لندن ـ «القدس العربي»: حدث ما كان يتوقعه وينتظره جُل عالم كرة القدم، بتتويج النجم الفرنسي كريم بنزيمة بجائزة «الكرة الذهبية»، كأفضل لاعب على هذا الكوكب من قبل المجلة الأشهر عالميا «فرانس فوتبول»، في قصة نادرة الوجود، ستبقى عالقة في الأذهان لسنوات وسنوات، كمحتوى تحفيزي لعلماء وأساتذة التمنية البشرية، لإقناع الأجيال القادمة بأن العزيمة أقوى من المستحيل، والإصرار مفتاح الأحلام وغيرها من عناوين كتب ومحاضرات التوعية وتعزيز القدرات والثقة بالنفس، والدليل على أنها ليست مبالغة أو تطبيل لسليل محاربي الصحراء، لو أحدنا شطح في أضغاث أحلامه قبل عام أو أكثر، وأخبرنا أن أبو إبراهيم سيعانق «البالون دور» يوما ما.
قاهر التنمر
قبل الحديث عن الأسباب الجوهرية في التحول الكبير في مسيرة كريم، دعونا نعود إلى الوراء أكثر من عقدين من الزمان، تحديدا عندما تشكل وجدانه على أمجاد أساطير أواخر التسعينات وبداية الألفية الجديدة، هناك في حي برون في مدينة ليون، المكتظ بالمهاجرين وفئة «الكادحون في الأرض»، ذاك الحي المضطرب، الذي شهد بداياته مع التنمر وسخرية الغير، على غرار الألم النفسي الشديد من سماع عبارات الاستهزاء من جسده البدين، بجانب عدم تقبله من قبل أطفال المدرسة، بسبب أصوله وثقافته المختلفة، ما جعله طفلا انطوائيا وخجولا، لدرجة أنه كان يرفع شعار «خير الكلام ما قل ودل» في تعامله مع الأطفال والعالم الخارجي، خوفا من الاستخفاف من أسلوبه في الحديث وعدم قدرته على «تجميل الكلام»، وما زاد الطين بلة، أنه أصيب بداء اللعثمة، لكن المكان الوحيد، الذي كان يعبر فيه عن نفسه وشخصيته كما ينبغي، ما كان يُعرف بين أطفال الثمانينات والتسعينات بـ«ملعب الحارة»، قبل انتشار ظاهرة الملاعب الاصطناعية، ورغم ضيق الحال ومشقة الحياة على المهاجر الجزائري حافظ بنزيمة وزوجته مليكة، خاصة بعد إنجاب تسعة أطفال، إلا أن الموهبة الطاغية لصغيرهما السادس، كانت بمثابة المحفز الأساسي، لبدء الاستثمار في مشروع العمر، وذلك بإرساله إلى أكاديمية تولا فولاج، على أمل أن تكون خطوته الأولى نحو الحلم الكبير، باحتراف لعبته المفضلة، وحسنا فعل بطريقته المفضلة، بالرد على المنتقدين والساخرين من وزنه الزائد، عندما كان بعمر 15 عاما، بعودة مذهلة في العام التالي، تجلت في الاختلاف الجذري في بنيانه الجسدي ولياقته البدنية، بعد نجاحه في إنقاص وزنه في وقت قياسي، ليجني ثمار تعبه وشقائه على نفسه لتطوير مستواه فنيا وبدنيا، بتسجيل هدفين في شباك شباب ليون، لتستجيب دعوات الحاج حافظ وزوجته، بانقلاب حياة الطفل كوكو إلى ليون، وانفجار موهبته في بطولة أوروبا تحت 17 عاما.
تقلبات وتحديات
بعد تجاوز التحدي الأول، بإفحام كل من شكك في التغلب على جسده البدين، مر بالعديد من التقلبات في مسيرته الاحترافية، بدأت بصدمة السخرية منه في غرفة خلع الملابس في فريق ليون الأول، بانفجار ضحكات النجوم والمشاهير، أمثال إريك أبيدال، فلورن مالودا، سيلفان ويلتورد، جون كارو والأسطورة جونينيو، في ردة فعلهم، على تلعثمه وهو يقدم نفسه للمرة الأولى، وفقا لرواية صديقه الصدوق أنتوني مونييه، لتتحول سعادته بمقابلة نجوم الطفولة والمراهقة للمرة الأولى، إلى ما هو أشبه بالتحدي، سرعان ما ظهرت نتائجه على أرض الواقع، باستعراض قدراته وموهبته بطريقة فاقت كل التوقعات، ما جعله يسحب البساط من تحت أقدام الجيل الذهبي لفريق ليون، الذي استحوذ على لقب الليغ1، 7 مرات على التوالي في بداية الألفية الجديدة، وبالتبعية تسابقت أندية أوروبا الكبرى من أجل الحصول على توقيعه، حتى أنه كان على بعد خطوة واحدة من الذهاب إلى برشلونة في صيف 2009، بترشيح من المدير الرياضي السابق والحالي لمانشستر سيتي تشيكي بغيريستن.
لكن الصفقة لم تكتمل، لتحفظ الرئيس جوان لابورتا عليها، من منطلق أو منظور، أنه ليس بذاك الميغا ستار، الذي يتطابق مع شروط البلوغرانا في أوج لحظات الطغيان في زمن الفيلسوف بيب غوارديولا، ليتلقى وكيله كريم الجزيري، المكالمة الحلم، التي قلبت حياة أبو إبراهيم إلى الأبد، من مكتب فخامة رئيس النادي الملكي فلورنتينو بيريز، للاستفسار عن شروط بنزيما ليكون أول صفقة للمهندس الملياردير في ولايته الثانية، التي دشنها بوضع حجر أساس فريق الغالاكتيكوس الثاني، بإتمام صفقة كريستيانو رونالدو وريكاردو كاكا والبقية، وشاء القدر، أن يتكرر معه نفس السيناريو التقليدي، الفارق هذه المرة، أنه وقع ضحية أمام العدسات والرأي العام، بانتقادات لاذعة من قبل زملاء غرفة خلع الملابس، على رأسهم كاكا، وقبلهم المدرب جوزيه مورينيو، تحت شعار «حاجته لمزيد من العمل»، وهذا في حد ذاته، حفر في أذهان الجماهير والنقاد والجميع، ذاك الانطباع السيئ، الذي حاصره طوال سنوات الظل والنسيان، بالنظر إليه على أنه مجرد مساعد لصاروخ ماديرا، والأسوأ، كان ذاك الإجماع الغريب، على أنه مهاجم محظوظ ولا يملك مقاومات الجلوس على مقاعد البدلاء في «سانتياغو بيرنابيو»، والشاهد على ذلك، مقاطع الفيديو المحفوظة على منصة «يوتيوب»، التي كانت تحصد ملايين المشاهدات من ملخصات الفرص السهلة التي كان يهدرها كريم في تلك الفترة.
الأب الروحي وبطل الطفولة
بينما كان المشجع المدريدي، يشعر بكل أنواع الخجل، من شماتة الأعداء وسخريتهم من فنون بنزيما في إضاعة الفرص السهلة، كان الرئيس فلورنتينو بيريز، يتفانى في دفاعه عن مهاجمه المدلل، في ما كانت تبدو وكأنها مجاملة زائدة عن الحد من قبل الرئيس، لكن في حقيقة الأمر، أثبتت التجارب، أنها كان ثقة عمياء من بيريز، ولفهم من أين كان يكتسب فلورنتينو هذه الثقة، علينا أن نتذكر، أننا نتحدث عن رجل أعمال ثري لا يثق إلا في أشخاص بالكاد يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة، على الأقل في توجهاته وعمله في كرة القدم، منهم واحد عنه في التسريب التاريخي، الذي أهان فيه عظماء الريال في العصر الحديث، مستثنيا صديقه المقرب زين الدين زيدان، ولاعبه الإنكليزي المفضل ديفيد بيكهام، والأول على وجه التحديد، كان صاحب اقتراح التوقيع مع مواطنه، لإيمانه بإمكانات كريم وقدرته على محاكاة مسيرته الأسطورية في الملاعب الأوروبية، وظهرت مؤشرات تحقق نبوءة الأب الروحي وبطل الطفولة، بعد عودة الأخيرة للقيادة الفنية للوس بلانكوس، في ما تعرف بولايته الثانية، وكان ذلك بالوصول لأفضل معدل تسجيل في مسيرته في موسم واحد خلال أقل عدد من المباريات، بهز شباك الخصوم 30 مرة في 46 مباراة في ثالث موسم بدون كريستيانو، أو بعبارة أخرى سجل 87 هدفا في أول ثلاثة مواسم بعد التحرر من ظل الدون، أكثر من معدل أهدافه في 4 مواسم بجانب الهداف التاريخي للنادي، قبل أن يُكشر عن أنيابه على مرأى ومسمع الجميع في موسمه الاستثنائي مع كارلو أنشيلوتي.
عراّب البالون دور
مع وصول ميستر كارليتو إلى سُدّة الحكم في «سانتياغو بيرنابيو» الموسم الماضي، اكتملت نسخة بنزيمة المخيفة بعد سن الـ34، كأنه قرر فجأة أن يبدأ حياته الحقيقة مع كرة القدم في خريف العمر، تاركا عجائبه وأهدافه الحاسمة، ترد على الساخرين والشامتين القدامى، خاصة في المعارك التاريخية في حملة استكشاف كأس دوري أبطال أوروبا الرابعة عشر، بدأت برسالة التحذير والكشف عن مطامعه المشروعة في تحقيق حلمه الكبير، بمعانقة «الكرة الذهبية» في عاصمة الموضة، في ليلة السطو على ليونيل ميسي، نيمار جونيور، كيليان مبابي وباقي أساطير ونجوم فريق أحلام باريس سان جيرمان، بأهدافه الثلاثة الهاتريك في إياب «سانتياغو بيرنابيو» في دور الـ16، وتبعها بهاتريك آخر هناك في «ستامفورد بريدج» في ذهاب دور الثمانية في شباك صاحب الأرض تشيلسي، ثم بإبداع في تقمص دور البطولة المطلقة في مواجهتي الإياب أمام البلوز وبطل الإنكليز مانشستر سيتي، بالتكفل بتسجيل هدفي التأهل لنصف النهائي والنهائي، ولولا قرار حكم الفيديو، المثير للجدل في نهائي ليفربول، لختم موسمه بالهدف الـ45 في مختلف المسابقات، منهم 15 هدفا في الكأس ذات الأذنين، وكان ذلك، تزامنا مع مذابحه الكروية في خصوم الريال في الدوري الإسباني، التي انتهت بتوقيعه على 27 هدفا، كانت كافية لحصوله على جائزة «البيتشيتشي» للمرة الأولى في مشواره مع الملكي، لكن في كل الأحوال، كانت النهاية السعيدة، بعدما تحقق الهدف المنشود، بضمان ملء المساحة المخصصة منذ سنوات لكأس الكرة الذهبية في خزانة الجوائز والميداليات، في قصره الفخم في ضواحي مدريد، وذلك بعد مرور 18 عاما على أول لقاء جمعه بوكيله كريم الجزيري، عندما كان يحلم بشراء منزل به مدفأة للحاجة مليكة، ثم باللعب لريال مدريد والفوز بالكرة الذهبية، قبل أن تنتصر له عدالة السماء مساء الإثنين الماضي، لحظة تسلمه الجائزة في أجواء استثنائية تفوح منها العاطفة الجزائرية، التي لمست القلوب والمشاعر في الدول العربية أكثر من أي مكان آخر في العالم.