخير منح الثقة للحكومة الجديدة، مع أنه من غير الوارد، ولو وافق مجلس النواب على وزراء السوداني، كما متوقع، فسينتهي فصل مضطرب بالسياسة العراقية، لكن الحكومة تظل حلا مؤقتا، طالما لم تحل الجذور الأساسية والمشاكل المتأصلة في نظام الحكم العراقي.

ليست نهاية العملية السياسية

ويجب أن يكون الحل، أي الحكومة الجديدة تمهيدا لانتخابات مبكرة تصر على إجرائها الولايات المتحدة وشركائها بالمنطقة ولمنع الميليشيا والسياسيين الفاسدين من تحييد التكنوقراط أو شن حملة ضد السياسيين الموالين للغرب كما يقول المحلل مايكل نايتس من معهد واشنطن (21/10/2021). ويرى نايتس أن السوداني بصفته وزيرا ومحافظا سابقاً، يظل رجل سياسة محترف ويتمتع بالجاذبية، وستلبي حكومته بعض المعايير من حيث المؤهلات التكنوقراطية لأعضائها، ومع ذلك، ففي ظل هذا المظهر الجذاب من المرجح أن تعاني الحكومة من عدة مشاكل لا يمكن للولايات المتحدة وشركائها الآخرين تجاهلها، منها أن حكومة السوداني هي نتاج عملية غير ديمقراطية، فقد وصل رئيس الوزراء الجديد إلى منصبه بعد عملية انتخابية فاشلة عملت فيها الأحزاب الخاسرة وبشكل مستمر على تقويض تصويت ناجح، تحت إشراف الأمم المتحدة.
وتضم هذه ميليشيات مدعومة من إيران وتشكل جزءا من الحشد الشعبي. وهددت بداية بالعنف عندما حاولت قتل رئيس الوزراء الكاظمي في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 بطائرة مسيرة. وعندما فشلت عبأت القضاة الفاسدين لتغير قواعد اللعبة القانونية، بحيث لم تعد الكتلة الفائزة قادرة على تشكيل الحكومة. وسيؤثر كل هذا على نظرة الرأي العام للعبة السياسية وتقليل نسبة المشاركة في الانتخابات، نظرا لما يقوم به أتباع إيران من محاولات لعكس نتائج الانتخابات والحفاظ على الوضع القائم الذي كرسه الغزو الأمريكي.
وربما استخدم التيار الصدري الذي حرم من تشكيل الحكومة ما حدث لمواصلة زعزعة استقرار الحكومة. ويحذر نايتس من فوز نواب تابعين لجماعات مصنفة على لائحة الإرهاب الأمريكية مثل كتائب حزب الله وعصائب الحق بمقاعد في مجلس النواب، وتأثيرهم السلبي على الحكومة الجديدة. والملاحظ أن السوداني لا يخفي علاقته بسياسيين ينتمون إلى ميليشيات خاضعة لعقوبات من أمثال فالح الفياض وحسين مؤنس.
وشبه نايتس الوضع الحالي بعام 2018 عندما كلف عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة حيث منح جماعات مصنفة إرهابيا ووكيلة عن إيران مناصب قيادية. كما وأسهمت هذه الميليشيات بملاحقة المحتجين والتظاهرات المطالبة بالتغيير في العراق عام 2019 وبالفعل فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الفياض لدوره بـ«توجيه عمليات قتل المتظاهرين العراقيين المسالمين والإشراف عليها» في ذلك العام.
ويخشى نايتس من عودة حكم الميليشيات للعراق، تماما كما حدث في الفترة ما بين 2018- 2019 لأن الزمرة التي قادت الانقلاب على العملية الانتخابية هي نفسها: الفياض وقيس الخزعلي ونوري المالكي وهادي العامري. وسيجدون المؤسسة القضائية إلى جانبهم جاهزة لمساعدتهم.

علاقات على المحك

وكادت العلاقة الأمريكية-العراقية أن تنهار في المرة الأخيرة التي حكمت فيها الميليشيات البلاد. ففي تلك الفترة اقتحمت جماعات إيران السفارة الأمريكية وكثفت من هجماتها على القوات الأمريكية في العراق. وخطط البيت الأبيض في حينه لعملية سحب القوات الأمريكية وقلل من الوجود الدبلوماسي في السفارة ببغداد. وردت إدارة دونالد ترامب بقتل الرجل الذي تثق به الميليشيات وقائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، عام 2020 إلى جانب نائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.
وحتى لو انتهجت الجماعات الجديدة نهجا مختلفا عن النهج السابق الذي قاد للمواجهة مع واشنطن فهناك إجراءات يجب ألا تسكت عليها الولايات المتحدة، مثل تقليل التعاون الأمني مع الحكومة لو قامت الميليشيات بتطهير أو تهميش شركاء الولايات المتحدة الموثوقين في الجيش وجهاز المخابرات بهدوء. وربما منعت العراق من استخدام النظام العالمي المالي لو حاولت الميليشيات ووكلاء إيران الآخرون من جديد استغلال البنك المركزي العراقي كمصدر تمويل بالدولار.
لا شك أن عودة الأطراف نفسها ستؤدي إلى عدم استقرار في البلاد وعودة الانتفاضات الشعبية واسعة ضد الحكومة الخاضعة للميليشيات.
ويقول نايتس إن السوداني سياسي قادر وشخص يتصف بالكياسة، إلا أن عبد المهدي كان كذلك قبل أن يسلم زمام الأمور إلى وكلاء إيران. وإزاء كل هذا فيجب العودة لخريطة الطريق التي وضعتها أمريكا في تلك الفترة والتركيز على أن العراق هو تحت المراقبة، ولفحص حسن نية الحكومة الجديدة فعلى واشنطن اعتماد مقياس للتقدم مثل التزام الحكومة بإجراء انتخابات سريعة بناء على قانون انتخابي عادل، والالتزام بعدم قمع الناشطين المدنيين كما حصل في عام 2019 وما بعده، وكذا الامتناع عن التسييس والتطهير ضد معارضي الحكومة ومنع الميليشيات من استهداف القوات الأمريكية، وإحاطة الكونغرس بالتطورات في العراق.
ويشمل مقياس نجاح الحكومة الجديدة، التزام حكومة السوداني بمكافحة الفساد. ويجب أن تكون البداية من تعاون حكومة السوداني مع الولايات المتحدة لمعرفة ما حل بالودائع الضريبية التي اختفت من وزارة المالية والبالغة قيمتها 3.7 تريليون دينار (2.5 مليار دولار) خلال العام المالي 2021.

مخدرات وفقر

ولا شك أن عدم الاستقرار السياسي واستمرار الأحزاب والتيارات التقليدية التي هيمنت وتهيمن على العراق، ومنها التيار الصدري، السعي وراء مصالحها وملء الوزارات بالأسماء الموالية لها وتفتقر في معظم الأحيان للخبرة السياسية ومتهمة بالفساد، ستكون معوقا لرئيس الوزراء الجديد أو حكومة أخرى الالتفات للمشاكل الحقيقية التي تواجه العراقيين.
وحسب إحصائيات الحكومة فقد ارتفعت نسبة الفقر إلى 37.1 في المئة. وقاد تراجع الدينار العراقي أمام الدولار وآثار ما بعد وباء كورونا كلها لارتفاع معدلات الفقر وانتشار الأمراض الاجتماعية وفقدان الشباب الأمل بمستقبل مستقر وهروبهم للمخدرات التي تنتشر بمعدلات واسعة خاصة في الجنوب.
ومعظم هذه المخدرات تعبر بسهولة من إيران وأفغانستان وتدمر حياة الشباب الباحث عن هروب من الواقع المؤلم. ووصف مسؤول بمكافحة المخدرات في البصرة جنوب العراق الوضع بالكارثة، حيث استغل المهربون الأزمة التي يعاني منها البلد الذي عاش نزاعا وحكومة فاسدة تعاني من خلل وظيفي. وباتت أخبار مصادرة المخدرات العنوان الأبرز في نشرات الأخبار اليومية. ومع أن الكميات المبلغ عنها تصل إلى مئات الكيلوغرامات إلا أنها تظل أقل من الحجم الحقيقي، ولكن حجمها يزداد كل عام. وتحظى التجارة بدعم الجماعات المسلحة، بعضها على صلات مع إيران وكذا شبكات العشائر والمسؤولين الفاسدين، وذلك حسب مسؤولي الحدود والقضاء. وهذا جزء من المشاكل التي يعاني منها العراق، مع أنه يملك خامس احتياط للنفط في العالم.

المشهد مفتوح على مفاجآت

في الوقت الحالي فشل الصدر بتغيير معالم اللعبة السياسية بالعراق بشكل منح الفائز بالانتخابات الفرصة لتشكيل الحكومة، وهو ما كان سينتج عنه حرمان الأحزاب الخاسرة ومعظمها مؤيد لإيران دورها في العملية السياسية، وكذا خسارة طهران التي أعلن الصدر منذ البداية أنه ضدها، ولهذا التف الطرف الخاسر عليه واجتذب حلفاءه من السنة والأكراد واستجاب لمطالب قدموها لم يكن في السابق يعيرها انتباها مثل تغيير الرئيس برهم صالح واستبداله بمرشح آخر من الديمقراطي الكردستاني، والتعهد بإلغاء آليات اجتثاث البعث التي استهدفت السنة والقبول باستفتاء على كركوك. وبالمحصلة خسر الصدر رهانه ومعه التيار التشريني الذي فقد زخمه نظرا للقمع الذي تعرض له وتشتت قيادته وتراجع الكاظمي عن تعهداته حيث حاول إرضاء الجماعات المسلحة على أمل الحفاظ على منصبه. وفي ذكرى انتفاضة تشرين هذا الشهر لم يكن عدد المشاركين فيها كبيرا، لكن لا يعني نهاية المطالب بالتغيير. ولن يسكت الصدر طويلا قبل أن يحشد أنصاره ويعود للتحالف من جديد مع التيار التشريني الذي تخلى عنه. ولا ريب أن الإطار التسنيقي يحاول استرضاء حلفاءه بمقاعد وفيتو على قرارات الحكومة وغير ذلك، لكن صمت الصدر لن يطول قبل أن يعود للمشهد من جديد ويواصل لعبة التخريب على أعدائه، ومن هنا فمهمة السوداني محفوفة بالمخاطر، فهو المرشح الذي طالما رفضه الصدريون ووصل إلى الحكم بالطريقة التي نعرفها الآن. انتهت حالة الانسداد السياسي في العراق إلا أن المسار للمضي قدما والالتفات للمشاكل الحقيقة لا يزال محاطا بالألغام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية