المؤثّرون في نقاش الشأن العالمي

في إطار سنّة تحظى باهتمام الأوساط الثقافية في بلدان اللغة الانكليزية منذ أعوام، فتحت مجلة «بروسبكت» الفكرية البريطانية باب التصويت لاختيار أهم مفكري العالم لعام2015. وكنا قد أوضحنا في مناسبات سابقة أن ترتيب أسماء المرشحين على القائمة السنوية ليس من اختيار هيئة التحرير، بل إن القرار فيه للجمهور. أي أن المجلة هي التي تحدد أسماء المرشحين كل عام، ولكن «جمهورية القراء» هي التي تحدد الترتيب (الأول، فالثاني، الخ) بالتصويت الديمقراطي.
وكانت القائمة في الأعوام الماضية تتضمن أسماء مئة مرشح. أما هذا العام، فإنها تقتصر على خمسين مرشحا فحسب. والسبب في ذلك أن المقاييس المعتمدة قد تغيرت. فقد كانت مسابقات الأعوام الماضية تتعلق بـ»المثقفين العموميين العالميين». ومعلوم أن مفهوم «المثقف العمومي» أو المثقف العام مفهوم أنغلوساكسوني قائم على ملاحظة أن المثقفين ليسوا في العادة معروفين لدى الجمهور، والاستنتاج بناء على ذلك بأن القلائل المعروفين منهم، بفضل شهرتهم وتأثيرهم، يصيرون مثقفين عموميين. وقد عرّفت المجلة «المثقف العمومي»، عند انطلاق هذه الترشيحات السنوية عام 2005، بأنه «شخص أثبت تميزا في مجال اختصاصه مع قدرة على نشر الأفكار والتأثير في النقاش خارج (هذا المجال)».
أما مقاييس اختيار قائمة هذا العام فتتعلق باختيار مفكرين تعتقد المجلة أنهم «ملتزمون، من وجوه طريفة وعميقة، بمعالجة المسائل المركزية في عالم اليوم». وقد أولت المجلة الأولوية لمن «كان لهم تأثير على مدى الأشهر الاثني عشر الأخيرة» ودور في التصدي «لكبريات قضايا هذا العام» في الاقتصاد، والعلوم، والفلسفة، والسياسة والنقد الاجتماعي والثقافي. وينبه مدير التحرير جوناثان داربيشر إلى أن «قياس التأثير الفكري لا يدخل في باب العلوم الصحيحة» وإلى أن «تعريفنا لكبريات قضايا عالم اليوم يعكس اهتماماتنا وهمومنا بأكثر مما يعكس أي مقياس موضوعي».
ولهذا فقد تضمنت قائمة مرشحي هذا العام شخصيات لا علاقة لها بالفكر أو الثقافة، أيا كان تعريفهما، إلا أن لها تأثيرا في مناقشة الشأن العام أو توجيه مواقف الجمهور. ولا شك أن أبرز مثال هو الممثل والكوميدي البريطاني راسل براند الذي نشر قبل خمسة شهور كتابا بعنوان «الثورة» نادى فيه بإعادة توزيع راديكالية للثروة والسلطة في بريطانيا وفي العالم. كما دعا الشباب البريطاني أخيرا إلى عدم تجشم عناء التصويت في الانتخابات العامة في أيار/ مايو القادم بدعوى أن كل الطبقة السياسية فاسدة وأن الاقتراع لا يقدم ولا يؤخر وإنما يساهم في تأبيد الوضع القائم. ورغم أن هنالك من يتهم براند بالانتهازية والتهريج، نظرا إلى أنه من الأثرياء، فإن بعض المعلقين يرون أن لديه تأثيرا يفوق تأثير كامل الطبقة السياسية، حيث يتجاوز عدد متابعيه على «تويتر» تسعة ملايين شخص! وقد عرّفته المجلة بأنه «الزعيم الروحي للشباب المهمش والمناهض للرأسمالية» وبأنه «أقوى شخصيات اليسار الشعبوي البريطاني جاذبية وإشعاعا».
ومن طرائف هذا العام أيضا إدراج اسم يانيس فاروفاكيس وزير المالية في الحكومة الجديدة المنبثقة عن حزب سيريزا اليساري الفائز بانتخابات كانون الثاني /يناير في اليونان. والسبب أنه قد صار له عدد كبير من المعجبين لا يتأتى عادة إلا للمشاهير والنجوم. ويعود الفضل في ذلك إلى شجاعته في تحدي ديكتاتورية النيوليبرالية. وكان فاروفاكيس، الذي يسمي نفسه «اقتصاديا بمحض الصدفة» رغم أن له دكتوراه في الاقتصاد، قد كتب قبل خمسة أعوام مع النائب العمالي البريطاني السابق ستيوارت هولاند ورقة وضع فيها تصورا بديلا عن تعليمات التقشف والصرامة الصادرة عن برلين.
في الوجه المقابل، كان من الإنصاف أن تشمل القائمة اسم الكاتب والصحافي الهندي بانكاج ميشرا الذي يجمع بين القدرة على الكتابة النقدية والسياسية المتبصرة وبين الإبداع الأدبي والروائي انطلاقا من واقع أمته وتجاربها. وقد كان له، عام 2011، صولات مشهودة سفه فيها مزاعم المؤرخ البريطاني (ذي الهوى الصهيوني) نيل فرغسون حول «استثنائية» الحضارة الغربية مسارا ومصيرا. أما المفاجأة السارة، فتتمثل في إدراج اسم زميلتنا الصحافية المصرية اللامعة منى الطحاوي المعروفة في أمريكا وبريطانيا صوتا نافذا في المنافحة بلسان انكليزي طليق عن الحقوق والحريات في مصر والعالم العربي. وقد وصفتها المجلة بأنها نشيطة في النضال «ضد ممارسات الامتهان من كرامة المرأة في الشرق وضد المواقف العدائية من المسلمين في الغرب».

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية