هل دفعت الخلافات السعودية الأمريكية نحو مزيد من التقارب بين الرياض وأنقرة؟ 

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول – “القدس العربي”: على الرغم من الإعلان رسمياً عن إنهاء الخلافات بين تركيا والسعودية عقب زيارات متبادلة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي عهد السعودية محمد بن سلمان قبل عدة أشهر، إلا أن العلاقات لم تشهد تحولاً حقيقياً حيث بقي الجمود يخيم عليها وسط تكهنات بأن الرياض لم تبدي أي حماسة لتوسيع العلاقات وتطويرها مقابل الرغبة التركية المعلنة بتحقيق اختراق سريع وواسع في العلاقات بين البلدين لا سيما بالجانب الاقتصادي منها. 

في المقابل، شهدت الأيام الأخيرة زيارات وتصريحات ومؤشرات إيجابية تؤكد حصول تحول حقيقي في مسار العلاقات بين البلدين نحو تعزيز التعاون في السياسي والاقتصادي بالدرجة الأولى، وهو ما ترافق مع تصاعد الخلافات بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية عقب قرار أوبك الأخير بخفض الإنتاج وما ولده من غضب أمريكي غير مسبوق وصل حد إطلاق تهديدات ضد المملكة العربية السعودية، الأمر الذي دفع نحو الاعتقاد بأن الرياض لمست أهمية لتعزيز علاقاتها مع أنقرة في ظل الخشية من نتائج تصاعد الخلافات مع واشنطن. 

وبالتزامن مع تصاعد الخلافات بين الرياض وواشنطن، صرّح وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، بأن “تنمر الولايات المتحدة على السعودية بخصوص قرارات اتحاد أوبك، عمل غير صائب”، في خطوة اعتبرت بمثابة وقوف تركي قاطع إلى جانب السعودية، وأضاف الوزير التركي: “نرى أن هناك دولة تهدد السعودية، هذا التنمر ليس صائبا.. ارفعوا العقوبات عن إيران إذا كنتم تريدون انخفاض أسعار النفط، فلا يمكنكم حل المشكلة عبر تهديد دولة واحدة (في إشارة إلى السعودية)”. 

رسالة الوزير التركي التي اعتبرت بمثابة “دعم سياسي” من أنقرة إلى الرياض في مواجهة الضغوط الأمريكية، كشفت أيضاً عن رسالة تركية للسعودية بأنها “حليف مهم” يمكن الاعتماد عليه والوثوق فيه لتفادي أي آثار مترتبة على أي تصاعد للخلافات بين الرياض وواشنطن، لا سيما وأن أنقرة باتت “متمرسة” على التعاون مع الخلافات والتهديدات الأمريكية وتحقيق توازن ما في العلاقات دون قطعها أو الرضوخ للضغوطات. 

في المقابل، يرى مراقبون أن تركيا يمكنها تقديم الكثير للملكة العربية السعودية في حال جرى تعزيز العلاقات بين البلدين لا سيما فيما يتعلق بتعزيز قدرات المملكة الدفاعية عبر تزويدها بأنظمة الحرب الإلكترونية وبعض الأنظمة الدفاعية المخصصة لمواجهة هجمات المسيرات والأهم مسيرات بيرقدار وأقنجي والتي باتت تعتبر من أفضل المسيرات القتالية في العالم وجرى تجريبها في عدد كبير من ساحات القتال حول العالم، وهي جميعها إمكانيات متقدمة تحتاجها السعودية لرفع قدرتها على مواجهة التحديات القادمة من الحوثيين باليمن بدرجة أساسية. 

وبينما تبدو أنقرة بحاجة أساسية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية لدعم الاقتصاد التركي من خلال رفع التبادل التجاري والسياحة والاستثمارات والحصول على وديعة يقال إن أنقرة طلبتها بقيمة 20 مليار دولار، تبدو السعودية بحاجة إلى احتياجات حيوية كبيرة تتعلق بالصناعات الدفاعية وهو ما يمكن أن يدفع نحو تلاقي مصالح البلدين خلال المرحلة المقبلة وبدفع نحو مزيد من التقارب سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. 

وقبل أيام، شارك وزير التجارة السعودي وزير الإعلام المكلف ماجد القصبي في أعمال الدورة الـ12 لهيئة مؤتمر وزراء الإعلام في منظمة التعاون الإسلامي حيث تسلمت تركيا رئاسة الدورة من السعودية، وأجرى الوزير السعودي سلسلة لقاءات رسمية وأطلق تصريحات مختلفة لوسائل الإعلام التركية ركز فيها على إظهار حجم التعاون والمسار الإيجابي للعلاقات بين البلدين. 

وفي لقاء مع التلفزيون التركي الناطق بالعربية “تي ري تي عربي”، أعرب الوزير السعودي عن أمله في ارتفاع حجم الاستثمارات السعودية في تركيا لتصل إلى 30 أو 40 مليار دولار خلال الفترة المقبلة، لافتاً إلى أن حجم الاستثمارات السعودية بتركيا حالياً يقترب من 18 مليار دولار، مشيراً إلى أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من تبادل الزيارات لوفود رجال الأعمال السعوديين والأتراك، وأن حجم الاستثمارات السعودية بتركيا في تصاعد مستمر. 

وبالتزامن مع ذلك، يشارك وزير الخزانة والمالية التركي نور الدين نباتي في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” السادس، الذي انطلق في العاصمة السعودية الرياض الثلاثاء، وذلك عقب أقل من شهر على زيارته جدة ولقاءه بصحبة المتحدث باسم الرئاسة التركية ابراهيم قالن، حيث جرى بحث تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين. 

يقول وزير الاقتصاد السعودي في لقاء مع الأناضول: “ندعو المستثمرين والشركات التركية ورجال الأعمال والصناديق الاستثمارية التركية، للملكة للتعرف على هذه الفرص (الاستثمار في السعودية)”، مضيفاً: “تجمع تركيا والسعودية علاقات تاريخية لا سيما على مستوى دعم قضايا الأمة والتعاون الثنائي في المجالات كافة وخاصة الاقتصادية، ومنذ زيارة أردوغان التاريخية للمملكة في أبريل/ نيسان الماضي بدأت تتنامى العلاقات في مختلف المجالات”. 

وعقب سنوات من الخلافات السياسية التي رافقتها “إجراءات اقتصادية” هبطت بمعدلات التبادل التجاري بين البلدين إلى ما يقارب الصفر، عاد النشاط التجاري بين البلدين بقوة في الأسابيع الأخيرة، حيث سجلت الصادرات التركية إلى السعودية ارتفاعاً بنسبة بلغت 180 بالمئة، في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، فيما حققت عائدات بقيمة 420.9 مليون دولار، كما عاد السعوديين لزيارة تركيا بقوة عقب رفع حظر السفر غير الرسمي الذي كانت تفرضه السعودية على زيارة مواطنيها إلى تركيا. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية